آخر تحديث:14:47(بيروت)
الخميس 18/04/2019
share

بعد الانتخابات.. "آيا صوفيا" تختفي من الإعلام التركي

جو حمورة | الخميس 18/04/2019
شارك المقال :
بعد الانتخابات.. "آيا صوفيا" تختفي من الإعلام التركي ملصق أردوغان في انتخابات 2019: "اسطنبول بالنسبة إلينا قصة حب" (غيتي)
كالزيت الطافي على سطح المياه، تطفو بعض القضايا في الإعلام التركي لبرهة من الزمن، ثم تختفي. هذا هو حال متحف "آيا صوفيا" الإسطنبولي الذي تزعم السلطات أنها تريد تحويله إلى مسجد. لكنها لا تقدم على تلك الخطوة التي أعلنت عنها مراراً وتكراراً منذ العام 2002 وحتى اليوم، رغم الإمكانات المتوافرة للقيام بذلك. 
المتحف الذي تأسس في البدء ككنيسة من حجر العام 537، ثم تحوّل إلى المكان الذي يتوّج فيه أباطرة بيزنطيا، كان الأعظم في زمانه. ليعود ويصبح، مع دخول "بني عثمان" إلى القسطنطينية العام 1453، مسجداً. استمر الوضع على تلك الحال حتى العام 1934، يوم قررت السلطات التركية العلمانية تحويله إلى متحف لتزيد من أرباحها المالية وتخفف من التوتر السياسي بينها وبين اليونان وبقية الدول البلقانية.

يُعتبر متحف "آيا صوفيا" الأيقونة التراثية والمعمارية والدينية الأشهر في اسطنبول، والذي يُظهر أبهى حلل ومعالم المدينة. كما يتحول، كل فترة وأخرى، إلى موضوع سجال بين العلمانيين والإسلاميين، ووسيلة دعائية لاستفادة السلطة من أصوات القوى المحافِظة.

تُظهر مراجعة بسيطة لأبرز خطابات رجال السلطة والحزب التركي الحاكم حول المتحف، خاصية لافتة. فأبرز المواقف المؤيدة لتحويل المتحف إلى مسجد، تزامنت مع انتخابات برلمانية أو بلدية ما. فلا تتخطى الخطابات الداعية إلى تغيير هوية المتحف، حدود انتهاء الانتخابات زمنياً، ولا تسبقها إلا ببضعة الأسابيع. أما، إن وجدت تصاريح تتناول موضوع "آيا صوفيا" بعد الانتخابات، فهي، في مجملها، تدعو للتروي في موضوع تغيير هوية المتحف أو تتنصل من الوعود السابقة.

قبل الانتخابات البلدية الأخيرة في 31 آذار/مارس الماضي، بثلاثة أيام، أطلق رئيس الجمهورية التركية ومسؤولون آخرون سلسلة من المواقف المؤيدة لتحويل "آيا صوفيا" إلى مسجد. واحدة منها هي تصريح رجب طيب أردوغان في مقابلة مباشرة في محطة A Haber التلفزيونية بأن تحويل المسجد إلى متحف في الماضي كان "خطأ كبيراً جداً"، وتأكيده أن "آيا صوفيا ستدعى من الآن وصاعداً بالمسجد وليس بالمتحف، إذ أننا سنغيّر هويتها... والوقت قد حان لتنفيذ هذه الخطوة".

سرعان ما أخذ كلام الرجل الأقوى في تركيا بُعداً وطنياً، وتحوّل إلى حملة في وسائل التواصل الاجتماعي مؤيدة في غالبيتها لتك الخطوة الموعودة. أبرز البعض صوراً لـ"آيا صوفيا" يوم كانت مسجداً، والبعض الآخر كرر كلام أردوغان وآخرين حول ضرورة إعادة الأمور إلى نصابها و"إعادة البسمة لذلك المبنى التعيس".

وجد الإعلام خبراً ليتناقله، فأحضر "جيشاً" من المحللين والخبراء لتحليل تصريحات أردوغان ومصير هوية "آيا صوفيا" وتاريخها. ركز الإعلام الموالي على أهمية الخطوة وأثنى عليها، في دعاية واضحة للحزب الحاكم. فيما تحاشى الإعلام المعارض الخوض في الموضوع، لمعرفته المسبقة أن تحويل المتحف إلى مسجد هو مطلب تركي ذو شعبية، ويلقى آذاناً صاغية من مجمل الناخبين.

وعلى المنوال نفسه، استنكر رئيس حزب "الشعب الجمهوري" المعارض كمال كيليتشدار أوغلو، استخدام المتحف في الدعاية الانتخابية لحصد الأصوات قائلاً: "لا داعي لفتح موضوع آيا صوفيا الآن، خصوصاً أن أردوغان يستعمله كأداة في محاولة يائسة لكسب الأصوات الانتخابية، ما يؤكد أن الحكم الحالي بات على مشارف الهزيمة".

كسب الحزب الحاكم، وللمرة العاشرة ربما، قلوب وبعض أصوات القوى الإسلامية المحافِظة، والتي غالباً ما تختلف مع أردوغان وحزبه وتتهمه بمحاباة العلمانيين وعلمانية الدولة. الطريقة "الأردوغانية" الدعائية الفعالة استخدمت هوية "آيا صوفيا" من جديد لكسب الأصوات، فحقق الرجل وحزبه نتائج مرضية في شرق البلاد ووسطها الأناضولي والأرياف حيث للناس ميول محافِظة وتتقبل نهج أسلمة الدولة أكثر من المدن الكبرى التي خسرها انتخابياً.

مع انتهاء الانتخابات تلاشى ذكر هوية "آيا صوفيا" في الإعلام، وعلى لسان أردوغان ومسؤولي حزبه. لم يزد أي منهم أو أي من "جيش" المحللين على ما صرحوه قبل أيام، إلا بعض التصاريح التي تتنصل مواربة من الوعود السابقة وتدعو إلى التروي قبل الشروع في هكذا أمر خطير قد يؤثر في العلاقة مع اليونان وروسيا والغرب.

تكررت قصة استخدام هوية متحف "آيا صوفيا" في الانتخابات الأخيرة كما حدث تماماً قبل مجمل الانتخابات التي سبقتها.

يستخدم السياسيون المتحف بسبب رمزيته لكسب التعاطف والأصوات، ويتدخل الإعلام في تعميم هذا الاستخدام السياسي – الديني وإيصاله إلى مسامع الناس، فيبث الأفكار ويحورها لغايات انتخابية، ثم يختفي الموضوع من المتداول بعد الانتخابات بأيام، في دوامة لا تنفك تكرر نفسها من استخدام الدين والإعلام لغايات سياسية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها