آخر تحديث:12:56(بيروت)
الجمعة 21/05/2021
share

سمير غانم... مَصْمَصة الحياة والقهقهة في وجه الموت

ناصر كامل | الجمعة 21/05/2021
شارك المقال :
سمير غانم... مَصْمَصة الحياة والقهقهة في وجه الموت رقصته في "أميرة حبي أنا"، واحدة من عشرات اللحظات المنفلتة من تحديد نقدى، وتظهر فرادة سمير غانم (غيتي)
بينما ينغلق قوس حياة سمير غانم، المبهرة، تنفتح سيرته على الأعاجيب: السياسة الدولية، والصراع العربي- الصهيوني، والنكسة والاستنزاف، وتحولات الاقتصاد العالمي، والعالم الذي يضيق إلى حد التلاشي، ومقاومة الألم بالقهقهة. وتغلف هذا كله، طاقة فذة، لمَصمَصَة الحياة.

لهذا كله، وأكثر، مما يضيق به الوقت، يمنعنا حضور سمير غانم المستمر في حياتنا، من الإسراف في الحزن على وفاته، والمدهش أن رحيله ينبهنا إلى الأثر العميق، وربما المبهج- نعم، المبهج- لجردة سريعة تستحضر نحو ستة عقود كاملة.

مدخله إلى عالم الفن برفقة جورج سيدهم والضيف أحمد، تحت لافتة "ثلاثي أضواء المسرح"، يتفرع منه ملمح يبدو غريباً. فقد نتوهم، مثلاً، أن لكلمة "ثلاثي" هذه، صلة تناص، فقط، مع "فرقة الثلاثي المرح"، الفرقة الغنائية المصرية شهيرة، المكونة من ثلاث مغنيات، ونشطت بين العامين 1958- 1967، وتميزت بأعمالها الاجتماعية الخفيفة، لكننا لن نعدم من يسحب أمر التناص إلى لفظه الروسي المقابل: الترويكا، وهي في الأصل "عربة خفيفة تجرها ثلاثة جياد"، لكنها أصبحت مصطلحاً سياسياً دالاً عقب وفاة ستالين (1953)، حين شرعت القيادة السوفياتية في تبني خيار القيادة الثلاثية، بديلاً من القيادة الفردية للزعيم المطلق، وفاض المصطلح خارج توازنات القيادة السوفياتية (قيادة الحزب، ورئاسة اتحاد الجمهوريات، ورئاسة الوزراء)، بدعوة خروتشوف (العام 1960) إلى إصلاح الأمم المتحدة، بحيث يتولى ثلاثة أشخاص منصب السكرتير العام، بدلاً من واحد. ومنذ ذلك الحين، بات وجود ثلاثة مسؤولين عن القرار في أي هيئة، أو شركة، أو كيان، يسمى ترويكا، وحالياً يشير المصطلح إلى ما هو أعمق في الهيئات الدولية والسياسية. فمثلاً، في الاتحاد الأوروبي، يشير إلى الرئاسة السابقة والحالية والمقبلة للجانه، ما يعني التواصل والاستمرارية، ودلالة على سيرورة الزمن: الماضي، والحالي، والمقبل.


العقل الذي ولّف الثلاثي كان المخرج محمد سالم، انتقاهم وقذف بهم إلى مختلف مجالات الفن. الثلاثة كانوا قد برزوا في المسرح الجامعي، واختاروا قالب "الاسكتش"، وملامح طفيفة من الكوميديا دي لارتي (كوميديا الارتجال أو الكوميديا الايطالية). "الاسكتش"يعني مشهداً أو قطعة مسرحية ذات أبعاد صغيرة، بصفة عامة ذات صبغة كوميدية، ويستغرق ما بين دقيقة وعشرة دقائق ويكون ارتجاليًا. ومن مميزاته أنه يشتغل على الآني من الحياة اليومية، والذي يحظى بقدر عال من الاهتمام الجماهيري، فيسخر منه، ولذلك ينسلخ الاهتمام به سريعاً، فهو آشبه بماكينة هائلة تريد الجديد كل لحظة.

اللحظة المصرية، وربما العربية، عندما قذف سالم بالثلاثي إلى الحياة الفنية المصرية، كانت لحظة نشوة مفرطة. كان العام 1963، وفيه قدم سالم فيلمين: "القاهرة في الليل" في أغسطس/آب، وهو أول فيلم مصري ينتجه القطاع العام. وبعد شهرين قدم "منتهى الفرح"، وقد يكفي الاسم، لكن المشهد الافتتاحي أكثر دلالة: "الشركة العامة للانتاج السينمائي العربي تقدم، ثم يظهر طفل صغير يجرى عابراً شارعاً في وسط المدينة حاملاً بضع نسخ من جريدة المساء، ويصيح: أبطال اليمن، أبطال اليمن، ويظهر العنوان الرئيسي "المانشيت": استقبال الأبطال.. عبد الناصر وبن بلا يشتركان...". والأعمق في دلالته، الحشد الهائل من المطربين والممثلين، يكفي وجود فريد الأطرش وعبد الوهاب معاً. هؤلاء جميعاً يحتفلون بعودة الجنود المصريين منتصرين من اليمن.

في الفيلمين، تظهر بعض معضلات "الترويكا" الطبيعية، المنطقية، المفهومة. عرفنا أنه في الأصل هناك عربة خفيفة تجرها ثلاثة جياد، ومن المنطقي أن تتفاوت قدرة التحمل والعطاء. ومع الثلاثي الذي يبدأ خطوات سباقه الأولى، هناك حساسيات منطقية، ثلاثة أسماء فمن يُكتب أولاً؟ سالم، العقل الموجّه، وضع سمير أولاً في الفيلم الأول، وجورج في الثاني، وظل الضيف في المؤخرة، في معظم الحالات.


بعد أربع سنوات من "منتهى الفرح"، وقعت النكسة -هزيمة 5 يونيو المدوية- ويبدو أن السلطة رأت أن المزاج العام يحتاج "الفرفشة"، الكثير منها في الواقع، وليس بعضها. وهكذا ظهرت "فوازير رمضان" بعد ستة أشهر من النكسة، ودخل الثلاثي كل بيت مصري فيه تلفزيون، يومياً، لشهر كامل، وهم يدعونهم إلى "الفرفشة". كان انتقال الفوازير من الإذاعة إلى التلفزيون بمثابة إعلان نهائي على نهاية عصر وسيادة آخر. 

في الفوازير تظهر كل سمات كوميديا "الثلاثي". فمثلاً، جورج يبرع في أداء نسخة شائهة من شهرزاد عصرية، وهو بالإضافة إلى سمير، أكثر الممثلين لعباً لأدوار نسائية مضحكة.
كان الحضور الثاني الأكثر تأثيراً في جماهيرية الثلاثي، هي حفلات أضواء المدينة، حيث قدموا، على مدى نصف ساعة، عدداًُ من الاسكتشات، ثم أن سالم جمع بعضها وصنع منها مسرحيات.

وبعيداً من الثلاثي، لكن مع الإبقاء على اتصال أكثر دلالة في سياق هذه القراءة: قاد محمد سالم الجانب الفني مما يعرف بالتغطية الماهرة لإحدى عمليات المخابرات المصرية، أي ضرب الحفار الإسرائيلي في أبيدجان –وهو ميناء في ساحل العاج على المحيط الأطلسي- من خلال تصوير بعض مشاهد فيلم "عماشة في الأدغال" العام 1968.


وكان 1970 عام تحول كبير، هائل، ومفجع أيضاً. صعد الثلاثي من الأدوار المساعدة والثانوية إلى أدوار البطولة. في ذلك العام، ظهرت أسماؤهم في أعلى "الأفيش"؛ في فيلم "لسنا ملائكة"، وكان الترتيب فريداً: جورج، ثم الضيف، وأخيراً سمير. وأثناء التصوير، توفي الضيف، واحتال المخرج ليكمل العمل. رحل الضيف، وبقت الفرقة المسرحية تحمل العنوان نحو عقد من الزمن، لكن الفراق بين جورج وسمير كان حتمياً، وكانت الفوازير السبب. فقد عمقت الفوازير، التي قدمها سمير، من تأليف عبد الرحمن شوقي وإخراج فهمي عبد الحميد لثلاثة مواسم متوالية (1982- 1984) الافتراق، بقدر ما رسخت نجوميته، بعيداً بمسافة ملحوظة عن رفيقه.

امتلك سمير الكثير من الجرأة. تخلى عن النظارة الطبية، ووضع باروكة، ظلت فاحمة السواد حتى لحظة ظهوره الفني الأخير، قبل أيام من وفاته، وظل يطلب العمل، ويسعى إليه أينما توافر وكيفما توافر، يريد أن ينهل كل ما هو ملك يديه وفي قدرته، كمثال مذهل على العراك مع الحياة وملاعبتها.


في سماته الفنية، اشتغل سمير غانم على ما لا لم يطرقه، إلا نادراً، الممثلون الكوميديون المصريون: مزيج خاص من كوميديا الجسد المشذبة، والارتجال المنضبط. عملان يمثلانه جيداً، أكثر من أي عمل آخر قدمه: مسرحية "موسيكا في الحي الشرقي"، وهي تمصير بارع لفيلم "صوت الموسيقى"، وفوازير "فطوطة". في بعض الأفلام، يظهر لدقائق معدودة، ينطق بضع كلمات، فيشيع قهقهة متواصلة. في فيلم "عالم عيال عيال" (1976) يظهر لنحو ثلاث دقائق فقط، لا تتوقف خلالها قهقهة المشاهد. عشرات من هذه اللحظات المنفلتة من أي تحديد نقدى، تظهر فرادة أداء سمير غانم. في مشهدين، يستغرق كل منهما حوالى عشر ثواني، يرقص سمير رقصتين: الأولى في فيلم "أميرة حبي أنا" (1975)، والثاني في مسلسل "ميزو" (1977)، حيث قدم سمير غانم ملمحاً مكثفاً لخصوصية أدائه.

كان ظهوره الأخير في إعلان تلفزيوني يشارك فيه ابنته الصغرى، إيمي، لبضع ثوانٍ، كأنه يقول سأظل أُمَصمِص الحياة حتى ما بعد النهاية، بحثاً عن تلك القهقهة، وإن لم تفلح في منع الموت. فالعالم ما بعد كورونا أضحى محدوداً إلى حد التلاشي، وهي، على الأقل، تجعل ملاقاته ميسرة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب