الجمعة 2023/12/29

آخر تحديث: 12:31 (بيروت)

يوسا، "حرب نهاية العالم": الأدب كنداء استغاثة.

الجمعة 2023/12/29
يوسا، "حرب نهاية العالم": الأدب كنداء استغاثة.
إن "حرب نهاية العالم" هي في متنها الأعم رواية المهمّشين
increase حجم الخط decrease
ماذا يعني أن أنهي العام بقراءة "حرب نهاية العالم" (منشورات الجمل) لمارغو فارغاس يوسا؟ لست أدري. في ردّه على سؤال عن الأسباب التي تدعوه للكتابة قال يوسا: "أكتب لأني غير سعيد. أكتب لأن الكتابة طريقة لمحاربة التعاسة"، وكان ذلك أثناء مقابلة أُجريت معه في العام 1990.

 

لعل رواية "حرب نهاية العالم" تشكّل في بعدها الأخير ترجمة حرفية لجواب يوسا أعلاه. إنها رواية تستدعي كل نصوص الهلاك وكأني بيوسا عبر هذا العمل الضخم أراد تجسيد كل أسباب عدم سعادته. ليس الأدب كما تجسده "حرب نهاية العالم" مجرد سرد لأحداث أو رسم لشخصيات أو وقوف عند ملامح بعينها في مجمل السلوك الإنساني. فالأدب هنا هو أقرب ما يكون إلى عين ضخمة، عين هائلة، عين لا متناهية ترصد القَبل وتتنبّأ بالبَعد وتعفّر الحاضر السقيم بتراب الماضي والمستقبل وبغبار الواضح والمنطوي.

أكثر ما تشي به "حرب نهاية العالم" هو أن النهايات تتشكّل منذ اللحظات الأولى لتشكّل البدايات، فالبدايات بحسب هذا العمل تستبطن النهايات بل ترى أن هذه النهايات تسعى جاهدة لترويض البدايات بما يتآلف مع مآربها التي غالباً ما تكون شيطانية. فالعالم بجوهره هو محفل الشيطان الذي تارة يضرب خبط عشواء وتارة أخرى يتجسّد عبر "مبتكرات لا تؤذي في الظاهر" كما جاء في الصفحات الأولى من الرواية.

رواية المهمّشين
إن "حرب نهاية العالم" هي في متنها الأعم رواية المهمّشين، رواية المبعدين، رواية المجانين من أهل اليوتوبيا والذين قد استحسنوا الإختلاء في بقعة من العالم، اختاروا الإنزواء عن كل الآخرين. ولكن، هل للعالم أن يسمح بهذا الإختلاء، بهذا الإنزواء... هل للعالم أن يسمح بتداريه؟ كلا، هو جواب "حرب نهاية العالم" ومن النافل من ثم أن يتحول هؤلاء ليكونوا حاجة العالم للتماسك، أن يتحولوا ليكونوا أكباش فداء العالم بالمعنى الذي ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار حيث القضاء على أمثال هؤلاء يشدّ أواصر العالم ويوطّد من عزم بنائه. إنما، وكما يردد جيرار: "إن إعادة بناء العالم لا يمكن أن يتم من دون بُعد الفناء". ففي مجمل سعيه للضبط يبقى الفناء هو مصير العالم كما ينبئنا يوسا في "حرب نهاية العالم". فالتاريخ يمدنا بالشواهد التي تجلي الحقيقة التالية: إن الضيق لا يعتري الفناء المحايث لكل ضروب الأنشطة البشرية وإن الحرج لا يأخذ بمجامع هذا الفناء الطاغي. تراه يتسلّل، يختلس النظر، يتمدّد، ينقبض ويزدرد لعابه تمهيداً لانقضاضه الأخير... تمهيداً لحرب نهاية العالم.

 

فليس التاريخ في جملة تقلباته إلا حجة هذا الفناء، هذه الحرب النهائية. غالباً ما يكون لأبطال التاريخ ألف وجه – إذا ما أردنا أن نستعير عنوان الكتاب الشهير للعالم الأميركي جوزف كامبل – بيد أن كل ضروب البطولة ليست بنهاية الأمر سوى همهمات شيطان الفناء. إن منازلة "شياطين الرضاعة" التي تؤسس الهويات الثابتة والسرديات الضخمة والأسلاك الشائكة وسياسات حروب الجماعات والقبائل غالباً ما تنتهي – هذه المنازلة – بما يتلاءم مع مآرب هذه الشياطين كما يرى إلى الأمر كامبل وهو ما سرده روائياً بارغاس يوسا في "حرب نهاية العالم".

بث المعنى
ربما الكتابة كما يبتغيها يوسا هي محاولة للحد من إسراف الفجيعة، ربما هي محاولة جادة لبث المعنى الذي يلبّي شرط السكينة في العالم. فتراكم الكلمات قد يكون محاولة أخيرة لمنع تدفّق سبل الفناء لكن أطلال الزمن تقدّم جملة من الدروس التي تضاد كل الغايات النبيلة للمعنى. جاء في "الزمن أطلالاً" للأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه: "التاريخ مخيّب للأمل عندما يفصله تلعثمه عن المعنى. جنون التاريخ متكرر، الفظائع تتكرر". ولكن، متى كفّ لسان التاريخ عن أن لا يكون متلعثماً؟ إنه التلعثم الذي أفضى بجملة ناس "حرب نهاية العالم" لأن يتمسكوا بأمل واحد... "كان الموت أكثر أهمية لهؤلاء الناس من الحياة. لقد عاشوا حياتهم منبوذين نبذاً كلياً وكان طموحهم الوحيد هو أن يُمنحوا فرصة أن يُدفنوا على نحو لائق". فعدم الرغبة بالإنضواء ضمن الفجيعة العامة للعالم تدفع بأصحاب الأهواء الخاصة هؤلاء، تدفع بهؤلاء المجانين الأغراب عن العالم لأن يأملوا بقبر لائق، و"حرب نهاية العالم" في هذا السياق هي صدى لِما قبلها وتمهيد ضخم لِما بعدها في عالم الأدب. فقبل "حرب نهاية العالم" قال الشاعر الفرنسي شارل بودلير في رسالة لأمه: "جلّ ما تقدمه المدينة الحديثة في مجال العواطف هو الرغبة العارمة بالإنتحار"، أما الروائي الأميركي بول بولز فقد قال بعد "حرب نهاية العالم": "إن الأمن مفهوم زائف في هذا العالم".


عبر قراءة تأويلية ما، تجيز لنا "حرب نهاية العالم" القول إن لا منتصرين في الحروب، فكل انتصار ينطوي بالعمق على كل أسباب الهزيمة أما الإحتفال بالنصر فهو ضرب من استقلال المخيلة بذاتها، شطط الخيال البشري ووهم القامات المنتصبة وشارات النصر المرفوعة. فهذه الرواية تلمح إلينا أن الحروب قد تكون حاجة النسور لإلتهام الجثث وحاجة الفئران لخوض أحشاء الموتى. أما شارات النصر تلك وقرع الطبول والنفخ فلا تتعدّى أن تكون فأفآت شياطين الحروب التالية.

رتق العالم
في تبريره لبعض جرائم منبوذي العالم وأغياره إستلهم أحد شخصيات الرواية عبارة لأحد الأناركيين الروس، باكونين، تقول: إن المجتمع يهيئ كل أسباب الجريمة. إنما طول السرد وتشعباته في "حرب نهاية العالم" يطالعنا نحن القرّاء بسؤال يفيض حتى الحدود الأخيرة للقص: ماذا إذا كان العالم هو بحد ذاته الجريمة؟! إن إعادة رتق العالم بمجازات الأدب والقداسة والخلاص ليست إلا رتوش هش يزيّن هذه الحقيقة المطلقة: "لا بدّ من إعمار... المقبرة" كما جاء في الصفحات الأولى من رواية يوسا. فكل المجازات الخلاصية ليست إلا تعليق مؤقت لمشهد الفناء والكارثة.

يقول الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين والذي انتحر في العام 1940، "كل وثيقة للحضارة هي في نفس الوقت وثيقة للبربرية"، وما انتحار بنيامين في هذا الصدد إلا تجسيداً للنهاية المستمرة وهي النهاية التي يتوسلها سكان كانودوس في رواية "حرب نهاية العالم" هرباً من المسيح الدجال الذي قد غمر المعمورة... "تزدحم الشوارع بالأطفال الذين يشبهون الكهول، والكهول الذين يشبهون الأطفال، ونساء مثل عصي المكانس".

في نص له عن "حرب نهاية العالم" يخبرنا يوسا أنه انطلق في بناء هذه الرواية من أحداث حقيقية... "وهكذا قررت أن أستخدم كانودوس التاريخية كمادة خام لكتابة رواية انتويت أن أكون حراً تماماً فيها" (يوسا/ الكاتب وواقعه). إنها الحرية التي لبّت شرط الرواية لأن تكون نداء استغاثة يطلقه الأدب إزاء ما يعتور العالم من أسباب الكارثة والفجيعة والإنقطاع والفناء.  في المقابلة المنوّه عنها في بداية هذه المادة يقول يوسا في ردّه على أحد الأسئلة: "أعتقد أن ما أحبه ليس الكتابة نفسها، بل إعادة الكتابة، الحذف والتصحيح... أعتقد أن ذاك هو أكثر أجزاء العمل إبداعية".

المرمى
ربما تكون "حرب نهاية العالم" بالمرمى الأخير بمثابة البلورة النصية لعالم بحاجة إلى أشكال متنوعة من الحذف والتصحيح وإعادة الكتابة. فتلك النهاية التي تحايث البدايات الأولى للشكل السياسي والإقتصادي والحقوقي للعالم الحديث لا تني تمهّد السبل لإعادة النظر بشكل العالم، هي نهاية تستحث الإبداع لإعادة بلورة البدايات.

يخبرنا يوسا في أحد فصول الرواية عن نوع من النمل يدعى نمل الكاتشاريما، وهو من القوة والفجور بحيث يستطيع اختراق البشرة والتسبب بالحروق والطفح الجلدي وصولاً إلى الإلتهابات القاتلة. اقتصر وجود هذا النمل في "حرب نهاية العالم" في ساحات المعارك وقد تمّ تحويله إلى سلاح فتّاك تتوسله هذه المجموعة المقاتلة أو تلك للفتك بأعدائها، بيد أن ما لم يقله يوسا صراحة في عمله الروائي هو أن نمل الكاتشاريما تجاوز بالحقيقة ساحات القتال واكتسح العالم عن بكرة أبيه وقد اتخذ أشكال عديدة. ثمّة في هذا العالم من ينخر جلودنا، يحرق أحشاءنا، يمزّق أطرافنا وينهش أيامنا وقلوبنا. إنه نمط شيطاني جداً من النمل يترصد صحتنا، أمراضنا، جنونا، عقلنا، ذخائرنا المصرفية وفترات هدنات حروبنا وصولاً إلى طلق أنفاسنا. لقد حوّل هذا النمل كل العالم إلى ساحة معركة، إلى حرب... حرب نهاية العالم.

هل للأدب أن يكون نداء استغاثة حيال واقع العالم هذا؟ لست أدري... فلنكتب وكفى!

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها