آخر تحديث:14:01(بيروت)
الإثنين 03/05/2021
share

حسان عباس إن شرح تطوّر الموسيقى الدينية في سوريا

حسن الساحلي | الإثنين 03/05/2021
شارك المقال :
  • حسان عباس إن شرح تطوّر الموسيقى الدينية في سوريا
    صوت
  • صوت
    صوت
  • حسان عباس
    حسان عباس
بعد سلسلة  "الدراماتورجيا: مفاهيم وتطبيقات" مع الدكتورة ماري الياس، قدمت مؤسسة إتجاهات سلسلة فيديوهات جديدة تتناول موضوع "الموارد الثقافية اللامادية في سوريا" من إعداد وتقديم الكاتب والأكاديمي السوري، حسان عباس، الذي توفي في آذار/مارس الماشي (على أن تخصص السلسلة القادمة للإخراج المسرحي مع روجيه عساف)، وتأتي ضمن برنامج سبل الذي أطلقته المؤسسة منذ عامين لـ"دعم التعليم الفني في سياقات هشة، وخلق بدائل حيوية تعزز المعرفة عبر محتوى ذي سوية عالية باللغة العربية ...". وقدم عباس خلال العقد الماضي، جهوداً كبيرة لتطوير السياقات البحثية التي تتناول مواضيع مرتبطة بالثقافة والتراث، ما يظهر بشكل خاص في عمله  مع مؤسسة "إتجاهات" حيث أشرف على تدريب ومراجعة 74 مشروعا بحثياً حول مواضيع مرتبطة بالفن والثقافة.


تتألف السلسلة من عشر حلقات، مدة الواحدة منها نصف ساعة، تتناول مظاهر ومجالات تحقق التراث اللامادي في الحياة اليومية من المطبخ إلى الحرف التقليدية، الألعاب، الإحتفالات، والموسيقى التقليدية بشقيها الديني والدنيوي. للوهلة الأولى، تبدو المواضيع التي تتناولها السلسلة مستهلكة، لكن مع الشروع في مشاهدة الحلقات يتضح أننا أمام عمل مرجعي وكثيف حول موضوع لم يسبق تقديمه بهذا المزيج من التأنّي العلمي، والعرض السلس.

يعرّف عباس التراث الثقافي بأنه كل فعل أو ردّ فعل أو مهارة أو خبرة أو معتقد يشعر الإنسان من خلاله أنه يعبر عن هوية أو ينتمي إلى مجموعة، حيث يمكن تقسيمه إلى أربع خانات: القلب أي كل ما له علاقة بالمشاعر مثل الأدب والشعر والغناء، الروح التي تحيل إلى الأديان والأساطير، العقل الذي يرتبط بالافكار واللغات، وأخيراً اليد التي تسمح بالقيام بالمهارات الحرفية، المطبخية، او المرتبطة بالألعاب. يتناول عباس ايضاً بعض تعريفات اليونسيكو وهي المنظمة الأممية المعترف بمرجعيتها في موضوع التراث الثقافي، والتي تقسم مجالات عمل التراث اللامادي إلى: تقاليد شفاهية، فنون أداء، احتفالات وطقوس، مهارات يدوية، بالاضافة للمعارف المتعلقة بالكون، إن كانت التقويمات الزمنية او التقاليد المرتبطة بالاتجاهات مثل القصائد التي وضعها البحارة اليمنيون لمعرفة الاتجاهات والأمكنة باستخدام خريطة رمزية لمواقع النجوم.

من الحلقات اللافتة في السلسلة، تلك التي تتناول موضوعي الموسيقى التقليدية (الحلقة الثالثة والرابعة) والرقص (الحلقة الخامسة) وهي حصيلة بحث مكثف عمل عليه عباس لسنوات ونشره ضمن كتاب "الموسيقى التقليدية في سوريا" (2018). تظهر الحلقات الثلاث بمثابة ملخص مختصر للكتاب حيث تمتلك تقريباً بنيته وتقسيماته نفسها والتي تتوزع على خانات الموسيقى الدينية، الإثنية، الشعبية، والرقص.


يبدأ عباس بالموسيقى الدينية عند الطوائف المسيحية التي يبلغ عددها 11 كنيسة تؤدي الاناشيد والتراتيل بثلاث لغات هي العربية، البيزنطية والآرامية. يعتبر اباء الكنيسة السريانية أول من طوّر الانماط الموسيقية الدينية ضمن الطوائف المسيحية، بعدما اعتمدت طويلاً على التراث اليهودي، حيث وضع رجال الدين السريان خلال القرون الثلاثة الأولى، نصوصاً جديدة للصلوات والتراتيل تعتمد على ألحان محلية، لكن من دون التخلي كلياً عن التراتيل اليهودية.

اتّسمت هذه الالحان باللهو والخفة، ما ينطبق بشكل خاص على ترانيم الشاعر والفيلسوف برديصان الرهاوي (154 – 222 م) التي يبلغ عددها 150، وقلدت إلى حد كبير مزامير داوود النبي، وجذبت المراهقين والشباب الذين التفوا حول الفرقة، شاركوها في الغناء والرقص والخمر واللهو.

بدأ هذا الوضع بالتغيّر خلال القرن الرابع، مع القديس مار أفرام السوري، الذي رأى أن هذه الألحان من البدع التي تلهي الشباب عن واجباتهم الدينية، ليضع مكانها أناشيد وترانيم جديدة "قويمة". تبقى ابرز إضافات القديس، فرقة الكورال التي تتألف حصراً من البنات لتأدية ترانيمه الجديدة خلال الصلوات والقداديس والأعياد، وقد ساعدت في جذب الشباب واستهداف "أهل البدع"، قبل ان تتطور مع السنوات وتضاف إليها أناشيد جديدة على أيدي رجال دين آخرين مثل مار ساويريوس، الذي ألف تراتيل روحية باللغة اليونانية ترجمت إلى السريانية، كما على أيدي مؤمنين من المدنيين مثل "القواقين" وهم فئة من صانعي الخزف اشتهروا بتأليف التراتيل. لم تعد الآلات الموسيقية موجودة في هذه المؤلفات وأصبحت محرّمة، ما يحيله عباس إلى اسباب عديدة من بينها ارتباط الموسيقى بالاحتفالات الدينية الوثنية.

أما الألحان الغنائية، فبقيت الكنيسة تبرر وجودها لأنها "تخفف من وطأة التعب على الناسك وتلهيه فينسى الشعور بالوقت والملل، كما تساعد على زيادة تفهّم المعاني الكامنة في التسابيح الروحية، بما أن "الكلمة التي تُلفظ بعذوبة موسيقية تكون افعل في النفس وأحب إليها ... " وفق ما ينقل عباس عن أحد مؤرخي تلك الفترة.

تأتي أهمية الموسيقى السريانية الدينية من أنها ليست دينية فحسب، بل هي موسيقى إثنية أولاً "تمثل موسيقى الشعب الآرامي الذي كان يسكن في بلاد الشام، وحافظ على وجوده في المدن والقرى (باللغة ايضاً) حتى القرن العاشر، علماً أن بعض القرى الآرامية ما زالت تحافظ على هذه اللغة حتى اليوم، مثل جبعدين، معلولا وبخعا".

من ناحية أخرى، يشير عباس إلى ان معظم الأغاني الشعبية السورية هي آرامية في الأصل، باستثناء مناطق انتشار البدو في الشرق (الأقرب إلى تراث الجزيرة العربية)، بسبب دخول الشعب السرياني - الآرامي في الدين الإسلامي جماعياً خلال القرن العاشر، ما أدى إلى تعريب الأغاني الشعبية الآرامية التي كانت منتشرة في سوريا آنذاك، ما يفسر التشابه الكبير بين الأجناس والايقاعات والألحان الدينية السريانية، مع الأغاني الشعبية المنتشرة في جميع المناطق السورية.


تمايزات بيزنطية
بعد القرون الأربعة الأولى، حصلت تمايزات في الموسيقى، تبعاً للاختلافات الكنسية، فقد استعملت الكنيسة البيزنطية نظام الألحان الثمانية بشكل مختلف عن السريان، حيث وزعت الألحان إلى أربعة أصلية وأربعة مشتقة، تستعمل الأجناس الشرقية المعروفة في لغتنا المعاصرة وهي البيات، الراست، الصبا، والحجاز... أما الترتيل، فكان غالباً باللغة اليونانية، باستثناء مقاطع قصيرة ظلت تستعمل فيها اللغة السريانية، وهو ما استمر حتى منتصف القرن التاسع عشر في أنحاء سوريا حين دخلت العربية بفضل يوسف الدوماني، الذي دوَّن تعاليمه لاحقاً متري المر، الشخصية الشهيرة في عالم الموسيقى الدينية والدنيوية خلال القرن العشرين، وألّف ألحاناً معروفة أشهرها لحن "يا لور حبك"، والنشيد الوطني السوري السابق "نادت الأوطان هيّا".

ومن أبرز ميزات الترتيل البيزنطي تقليد الأوسن L’ison، وهو غناء لدرجة التونيك يؤديه بعض أعضاء الجوقة بنَفَس واحد ممتد من بداية الترتيل حتى نهايته، ما يعطي هالة من الإحساس بالمعق الروحاني.

اما الموسيقى الأرمنية فقد امتلكت مساراً مشابهاً في البداية، رغم أن المملكة الأرمنية تبقى أول دولة تعتنق المسيحية بين القرن الأول والثالث. فقد رتل رجال الدين الأرمن بالعبرية، إلى ان وضعت الأحرف الأرمنية خلال القرن الخامس، ما سمح بترجمة الكتاب المقدس ووضع تراتيل باللغة الأرمنية دخلت على الموسيقى التي كانت ألحانها سريانية بالغالب وما زالت حتى اليوم. لكن، في القرن الثالث عشر، انقطع التدوين الموسيقي على الطريقة الأرمنية، إلى أن أتى الراهب غوميداس خلال القرن التاسع عشر، ليدخل البوليفانية ويحول الموسيقى الأرمنية لتصبح أقرب للموسيقى الغربية الحديثة (نازعاً بذلك أي أثر للموسيقى الشرقية منها).

أما في ما يخص الموسيقى الإسلامية، ورغم تحريمها من قبل رجال دين كثر، فيبقى حضورها اللحني، كبيراً ومؤثراً في المجتمع السوري، حيث يمكن إيجادها في الآذان الذي يتبع مقامات مختلفة كالمقام العراقي، او في الأذكار التي تضم قصائد من الأدعية والابتهالات. ولا يمنع هذا من بعض الابتكارات، كالآذان الذي يقدم بشكل جماعي "بطبقات ومقامات مختلفة" في المسجد الأموي خلال ايام محددة من العام، أو أداء الأذكار من المئذنة في حلب قبل صلاة الفجر من قبل الشيوخ أصحاب الأصوات الجميلة والقوية حصراً مثل صبري مدلل.


لكن تبقى الأشكال الموسيقية الدينية، مرتبطة بشكل خاص بالاحتفالات، إن كان العامة منها كالأعياد والموالد، أو الخاصة عند ختان الأطفال، واستقبال الحجاج. في العيد الكبير مثلاً، يؤدي رجال الدين تكبيرات العيد، وهي جُمل وأدعية تتبع مقامات لحنية ثابتة، أما المولد النبوي فيضم تنويعات من المدائح والإيقاعات مع فواصل قرآنية. ويعرج عباس على احتفالات الطوائف الإسلامية، كالعلويين الذين يحتفلون بالعيد الرابع، بإلقاء قصائد ملحنة بالقرب من المزارات وضرائح الشيوخ الكبار. أما عند المرشديين، فتجتمع الطائفة التي ينحصر وجودها في سوريا، ضمن ساحة تسمى السرادق، حيث تؤدي قصائد كتبها مجيب بن سلمان المرشد الذي أطلق الدعوة المرشدية، بمرافقة ألحان شعبية معروفة.

أما في ما يخص الطرق الصوفية، فتتنوع هنا المظاهر الموسيقية والايقاعية، خصوصاً خلال الذِّكر، وهو الطقس الأشهر عند الصوفيين، ويضم عادة أقوالاً وآيات وأدعية، تختلف حسب كل طريقة، علماً أن بعض الطرق تضم حركات خاصة بها، يقوم بها أفراد الطريقة بمرافقة أناشيد على إيقاعات ثابتة، تخلق حالة الوجد التي يمكن ان تنتهي بالحُلول أو لا. وتصل هذه الحركات أحياناً إلى حد ضرب الشيش عند الأخوية الرافعية، حيث تستعمل أداة حادة لوخز الجسم كطريقة للتحرر من الجسد، أما عند الطريقة المولوية فيؤدي بعض الأفراد "الفتلة"، التي تمثل دوران الكون، على إيقاع محدد.

من الاحتفالات الصوفية المشهورة "خميس المشايخ" (الخميس الأخير من شهر نيسان) الذي يتألف من مسيرات لشيوخ الطرق الصوفية أمام الجمهور، يتقدمهم في العادة حمَلة الصنوج والمَزاهر. ويؤدي عدد من أفراد المسيرة، أناشيد وحركات خاصة بكل أخوية، تنتهي بزيارة أضرحة عدد من الشيوخ السابقين.

يُذكر أن هناك احتفالات كثيرة مشتركة بين الطوائف، ذات أصول مرتبطة بحضارات قديمة، يصادف بعضها بداية الربيع الذي كان بداية العام الجديد في التقويم القديم، او يصادف نهاية موسم الحصاد، مثل عيد البربارة، الذي يحتفل به المسيحيون والعلويون في آن.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها