آخر تحديث:08:07(بيروت)
الخميس 09/04/2020
share

الكورونا:أصالة التعاطف الإنساني

وجيه قانصو | الخميس 09/04/2020
شارك المقال :

أهم صفة في فيروس الكورونا أنه صدم العالم، فاجأ الجميع، وكسر المألوف والمعتاد من الطبيعة، عرى الثقة الفائضة بالسيطرة والتحكم، ألغى الجداول والبرامج المسبقة والدقيقة للنشاط الإنساني، وسخَّف كل التوقعات، وفرض جدوله الزمني على البشر  كلهم، وجعل العالم يلهث وراءه ويسخر طاقته المالية والبشرية للحد من انتشاره والتقليل من كوارثه، ويستنفر موارده البحثية للدخول إلى تكوينه واكتشاف سره الغامض.

 الصدمة هي الحدث الذي يحصل للإنسان وهو في حال الغفلة عن شيء لم يلتفت إليه رغم أنه موجود هناك دائماً، عن أمر غير مفكرٍ فيه وغير متوقعٍ رغم أنه لا يتوقف عن إرسال نداءاته، عن جانب من الحياة الإنسانية لم يكن مدرجاً في جدول أعمال البشر اليومية رغم أنه يدخل في صميم معنى الحياة وتدفقاتها الخصبة، عن عمق وجودي لم يحظَ بالقيمة والإلتفات الكافيين داخل انشغالات الناس وطموحاتهم وتطلعاتهم.

ومثلما أن الصدمة خروج عن الغفلة، فهي حين تكون بحجم صدمة الكورونا: يقظة من سبات، خروج عن وضع مختل، تصويب مسار، معالجة أعطاب حياتية، استحضار أبعاد وجودية كانت مغيبة،  إعادة النظر برهانات ومسلمات قام عليه الإنتظام الإنساني الحالي، إنتاج منظومة معنى ونمط فهم مختلف للأشياء في حقائقها ودلالاتها وعلاقة الإنسان بها. 

  بعبارة أخرى هي دافع لإعادة بناء العالم الذي ألفنا واعتدنا العيش فيه.  والعالم هنا ليس الظواهر الفيزيائية التي تحيط بنا ولا الكائنات الحية التي تتقوم بقوانين وخصائص طبيعية، أي ليس العالم الذي يقدم نفسه لنا،  بل العالم الذي نسبغ عليه المعنى ونؤول حقائقه ونشبك وجودنا فيه ونكتشف إمكاناته ونحوله مدى مفتوحاً وخصباً لتحققاتنا الوجودية وتدفقاتنا الحياتية، أي العالم بما يعني لنا أن نعيش فيه.

هذا يكون بإخراج العالم نفسه من هيئته المقفلة والممتلئة بالضرورات والحتميات إلى عالم مفتوح ومليء بالإمكانات غير المتحققة واحتمالات الإنوجاد الإنساني اللامتناهية.  أي مجال متاح لتمارس الإرادة الإنسانية الحرة نشاطها، ومدى رحب لظهورات كامنة وتفتحات مختزنة في صميم حقيقتنا الإنسانية، التي هي حقيقة غير منجزة، ومشروع دائم التحقق، وكينونة تكره الكمال والإمتلاء، وتمل من الإكتفاء الذاتي، وتعشق ما لا تكونه، ومندفعة باستمرار نحو المستقبل الذي يشبع شغفها بملاقاة الغائب عنها والمفقود فيها.  فالإنسان بحسب هيدغر هو الكائن الوحيد الذي يعي ويدرك أن عبء تحقيق وجوده في هذا العالم يقع عليه وحده. 

كشفت صدمة الكورونا، تكثيف الدولة الحديثة الهائل لمواردها في حقل الإنتاج، والتلازم الشديد الذي أقامته بين الرفاه المادي والأمان Security الإنساني، إلى درجة أن موجبات الأمان الأخرى لم تنل العناية والاهتمام الكافيين.  لذلك وعلى الرغم من معرفة الولايات المتحدة والشمال الأوروبي المبكر من مخاطر الفيروس الصحية والاجتماعية، فإن سياسات التعامل معه بقيت محكومة لذهنية الحفاظ على وتيرة الإنتاج وعدم المساس بمعدل الدخل القومي. وعندما اجتاح الفيروس هذه البلدان، فإنه كشف عريها وعدم جهوزيتها بل بيَّن عدم إدراج الكوارث الطبيعية والبيئية في ميزانيات الدول وسياساتها، بحكم أن قاعدة الجدوى الاقتصادية ظلت الأصل الأول في وضع السياسات واتخاذ القرارات.

 هي وضعية وصلت إليها البشرية منذ أن تحولت الحداثة من رهانات وجود وفضاءات معنى وإمكانات إبداع هائلة، إلى عقلانية أداتية يقاس فيها عمل الإنسان وجهده وكفايته بكمية وقيمة السلعة التي ينتجها.  ومنذ أن صار الإنسان موضوعاً للعلم التجريبي الخالص، يمكن معه فك ألغازه واختراق حجبه الداخلية، وبناء نظام انضباط داخلي له ومعايير صارمة للسلوك السوي والمستقيم، تسهل معه السيطرة عليه والتحكم في كل ميوله ورغباته وتطلعاته.  فبات الإنسان نتيجة لذلك قيمة سوقية تحددها معايير العرض والطلب، وكينونة سدت فيها كل تدفقات الحياة وتوثباتها الخلاقة، وانحصر هاجسها بانتزاع الاعتراف بقيمتها الاقتصادية وتأكيد جدواها داخل شبكة الانتاج.             

بالمقابل تجد قوى ونظماً لم تفوت على نفسها فرصة استثمار أزمة فيروس الكورونا، لتخبر العالم، بصيغ متعددة وعبارات متنوعة، بأن الفيروس عقاب على إثم الاستجابة لحقيقتنا البشرية، أي إثم الاستجابة للدوافع الخلاقة والمتوثبة داخل التكوين الإنساني، وأن الفيروس تدخل غيبي أو كوني لتصويب أو إبادة وجود إنساني آثم، وأن ملاذات الأمان والاستقامة متاحة وطلائعها بدأت بالكشف عن نفسها.

إنه خطاب المشاريع والنظم والقوى التي تستمد زخمها من إدانة الطبيعة الإنسانية والتشكيك بجدوى الانوجاد في العالم الذي نعيش فيه.  فتعمد إلى تقديم عالم بديل أو مواز له لكنه افتراضي ومتخيل، وتقترح إنساناً جديداً مكتملاً لكنه إنسان منطفيء انمحت بداخله نوازع القلق والهلع والارتعاب والخطيئة.  هي مشاريع داعية في عمقها إلى الخروج من هذا العالم أو تدميره والعيش فوق أنقاضه، إلى إدانة صور الحياة بعناوين "أخلاقية" و"تقوية"، وإلى تعطيل كل البواعث الفائضة والأصيلة داخل الإنسان في مواجهة مصيره لوحده، أي إجهاض مشروع وجوده ككائن حر.  

هي قوى تراهن على وعد غيبي أو كمال ميتافيزيقي لخلاص العالم، ومحملة برؤية لا ترى الكائن الإنساني جديراً بصنع وجوده وتقرير مصيره، رؤية تملي عليه الخروج من عالمه الفعلي، ومعانقة وجود مكتمل وممتليء ومنجز، لا يحتاج إلى جهد لاستكشافه أو فهمه أو حتى حيازته، بقدر ما يدعوه إلى الإرتماء والسقوط فيه والتنعم بوعوده. هو وجود مرجأ ومنتظر، يُخرج الإنسان من وحدته وعزلته ويخفيه داخل الجموع، ويزرع فيه الطمأنينة واليقين وأحاسيس التفوق والامتلاء لينهي قلقه ويسكّن هلعه، إلا أنه يُنسيه وجوده وحقيقة أنه كائن محدود مرمي في عالم يهدد بقاءه ويحاصره من كل الجهات.

وضعنا الفيروس أمام حقيقة أننا نتألم وأننا كائنات مائتة.  هي حقائق لا تأتي إلينا من خارجنا لتعكر وجودنا بقدر ما أننا ننوجد بالألم والمعاناة والهلع من الموت المتربص بنا. ما يعني أن الفيروس أزال الحجب وأسقط أسوار الأمان الوهمية بيننا وبين حقيقتنا التي عمدت حضارتنا إلى ابتكار متع وبهجات لتناسيها، وعمدت ميتافيزيقياتنا إلى إغرائنا بوجود ساكن ومطمئن وآمن، أي وجود مزيف يزيف حقيقة ما نحن عليه وما نكونه وما يمكن أن نكونه.

مواجهة ما نحن عليه بصفتنا كائنات مائتة ومتألمة، لا يعني الاستسلام السلبي للألم واحتضان الموت بيأس، بل يعني كم هو معجز هذا الوجود الإنساني المحاصر بالموت ومهدد بالشلل، ورغم ذلك لا يهن ولا يضعف إصراره على صنع كينونته وسط صمت الوجود وعماء العالم المطبق.  هي قيمة تستدعي التثمين المركز للحياة بجميع صور انوجادها، وإخراج أقصى ما فينا من التعاطف الإنساني الذي لم نستجلِ حتى الآن حقله الخصب وفرصة اختباره وجوداً أصيلاً فينا.   


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها