image
الأحد 2022/10/16

آخر تحديث: 13:15 (بيروت)

من "ذاكرة أمم" إلى "ألو بيروت": مدينة فقدت جنّتها

الأحد 2022/10/16 محمد حجيري
increase حجم الخط decrease
 
في مفتتح كتابه "الزمن أطلالاً" يقول الانتربولوجي الفرنسي، مارك أوجيه "إن رؤية الأطلال تجعلنا بسرعة نستشعر زمناً غير ذاك الذي تكلمت عنه كتب التاريخ أو ذلك الذي تحاول عمليات الترميم أن تحييه. إنه زمن خالص عصيّ على التأريخ، وغائب عن عالمنا الطافح بالصور والمُخايلات والتشكيلات المجدّدة، عن عالمنا العنيف الذي يتسع الوقت فيه للأنقاض التي تصبح أطلالاً. إنه زمن ضائع يسعى الفن أن يعثر عليه"... واتّخذ مارك أوجيه مساراً طويلاً بين مواقع الأطلال أو الآثار، في مناطق مختلفة من العالم، وعاد إلى الأدب والسينما وإلى بعض الذكريات ليكتب نصاً دقيقاً وايحائياً، في الوقت نفسه.

ومن جملة المدن التي يتطرق إليها، بيروت التي شهدت استفحالاً في العنف الحربي والسياسي والاجتماعي... يذكر أوجيه بأن سحر الورشات والأراضي البور التي تنتظر استثمارها، قد أغوى السينمائيين والروائيين والشعراء. ويعود السبب الى مفارقته التاريخية و"الوجود المحسوس لماض مفقود"، من دون شك أن فراغ وسط بيروت أغوى الكثير من السينمائيين والمصورين والفنانين المعاصرين والشعراء والروائيين(الأمر يحتاج مقالة خاصة)، واذ تبدلت مسارات الأمور في لبنان وتمدّد الفراغ، وتكرر جنون التاريخ في شوارع بيروت مع انفجار المرفأ، وقبلها حرب تموز 2006 والاغتيالات السياسية، وشهدت عمليات إعادة إعمار متكررة لن تخلّص المدينة من الأطلال التي تسكنها. 

والحال أن كثرا من الفنانين أيضاً وجدوا في الأطلال "سحراً" من نوع آخر، لصناعة "الأثر الفني". فتيمة الأطلال باتت مألوفة بقوة في النشاطات الثقافية اليومية والموسمية اللبنانية، سواء في مشاريع التجهيز والكتابات عنها (وليد صادق وليد رعد مروان رشماوي وغيرهم) إلى الفن التشكيلي (أيمن بعلبكي)، مروراً ببعض أفلام السينما ورثاء ملصقاتها (عبودي أبو جودة) وصالاتها ونبش ذاكرتها وأرشيفها(هادي زكاك في كتابه "العرض الأخير"، انطوان كبابة "المشهد الأخير"... معرض "طرابلس سكوب" في شكا) إلى عالم الملاهي الليلية (معرض "ألو بيروت" مستعيداً أرشيف ملهى"الكاف دي روا")، والأبرز من كل ذلك عالم الصحف والمطبوعات، يتجلى ذلك في تجهيز "ذاكرة مدينة من ورق" الذي قدمه الفنان ألفرد طرزي في هنغار أمم في الغبيري(الضاحية الجنوبية)... يجمع أكثر من رافد ومسار تحت سقف واحد. فالنافل أنّ لقمان سليم، كان أحد أبرز المهتيمن بالأرشيف والنفائس الصحافية والوثائقية والحنينية في مرحلة ما بعد الحرب، وسعى بجهد إلى أرشفة ذاكرة الحرب الأهلية ويومياتها وأسماء مخطوفيها، واستطاع من خلال نشاطه منع الكثير من الارشيفات من التلف أو الهدر سواء أرشيف "استديو بعلبك" أو أرشيف بنك انترا وصولا إلى أرشيف فندق الكارلتون الذي هُدم في منطقة الروشة، والكثير من المقتنيات والمكتبات الشخصية لكتاب ومفكرين عرب ولبنانيين، وكل هذه الأرشيفات لها دلالتها العميقة، وتؤسس لابحاث ودراسات ومعارض فنية، في بلد لا يقرأ تاريخه أو لا يتّعظ منه...


تجهيز ألفرد طرزي، أتي كثمرة من ثمار مؤسسة "أمم" إلى جانب الجهد الشخصي للفنان، الذي استند في إنجازه الى أرشيفه الخاص ومجموعة صاحب "دار الفرات" عبودي أبو جوده وأرشيف يحيى حكيم، ويتمحور حول المدينة والعلاقة مع الورق والذاكرة وأثر الكتب والمطبوعات. اعتنى الفنان بأكثر من مئة مطبوعة صدرتْ خلال ثلاثينيّات القرن الماضي وحتى نهاية ثمانينيّاته وتتبّع مسارِها وسعى إلى الكشف عن ظاهرتَين مُتمايزتَين ومُرسَّخَتَين في هذه المطبوعات: الأولى بحسب تعريف المعرض "تتعلّق باستخدامِ وبإساءةِ استخدامِ تصويرِ المرأةِ كاستعارةٍ أو مَجازٍ الحرية والجنسانيّة، بينما تقومُ الثانيةُ على تمثيلِ العنفِ السياسيِّ الذي يتجلّى في النّزاعاتِ المُسَلَّحة. تتجلّى العَلاقةُ بين الظاهرتَيْنِ في ما يُشْبِهُ المغازلةَ والاستمالةَ أو التقييمَ المستمرَّ والمتبادل"، كان جسد المرأة علامة على الترف والاستهلاك في زمن مجد الثقافة والحرية والترف، وكان هناك جموح في استعمال جسد المرأة في عالم الصحافة، سواء السوقية منها، مثل مجلات "الجنس" و"الصنارة" و"صوت العدالة" و"ألف ليلة وليلة" وحتى بعض المجلات الفنية(الشبكة وأخواتها) أو الحداثية مثل مجلة "المكشوف" التي أصدرها الأديب فؤاد حبيش، لكن على الرغم من أن بيروت تعدّ واحة التعددية والثقافة والحداثة والشعر والأفكار الجديدة والنيّرة والصحافة "الحرة" والنساء الجميلات، فإن لبنان -رغم كل ذلك- شهد منذ الاستقلال عام 1943 أبشع الحروب وأنواع الاغتيالات السياسية التي طاولت عشرات الصحافيين والكتاب، واستعملت في الاغتيالات العبوات الناسفة والرصاص أو كاتم الصوت، وصولًا إلى الضرب بالفؤوس. وفي وجه أكثر فداحة، خلال الحرب الأهلية(1975 – 1990) صارتْ جثث القتلى في الشارع وعلى صفحات الصحف اليومية كأنها بورنوغرافيا سياسية. يقول ألفرد طرزي أنه بعد اطلاعه على المجلات وملاحق الصحف اللبنانية اكتشف أنّ "ثمة فكرتين تطغيان على هذه الوسائل الاعلامية الورقية: تحرير الارض وتحرير الجسد". ويضيف "نوعاً ما، فشلنا في الاثنين". كل شيء في معرضه يشير أن لبنان انقلب رأسا على عقب، الصحف التي عرضها، لم تعد موجودة، صور المعرض تقول إن جنون التاريخ في شوارع بيروت يتكرر، جنون الرياح الاقليمية يتكرر، وما بينهما ارتال من الأحلام والأكاذيب عشناها في حروبنا الطاحنة والطائشة وبلاءاتنا. 

ألو بيروت
معرض "ألو بيروت"، ليس ببعيد عن معرض "ذاكرة مدينة من ورق" وإن اختلفت عناصره، هذا المعرض الذي يقتبس عنوانه من أغنية الفنانة صباح، جانب آخر من "مجدنا" الغابر والآفل والزائل. يقام التجهيز في مبنى "بيت بيروت" الناجي من فم الوحش العقاري، والشاهد على تحولات المدينة وأحداثها وحروبها وعمرانها. وفي هذا التجهيز تختلط أيقونة المبنى التراثي مع أرشيف زاخر بأحداث تلخّص ماضي بيروت وما اختزنه من أحداث وسهرات وحفلات، تتنوّع بين صور ومقاطع فيديو وتجهيزات تفاعلية، تحاكي رؤيتهم لحاضر بيروت المستنزف أيضاً بفعل الفساد. ومن خلال فتحات الدشم الخرسانية التي تركها المسلحون في جدران المبنى، يمكن اليوم مشاهدة لقطات من التظاهرات الاحتجاجية التي عمت لبنان على مدى أشهر، بدءاً من 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، عبر شاشات صغيرة نصبت في فتحات الجدران. كما يُعرض في إحدى الغرف أثاث مهترئ ومقتنيات مدمرة تم جمعها من ملهى "كاف دي روا" أحد أشهر الملاهي الليلية في عين المريسة في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية. تخبر قصاصات صحف وأفلام نيغاتيف وبيانات دخول مستقاة من أرشيف الملهى المذكور، عن سياسات رسمية خاطئة وفساد متأصّل وإضرابات عامة واحتجاجات طلابية طبعت حقبة مهمة من تاريخ لبنان، عناوين من جريدة "النداء" الشيوعية أو جريدة النهار الليبرالية وصولا إلى لسان الحال...


 بروسبير غي بارا
انطلقت فكرة التجهيز، وفق القيمين عليه، من بحث دام عشر سنوات في أرشيف الملهى. وتكتب مديرة المعرض، دلفين أبي راشد دارمنسي،  "وقعت على أرشيف بروسبير غي بارا، ذلك الرائد الحالم المنسي من القرن الماضي، وكانت البداية عام 2011 من لي كاف دو روا"، الملهى الليلي الذي يجسد ما يسمى "لا دولشي فيتا"، تحت الانقاض، عثرت على مئات المحفوظات وآلاف صور النيغاتيف، تطلّب الأمر شخصا مثل ستيفان لاغوت الذي سيرسم ملامح بيروت اليوم بطريقته الخاصة، عن طريق صور نيغاتيف من زمن آخر، في مجموعته الفوتوغرافية بيروت lo vo" لأدرك أن على الصحافة أن تتحالف مع الفن لمحاورة عموم الناس". وفي رحلة البحث، صارت الفنانة أبي راشد جزءا من ذاكرة بيروت، فجمعها وتركيبها لمقتنيات ووثائق جعلاها تتعرف على بيوت قديمة أقفلت وهجرت، وتزور مسارح وقاعات سينما وقصورا غادرها أصحابها. وكونت الفنانة وجهة نظر معمقة عن علاقة اللبنانيين ببيروت.
واذا كان معرض "ذاكرة مدينة من ورق" يأخذنا إلى زوال فضاء بيروت، أي مطبوعاتها الثقافية والترفيهية والسياسية التي كانت تصنع أسطورة المدينة وايقونتها وأثرها وحتى فسادها، فمعرض "ألو بيروت" يأخذنا إلى الأمكنة الزائلة في بيروت وهي الوجه الآخر لأسطورة المدينة وكوزموبولتيتها وناسها وليلها الذي لا ينام، ومن هذه الأمكنة ملهى "كاف دو روا" الذي كان يستضيف شخصيات من قبيل بريجيت باردو وجورجينا رزق وريمون إدة ورينيه معوض، وتظهر صوره المنشوره في الفايسبوك مآل التحول الجحيمي الذي ضرب لبنان، من جنة سياحية في مرحلة ما بعد الاستقلال حتى بدايات الحرب التي، حولته رماداً وسوادا، ولم يكن أمام جيل ما بعد الحرب أو الحروب المتكررة سوى الندب والبكاء على الأطلال، كأنهم آدم المطرود من الجنة إلى تيه الأرض والخراب.


وملهى "كاف دو روا" كان يملكه بروسبير غي بارا (1914-2003)، وهو رجل أعمال فرنسي من أصل لبناني. افتُتح في العام 1955 في خضم زمن البحبوحة والسياحة وحكم كميل شمعون وأغلق "رسمياً" في العام 1982، أيام وصل بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية، وكانت منطقة الملهى شهدتْ ما سمي "حرب الفنادق" في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، بين المليشيات الفلسطينية واليسارية وميليشيا نمور الأحرار الشمعونية. وغي بارا يلقّب بـ"ملك اللّيل"، يملك فندق الـ"بالم بيتش"، وفندق "إكسلسيور" حيث كان "كاف دي روا" كما أنّه شغل منصب عضو اللجان في وزارة الشؤون الاجتماعية، وعمل خبيراً في هيئة السياحة، وممثل لبنان في المؤتمرات الدولية لصناعة الفنادق وكان محرراً رئيسيّاً في إحدى أهمّ الصحف اللبنانية، ومؤلف كتاب "عبوري هذا القرن".

توفي بروسبير غي بارا عام 2003 مع وجود عشرات المشاريع والمخطّطات الإصلاحيّة للبنان في جعبته. في كلام مديرة المعرض كأنها تعتبر غي بارا "المخلّص" و"المنقذ"، بالطبع انطلاقا من كتبه وأفكاره، ويُعرض بين الأعمال الفنية، نصّ لغي بارا، كتب فيه متحدثاً عن الطبقة السياسية حينها، "تلك العقول المريضة، المهووسة بجمع المال"، في انطباع ما زال سائداً بين اللبنانيين الذين أنهكهم انهيار اقتصادي غير مسبوق مستمر منذ نحو ثلاث سنوات وسط شلل سياسي... وتقول دارمنسي: "كان يتحدّث في الستينيات عما نعيشه نحن اليوم".


increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها