آخر تحديث:16:43(بيروت)
الخميس 04/06/2020
share

"برنامج" للثورة.. أو الذبول

مارك ضو | الخميس 04/06/2020
شارك المقال :
"برنامج" للثورة.. أو الذبول الثورة بحاجة لبرامج واضحة (علي علّوش)

إما أن تضع الثورة برنامجاً سياسياً اقتصادياً واضحاً، أو تذبل كحالة شعبية، وينتهى زخمها. الثورة عليها أن تتطور إلى معارضة سياسية، قادرة على كسر الحكم الطائفي الفاسد المرتهن للخارج، عبر وضع برنامج للبنان. وهذا أصبح مطلب جمهور الثورة من المواطنين اللبنانيين. وهم كثر على مساحة لبنان. يطالبون ببرنامج سياسي-اقتصادي يحدد مواقف دقيقة من النظام اللبناني ودستوره، ومقاربة اقتصادية واضحة، ترسم خطة إنقاذ من الأزمة الحالية، ومستقبل الاقتصاد والقطاعات لإعادة النمو، واستراتيجية للسياسة الخارجية بمواجهة إسرائيل والعلاقات مع سوريا والدول العربية والإقليمية والمجتمع الدولي.

قد لا يختلف جمهور الثورة على تحميل الزعماء وأحزابهم "كلن يعني كلن" مسؤولية الانهيار الكامل للدولة والاقتصاد. لكن تحميل المسؤولية شيء، وطرح برنامج سياسي لبناء لبنان ما بعد الأزمة، يفرز بين وجهات النظر المتعددة. والفشل في طرح بديل سياسي يعني خلو الساحة لبرامج الزعماء والفاسدين أنفسهم.
الثورة بحاجة لبرامج واضحة.

برزت خلال الشهور الماضية طروحات متعددة لدى المجموعات والأصوات البارزة في الثورة. وتعددت وجهات النظر في القضايا الأساسية، السياسية الاقتصادية والخارجية، وبدأت في فرز توجهات تستحق التطوير لتصبح برامج تسمح لجمهور الثورة بتبنيها، والعمل على أساسها كمعارضة سياسية صاحبة مشروع جدي، وقادر على أن يصبح بديلاً حقيقياً للسلطة الفاسدة المستمرة منذ الحرب الأهلية.

ظهر في أوساط الحالات الشعبية والمجموعات والتنظيمات ضمن الثورة، توجهان أساسيان.

المحور الأول: الموقف من النظام والدستور
في مسألة النظام، يطرح التوجه الأول أن هناك ضرورة لإنهاء النظام الحالي والميثاقية، والذهاب إلى مجلس تأسيسي يعيد تكوين النظام، معلناً انتهاء دستور الطائف، ويطالب بحكومة إصلاحية بصلاحيات تشريعية. ضمن هذا التوجه هناك من يذهب باتجاه طرح الفدرالية. ومنهم من يأخذ الحد الأقصى الثاني، وهو دولة علمانية شاملة. الاتجاه الثاني يعتبر أن دستور الطائف لم يطبق، خصوصاً في ما يتعلق بالمادة 95 لإلغاء الطائفية السياسية، وكذلك اللامركزية الإدارية الموسعة، وبالتالي يجب أن يكون برنامج المعارضة الثورية العمل على تنفيذه كاملاً، والذي حالت دونه تدخلات النظام السوري منذ 1990 وبعدها مصالح القوى الطائفية.

طبعا الخياران يرفضان منطق الميثاقية، ومنطق "حقوق الطوائف"، وشعارات التعايش والتوازن. لكن الاختلاف هو بكيفية الانتقال من النظام الفاشل الحالي إلى نظام أكثر استقراراً وحفظاً لحقوق جميع المواطنين من دون تمييز طائفي.

المحور الثاني: الاقتصاد
المحور الثاني هو الاقتصادي المالي. يتفق الاتجاهان بين الثوار على استعادة المال المنهوب والمحاسبة على الفساد وضرب منظومة نهب المال العام وأصحاب المصارف وحاكمية مصرف لبنان ومكافحة المحسوبيات، ويمتد التفاهم على دعم القطاعات المنتجة وحماية أموال المودعين وحفظ شبكات الأمان، خصوصاً الضمان الاجتماعي.

لكن التباعد بوجهات النظر محوره حجم الدولة ودورها في الاقتصاد، مقابل دور القطاع الخاص. ومن هنا يطلق فريق ضمن الثورة المواقف المؤيدة لإدارة الدولة لقطاعات أساسية من اتصالات، ونقل، وكهرباء، وصحة، ومرفأ وغيرها. في المقابل، يطرح الاتجاه الثاني الدولةَ كجهة ناظمة، ويشجع على إدارة القطاعات عبر شراكة ما بين القطاع العام والخاص. ويصل الأمر ببعض هؤلاء إلى طرح إنشاء صندوق سيادي لمؤسسات الدولة الاقتصادية، وصولاً إلى تأييد البعض للخصخصة.

كما يرفض الفريق الأول تدخل صندوق النقد الدولي والجهات الدولية بقروض مشروطة، والتي يصنفها بفقدان السيادة المالية. بينما الفريق الثاني يرى أن لا خلاص من دون التدخل الدولي والتمويل الخارجي، وإن شروطه قد يتم الاستفادة منها باتجاه الإصلاح الجدي للنظام.

ثالث نقطة اقتصادية يختلف عليها الاتجاهان، هي في كيفية التعاطي مع القطاع المصرفي. الأول يريد مسح رأس ماله وإعادة تكوين القطاع برمته، ومنع عودة أصحاب المصارف الذين ساهموا بكامل إرادتهم، وبسبب مطامعهم، بانهيار الاقتصاد وخسارة الشعب اللبناني لثروته، وإلغاء السرية المصرفية. فيما الاتجاه الثاني يريد معاقبة أصحاب المصارف، لكن لإنقاذ القطاع المصرفي والمصارف والسرية المصرفية، بما يخدم إعادة انعاش الاقتصاد، ولو برقابة صارمة من إدارات جديدة في مصرف لبنان وهيئات مالية وتفعيل بورصة بيروت والأسواق المالية.

أما الاختلاف الأخير في المحور الاقتصادي، فهو بين نظرة الاتجاه الأول الذي يريد إعادة تكوين دور الدولة لتقدم خدمات رعاية أوسع صحية، تربوية، نقل، وتغطية اجتماعية، وتتركز عنده هذه المهام ضمن مؤسسات الدولة. أما وجهة النظر الأخرى فتقول بشبكات حماية للأكثر فقراً وحفظ المؤسسات الضامنة القائمة مثل الضمان الاجتماعي. لكن على الدولة التركيز على تمكين الاقتصاد للنمو، عبر تمكين القطاع الخاص والتشريع للسماح له بالمنافسة والتطور، لخلق فرص العمل وإنتاج ثروة توزع على المواطنين عبر سياسة ضريبية عادلة.

المحور الثالث: السياسية الخارجية والعلاقات الإقليمية للدولة اللبنانية
يشتد الفرز بين الفريقين في ما يتعلق بموضوع الأمن والسياسة الخارجية. الجهة الأولى ترى أنه يجب تحييد سلاح حزب الله، مركزاً على دوره في محاربة إسرائيل وتأمين رادع بوجهها. ويعتبر هذا الفريق أن الحوار مع حزب الله هو الطريق المجدي للوصول إلى إصلاح الوضع اللبناني. ويعتبرون أن حزب الله غير معني مباشرة بالفساد. ولكنه مكبل اليدين بسبب الطائفية والخوف من صدامات داخلية، خصوصاً في الوسط الشيعي، قد تنتج عن مواجهة منظومة الفساد. وهذا التوجه يلتزم وجهة النظر أن المقاومة المسلحة، ولو محصورة بيد فريق واحد، ضرورة وطنية، وقادرة أن تكون معزولة وغير مؤثرة على بناء الدولة اللبنانية المدنية الخالية من الزعماء.

في المقابل وجهة نظر أخرى تعتبر حزب الله العمود الفقري للنظام الحالي، وصاحب اليد الطولى في حماية الفاسدين، ووقف مشروع بناء الدولة المدنية. هذا الفريق لا يرى إمكانية لنجاح الثورة في حال لم تواجه نفوذ حزب الله وتفرده بقرارات السلم والحرب، وزج لبنان في الصراعات الإقليمية. كما يرى هذا الفريق أن حزب الله عائق أساسي في تطبيق الإصلاح الاقتصادي الاجتماعي، إن على صعيد الحصول على الدعم الدولي، أو على إسقاط الفاسدين في الحكم، أو مواجهة النظام الطائفي في لبنان. وتقلل هذه الجهة بين الثوار من فعالية السلاح بوجه إسرائيل، أو ترى أن أي صدام سيكلف لبنان أضعاف ما سيخسره العدو. إذ يستخلصون أن تجنب الحرب وتخفيف حدة الصدام المسلح هو لمصلحة لبنان. معظم الثوار المنتمين لهذه الوجهة ينأون بأنفسهم عن خطاب 14 آذار، الذي يرونه فشل وارتضى الارتهان والالتحاق بمصالح إقليمية أخرى.. لكنهم متمسكون بضرورة مواجهة حزب الله، الذي هو برأيهم الحامي الأساسي للنظام السياسي الفاشل والفاسد.

خلاصة
مجموعات الثورة، بسبب "الهدنة" التي فرضتها كورونا، تمكنت من تطوير خطاباتها السياسية والتعمق في النقاشات، وبدأت تنسج تحالفات وتجمعات على أسس سياسية وبرامجية. وبعد قليل، سنرى تكاثر النقاشات الصاخبة ما بين الثوار في كل لبنان، حول كل القضايا المحورية الآنفة الذكر. كل هذا سيؤدي مع الوقت إلى برامج معارضة واضحة. عندها، تصبح الثورة مشروعاً تغييرياً حقيقياً وخطراً فعلياً على أحزاب النظام. وإذا هدفت هذه المقالة إلى شيء، فهو التشجيع على فتح النقاش والحوار، ومن ثم تطوير برامج متكاملة.. حتى تنتصر الثورة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها