آخر تحديث:12:20(بيروت)
الأربعاء 21/04/2021
share

"محاكمة سبعة من شيكاغو".. ماضي أميركا صدى حاضرها

محمد صبحي | الأربعاء 21/04/2021
شارك المقال :
  • "محاكمة سبعة من شيكاغو".. ماضي أميركا صدى حاضرها
    احتجاج ذكي وساخر.. ساشا بارون كوهين في دور آبي هوفمان
  • بين صراعات عرقية تهز المجتمع الأميركي اليوم، ومحاكمة هزلية مسيّسة من العام 1968
    بين صراعات عرقية تهز المجتمع الأميركي اليوم، ومحاكمة هزلية مسيّسة من العام 1968
  • بعد أكثر من خمسين عاماً.. أميركا هي أميركا؟
    بعد أكثر من خمسين عاماً.. أميركا هي أميركا؟
"في صباح أحد أيام السبت من العام 2006، دُعيت للذهاب إلى منزل ستيفن سبيلبرغ. هناك، أخبرني برغبته في إنجاز فيلم عن أعمال الشغب في شيكاغو العام 1968، والمحاكمة الصُورية التي أعقبت ذلك. قلت "سأكتبه، يبدو موضوعاً رائعاً. يجب أن نصنع هذا الفيلم". غادرت وكان أول شيء فعلته هو الاتصال بوالدي لسؤاله عما حدث في شيكاغو العام 1968 وما هي تلك المحاكمة. لم أكن قد سمعت بها من قبل" – آرون سوركين في حوار معه حول الفيلم.

حيرة آرون سوركين، الذي انتهى به الأمر بعد تأجيلات عديدة، إلى كونه ليس فقط كاتب سيناريو الفيلم، وإنما أيضاً مخرجه، هي نفسها ما سيشعر به معظم الجمهور الأجنبي. فما الذي حدث في شيكاغو العام 1968، وكيف كانت المحاكمة اللاحقة؟

من 26 إلى 29 آب/أغسطس من ذلك العام، عُقد المؤتمر الوطني للحزب الديموقراطي في شيكاغو، حيث اختير مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية. انقسم الديموقراطيون حول التدخل العسكري في فيتنام، الذي أقرّه زعيمهم، الرئيس الأميركي ليندون جونسون. جاء الآلاف إلى المدينة للتظاهر ضد الحرب. كان المناخ متفجراً في 1968، الذي ميّزته احتجاجات قام بها العمال والطلاب في أنحاء العالم، فيما على الصعيد الأميركي هزّ اغتيال مارتن لوثر كينغ وروبرت كينيدي البلاد. كانت المنظمات الراديكالية مثل "الفهود السود" تشهد صعود نجمها، وأقل شرارة يمكنها إشعال نار هائلة. في البداية، كانت المسيرات والتجمعات سلمية، في أجواء شبه هيبية، مع حفلات الموسيقى والشعر والرقص والعروض الساخرة من الشرطة والرئيس.

لكن بعد استفزازات من الشرطة، ردّ المتظاهرون، وكان ردّ وكلاء السلطة قمعاً وحشياً. اتُهم ثمانية من المحتجين المعتقلين بالتآمر وصُعّدت قضيتهم إلى محاكمة واجهوا فيها أحكاماً بالسجن لمُدد تصل إلى عشر سنوات. تمت تبرئة الأسوَد الوحيد بينهم من التهم، ودخلت المجموعة التاريخ باسم "Chicago Seven". بوجود ريتشارد نيكسون على رأس السلطة بعد هزيمته الديموقراطي هوبير همفري في الانتخابات، كانت فكرة الإدارة الجديدة هي الحصول على أحكام تنكيلية بالمتهمين وضرب المثل بهم، حيث أقامت مهزلة قضائية استمرت من أيلول/سبتمبر 1969 إلى شباط/فبراير 1970.

هذه المقدمة التاريخية ضرورية لمقاربة الفيلم بحد أدنى من السياق. قصة "محاكمة سبعة من شيكاغو" قد تبدو بعيدة المنال لولا أن عنف الشرطة والطبيعة التعسفية للسلطات، شهدا، في أيار/مايو الماضي، فصلاً جديداً في الولايات المتحدة، باغتيال جورج فلويد وقمع التظاهرات العديدة التي تلت ذلك. وكانت النتيجة 19 قتيلاً. من المعروف أن هوليوود تحب أن تضخّ في إنتاجاتها قضايا الأجندة الحالية. تصدَّرت النسوية والتنوع الجنسي والعنصرية هذه الأجندة في السنوات الأخيرة. حصل الفيلم على ستة ترشيحات لجائزة الأوسكار التي ستعلن نتائجها بعد أقل من أسبوعين.


لكن الفيلم ليس انتهازياً، رغم ذلك، خصوصاً حين معرفة أن قصّته ظلّت في بال المخرج طيلة 14 عاماً. عطفاً على ذلك، عندما يتعلق الأمر بفيلم عن الحُكم والسياسة الأميركيين، فمن الطبيعي أن نفكر في آرون سوركين، كاتب السيناريو المخضرم الذي يقف وراء أفلام مثل "بضعة رجال فاضلين" أو سلاسل تلفزيونية مثل "الجناح الغربي" و"غرفة الأخبار". فهو من النوع المتخصص في إلقاء الحقائق المتناقضة في وجه المشاهد بطريقة مُسلّية وذكية في المجمل. فيلمه الأخير لا يخرج عن هذا النطاق، باقتراحه مقارنة بين الصراعات العرقية التي تهز المجتمع الأميركي اليوم ومحاكمة هزلية مسيّسة من العام 1968.

يمتلك الفيلم مخططاً درامياً مشابه لذلك الذي في "بضعة رجال فاضلين" (1992، روب راينر)، وعروضاً أدائية مكتوبة خصيصاً "كي لا تُنسى". هنا، لدينا نوع من الخلاصة الوافية لمهاراته في إبقاء المشاهد مدمناً على استكمال الفيلم لنهايته، رغم طوله النسبي وإمداده قسرياً بما يطيل حياته. يروي سوركين، وهو في الأساس راوي قصص كفوء، خلفيات المحاكمة الفاضحة التي جرت في خريف عام 1969، حين اتهم الادعاء سبعة قادة اجتماعيين نظمّوا مسيرات احتجاجية ضد حرب فيتنام بالتحريض على العنف ومهاجمة السلطات. يستخدم سيّد الحوارات الرشيقة الأحداث الحقيقية ليحكي قصة بلد ممزَّق يتصارع فيه اليسار واليمين، والعنصرية جزء من يومياته ويحضر العنف دائماً في سردياته.

إنها قصة تحتوي على كل شيء: أبطال بخلفيات متناقضة ومسالك متباينة، المثقف الشاب توم هايدن (إيدي ريدماين)، الهيبيان البوهيميان آبي هوفمان (ساشا بارون كوهين) وجيري روبين (جيريمي سترونغ)، الناشط السلمي عتيق الطراز ديفيد ديلينجر (جون كارول لينش)، وفوق كل شيء، مجموعة من المؤامرات التي تجعل من المحاكمة لعبة بهلوانية ملئى بالعواطف والمفاجآت. على صعيد الإخراج، بهذا الفيلم، تمكّن سوركين من التغلب على بداياته الخجولة في باكورته الإخراجية "لعبة مولي"، لينجز عملاً حيوياً ولاهثاً في معظم فتراته بفضل اعتماد الكاميرات المحمولة في التصوير، بالإضافة إلى مونتاج متزامن ينسج، بدءاً من المحاكمة، سلسلة من ذكريات الماضي التي تقدم سرداً متعدد الجوانب لما حدث بالفعل في الاحتجاجات ويربطها براهن الولايات المتحدة وتداعيات مقتل جورج فلويد. لا يزال الأميركيون الأفارقة يُقتلون على أيدي الشرطة في ظروف مشابهة لتلك التي حدثت أثناء محاكمة شيكاغو، عندما قُتل فريد هامبتون، نائب رئيس "الفهود السود" وقتها، على يد ضباط الشرطة الذين أطلقوا 90 رصاصة على منزله.

ما يثير اهتمام سوركين هو تحليل الحقائق التي أغرقت أفراداً مختلفين في أفعال مشكوك في صحّتها، حين وضعها تحت عدسة القانون المكبّرة. هذه بالضبط هي حالة فيلم "الشبكة الاجتماعية" (2010، ديفيد فينشر)، الذي فاز عنه سوركين بأوسكار أفضل سيناريو، وهو فيلم له هيكل مشابه لهيكل فيلمنا. غير أن الأوديسة المحمومة في فيلم فينشر عن صعود مارك زوكربيرغ، تغدو في فيلم سوركين قصة رمزية بسيطة لا تحفر عميقاً في موضوعها وتكاد تعالجه بشوكة وسكين الصوابية السياسية. هناك القليل من الغموض في هذه القصة التي ينتهي بها الأمر إلى رسم كاريكاتوري لأبطالها، لم ينج منه تقريباً سوى المحامي ويليام كونستلر (مارك ريلانس)، بتحويلهم مثاليين صبيانيين نعرف مسبقاً أنهم مقدّرون للنجاح في ادعائهم البراءة. يساهم في ذلك النبرة المرحة والساخرة للمشاهد التي تحرص على تفادي الواقعية، في سبيل تطريز الصورة بكادرات ملوّنة ومبهرجة مثل حدوتة أطفال تستثمر في العواطف السهلة.

غير أن هذا التبسيط التنفيذي ربما يكون مقصوداً في حدّ ذاته، والفيلم نفسه يؤكد على وعيه بالإمكانات السياسية الهائلة التي يمكن للفكاهة اكتنازها بألعابها اللغوية وإيجازها اللاذع ومفارقاتها السخيفة أحياناً والكاشفة معظم الوقت. يتبدّى ذلك في عرضه جزءاً كبيراً مما حدث حول هذا المؤتمر من خلال ذكريات الماضي التي يستدعيها الشهود على المنصّة، وكذلك أثناء قيام آبي هوفمان بعرض كوميدي في أحد الأقبية. تتماشى تلك اللحظات مع قصّة الفيلم، التي فيما تتبنّى نموذجاً سردياً لدراما محاكم تقليدية، تعمل أيضاً ككوميديا ​​عبثية حول فساد السلطة المستبدة وهزلية مؤامراتها. لأن سوركين، على عكس صانعي الأفلام الآخرين المكرسّين للتعمّق في الماضي الأميركي القريب، لا يحاول إعادة كتابة التاريخ بل التفكير فيه من منظورٍ لا يمكن أن يوجد إلا بمرور الوقت.

(*) رُشّح الفيلم لستّ جوائز أوسكار، من بينها جائزة أفضل فيلم. يُعرض حالياً في "نتفليكس".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها