آخر تحديث:17:54(بيروت)
الأحد 17/05/2020
share

حزب الله شريك في الجمهورية

أحمد جابر | الأحد 17/05/2020
شارك المقال :
حزب الله شريك في الجمهورية لكل "خاص" داخلي لبناني، خاص خارجي حاضر "بملائكته" (علي علّوش)

الوضع اللبناني الراهن، يكاد يكون بلا شبيه له، في سلسلة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي شكلت مجتمعة، سيرة الاستقلال اللبناني منذ عام 1943 وصولاً إلى الأيام الصعبة الراهنة. هو وضع جديد يواجهه اللبنانيون في طرائقهم المتباينة لمقاربة واقع الحال، وفي عمق انقساماتهم، الإجمالية والتفصيلية، حول كل قضايا اجتماعهم، مما يكاد يلامس، أو هو لامس، طرح الأسئلة حول إمكانية استعادة السياق المنسجم، على وجه عام، الذي عاش "السكان" في كنفه، مع ما رافق العيش من محطات اهتزاز واضطراب، ربما تساوى عدد سنواتها مع عدد سنوات الهدوء التي عرفها الوضع الوطني العام. إنشطار الزمن اللبناني على زمنين، جعل الشكوك رفيقة للزمنين، حين يستوي كل منهما على هيئته الأحادية، وحين يجتمع الواحدان على مقعد وقت واحد. هذه الحال أعطت المشروعية المستدامة لجملة: الوطن المعلق، ولجملة الاندماج العسير، ولجملة التشكل الوطني الناجز المعاق.. ولسوى ذلك من الجمل التي تجعل من كل شيء لبناني شيئاً مؤقتاً.

التشكيلة الحاكمة الصعبة
مثل الوضع غير المسبوق لبنانياً، التشكيلة السياسية التي تقود شؤونه، غير مسبوقة أيضاً، وهي أساس في علله، بدلاً من أن تكون ربان سفينة يقود سفينته خارج دائرة الأخطار.

بالقياس إلى صورة الساسة الذين تولوا مسؤوليات الحكم اللبناني، يبدو ساسة اليوم في صورة النسخة الأردأ، وفي مضمار تعداد نقاط تمايز الصورة الماضية عن الصورة الحالية، تبرز نقطة المصادر التي تحدرت منها قوى وأسماء الصورتين، والسمات والصفات التي تميز بين أفرادها، لجهة التاريخ السياسي والاجتماعي الذي يفسر جوانب عديدة من أداء هؤلاء، منفردين ومجتمعين.

تفصيلا: النسخة الحالية هي الأوضح، عندما تقدم شرحها طائفياً، ووضوحها يبلغ حد الإسفاف، عندما تبرر سلوكها مذهبياً، والتعبير عن مسوغاتها ودوافعها، يلامس "الوقاحة"، عندما يدلى بالمرافعة الطائفية والمذهبية فردياً.

والنسخة الحالية هي الأقل ميثاقية، والأقل استقلالية، وجهلها واسع، ميثاقياً وصيغوياً، وهي الأشد تجرؤاً على التلاعب بالدستور، وعلى القوانين وعلى المؤسسات الوطنية.. وكل ذلك باسم "الدولة"، وقيم الجمهورية، ودفاعاً عن الديمقراطية والعيش المشترك بين اللبنانيين.

عودة إلى مساقط رؤوس هذه التشكيلة السياسية، تكشف عن مسقط رأس واحد تعود إليه أغلبية الرؤوس  السياسية اللامعة، ولهذا المسقط اسم واحد هو إسم "الثكنات"، ومعسكرات التدريب، والمعروف أن الأساس العسكري هذا ارتبط بالحرب الأهلية اللبنانية التي انفجرت عام 1975. إذن ، ومن دون كسر لذراع الواقع أو لرأسه، يعود التجرؤ الشامل على مجمل السيرة اللبنانية، إلى الأصل البنيوي الذي جاء منه "شجعان" التجرؤ، فهؤلاء اقتصرت ثقافتهم على معادلة "الهجوم والدفاع" كما فهمها كل طرف منهم، وهم توزعوا غنائم "الهدنة"، التي صيغت شروطها من أحكام ميزان القوى الواقعي، الحقيقي وغير المتخيل، فقبل من قبل على مضض، وخضع من خضع على إضمار" معركة" تعديل توازن في المستقبل، وبالغ من فاز في تثمير  فوزه، ليجعل تفوقه المرحلي المؤقت، تفوقاً استراتيجياً دائماً...

ماذا يعني ذلك؟ هذا بلغة "محكية" لبنانية، يعني أن الكل "العسكري"، الخاسر، أو الممتعض، أو الرافض على إضمار لحصته، نصب كميناً للكل "العسكري" الذي ظن أنه يمكنه، وبالاستناد إلى موارده الشاملة، تثبيت المؤقت الميداني، ومن ثم تعظيمه وتطويره، ليصير غلبة راسخة، أو هيمنة بنيوية جديدة، تزيح الهيمنة الكيانية السابقة، وتحتل مكانها. هذا الأمر، وفي سياق غير المسبوق لبنانياً، يشكل طموحاً خاسراً قاده "الإسلام السياسي" بعد اتفاق الطائف، وهو ذات الطموح الذي قادته "المسيحية السياسية" فكانت ذروته في انفجار الحرب الأهلية.

استطراداً، وفي سياق ما سبق، يمكن القول أن مقاتلي الأمس، وعلى اختلاف عناوين قتالهم، يديرون معركة سياسية غير مسبوقة تحكمها معادلة من شقين: سعي الفائز الأهلي إلى انتزاع الكلمة الأولى في "الأمر اليومي" للجمهورية، وسعي من كان مقصياً أو مهمشاً، إلى استعادة "الإمرة" التي كانت له، فسلبت منه، وفي ظن هذا الساعي أن الظرف العام مناسب لهذه الاستعادة.

هو صراع طويل، وميدانه هذه المرة إزاحة "الدولة"، وتوزع مؤسساتها، وإحياء نزاعات توزيع السكان على "أحاديات" منابتهم الهوياتية الملتبسة، وها هي الأيام السياسية تحمل وقائع عينية خطيرة، مست عيش اللبنانيين، ومست تفاصيل اجتماعهم، وأشاعت شعوراً بلون من "الاستحالة" في ظل نظام الإقفال الطائفي، الذي يكرر سيرة إقفال ماضٍ، في صيغة سياسية عشوائية غير مسبوقة.

مسؤولية ومسؤولية
تتوزع المسؤولية تراتبياً على أطراف التشكيلة الحاكمة حالياً، وتوجيه أصابع النقد إليها كهيئة عامة، لا يلغي نقدها عندما يعاد كل طرف فيها إلى منبته الأهلي الخاص. وكما هو معلوم، فإن لكل "خاص" داخلي لبناني، خاص خارجي حاضر "بملائكته" عند صياغة العموميات اللبنانية.

في هذا المجال، من المفيد إعادة قراءة سياسات أطراف التشكيلة بعين النقد التقييمي غير "الرغائبي"، وبنص تحليلي مفهوم، يشرح ويفسر ويحاجج في الخلاصات، بعيدا من تسفيه مفتعل، أو من إلباس هذا الطرف السياسي الأهلي أو ذاك، لبوس الاستتباع والتبعية، والتخوين والنقص في العروبة، وقلة منسوب اللبنانية. هذا يعني الذهاب مجددا إلى طرح السؤال حول خلفيات السياسات المعروضة قولاً وعملاً، وعلى مساءلة فرضياتها وسلوكاتها وخلاصاتها، وما هو مطلوب من سياسيات لبنانية بديلة. على ذلك يصير عنوان المقاربة المقترحة: نظرة ثانية إلى التيار الوطني الحر، وعن أصله الذي صار معرفاً بالعونية السياسية وقول آخر عن حزب الله، وعن موقعه في الجمهورية اللبنانية، وعن الداخلي والخارجي فيه، وكلام مختلف عن تيار المستقبل وعن ما صار متداولاً عن الحريرية السياسية، وعن ما ينسب إليها من توجه دولتي و"حداثي" كتيار غير طائفي.. وفي هذا المعرض ترد النظرة المتخففة من مسبقات الماضي إلى القوات اللبنانية، ويظل حاضراً وليد جنبلاط بصفته المعبر عن الجنبلاطية التي افترقت افتراقا غير محجوب عن أصلها "الكمالي"، وظلت على اتصال مطلوب ومرغوب مع هذا الأصل، كلما اقتضت السياسات استحضار هذا الاتصال.

مسؤولية النظرات الجديدة تكمن في إعادة وصف شراكة أبناء التشكيلة الأهلية، وتحديد مسؤولياتهم ضمنها، وصياغة نقاط الاتفاق والاختلاف والمعارضة، بالتأسيس على القراءة الجديدة. في هذا المجال، ينبغي القول أن حزب الله مثلاً شريك في الجمهورية، ودوره الأول فيها يجعله مسؤولاً أول عن أفعاله ضمن الجمهورية التي هو شريك في حكمها، هذا يعني توجيه النظر إلى حزب الله الداخلي، وإلى قراءته لمجمل مصالح الشيعية السياسية التي يشكل الحزب دعامة ثباتها الأهم، مع شريكه الرئيس نبيه بري، في الثنائية الشيعية؟

العونية، أو التيار الوطني الحر، شريك أيضاً، وحليف لحزب الله، والسؤال الذي يطرح: كيف تقرأ هذه النسخة من المسيحية السياسية؟ أي ما القراءة في قراءتها لمصالحها، وما الصواب وما الخطأ الذي يراه القارئ النقدي الذي يحاول التزام جادة الموضوعية؟ على المنوال ذاته، يكون القول في أقطاب التشكيلة السياسية، في الحكم وفي خارجه، وهو قول، كما سبق، يتوقف أمام حقيقة المصالح الأهلية، فيناقش واقعها وخيالها، وما هو مشروع من طلباتها، وما هو متجاوز على التوازن العام.

خلاصة: يجب الأخذ بيد النظرات المختلفة إلى ساحة المصالح، ساحة الواقع، ومن ذات الساحة الواقعية، ومن أرضها، يعاد استنبات كل المعارضات الشعبية الواقعية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها