آخر تحديث:08:14(بيروت)
الأحد 21/03/2021
share

"يهوذا والمسيح الأسود".. في ثورة"الفهود السود" وعنها

محمد صبحي | الأحد 21/03/2021
شارك المقال :
  • "يهوذا والمسيح الأسود".. في ثورة"الفهود السود" وعنها
    نجاح الفيلم يعتمد إلى حد كبير على مصداقية الممثلين
  • القوّة للشعب والثورة للجميع.
    القوّة للشعب والثورة للجميع.
  • حبّ برهن الظرف الثوري.
    حبّ برهن الظرف الثوري.
  • ليس فيلماً عظيماً، لكنه خطوة صغيرة نحو حساب جدّي لماضي أميركا المظلم
    ليس فيلماً عظيماً، لكنه خطوة صغيرة نحو حساب جدّي لماضي أميركا المظلم

في 4 كانون الأول/ديسمبر 1969، اقتحمت شرطة شيكاغو شقة زعيم "الفهود السود" في إلينوي، فريد هامبتون، وقتلته أثناء نومه بطلقتين في الرأس. قُتل مسلحون آخرون أو أصيبوا بجروح خطيرة خلال إطلاق نار وحشي، أطلقت فيه الشرطة 90 رصاصة في مقابل رصاصة وحيدة أطلقها رفاق الزعيم الشاب المغدور. ديبورا جونسون، رفيقة هامبتون الحامل في شهرها الثامن، نجت بأعجوبة. قام وليام "بيل" أونيل، الذي شغل منصب رئيس الأمن في حزب "الفهود السود"، بتخدير الضحية وقدّم تفاصيل كاملة عن مكان العملية الدموية.

تفاصيل أخرى مزعجة ومروّعة يمكن العثور عليها في ويكيبيديا. عاش فريد هامبتون حياة قصيرة لكن مكثفة. مكثّفة جداً. من الصعب تصديق أنه عندما قُتل بوحشية، كان يبلغ من العمر 21 عاماً فقط، في غضونها استطاع أن يغدو أحد أبرز قادة حزب الفهود السود، ورئيساً لفرع شيكاغو لتلك المنظمة الأفروأميركية الثورية التي، بعد اغتيال مالكولم إكس ومارتن لوثر كينغ، انتهجت سبلاً قتالية عنيفةً لتأكيد حقوق الأقلية السوداء والدفاع عن المجتمع الأسود بمواجهة شرطة فاشية وعنصرية. كانت جماعة مسلّحة تبجّل تشي غيفارا، مثل كثير غيرها في تلك الأوقات، ولها تطلّعات ثورية كبيرة، وانخرطت أيضاً في نشاط اجتماعي/خيري مستمر مع الأطفال من القطاعات الأكثر حرماناً، حيث عملت على تأمين الغذاء والتعليم والصحة، في لفتة تكافل إنساني نادرة وسط عالم بلوتوقراطي تمثّل الولايات المتحدة نسخته الأكثر توحشّاً.

بالنسبة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، الذي كان يعمل على تفكيك "الفهود السود" منذ تأسيسها في عام 1966، باعتبارها تهديداً للأمن القومي؛ تطلَّبت شخصية هامبتون الكاريزمية اهتماماً فورياً. فيلم "يهوذا والمسيح الأسود"(*)، الدائرة أحداثه في عام 1969، يعيد الاعتبار لهذا الرجل الذي لم يكن سوى شخصية ثانوية في فيلم آخر مرشّح للأوسكار، هو "محاكمة 7 من شيكاغو" لآرون سوركين؛ بإلقاء الضوء على الشاب الذي كان يأمل البعض في أن يكون مسيحاً لمجتمع السود بعد وفاة مارتن لوثر كينغ ومالكولم إكس. يروي المخرج والكاتب شاكا كينغ كيف خطّطت الوكالة لـ"تحييده" باستخدام أحد أكثر نماذجها تقليدية: الاختراق/التجسّس والتسلّل إلى داخل بيئة الهدف.

 

 على الشاشة، بطل الفيلم الحقيقي ليس هامبتون، بل الجاسوس ويليام "بيل" أونيل، الذي يفتتح الفيلم قوسه الحكائي بلقطات له في مقابلته التلفزيونية الوحيدة، والتي روى فيها القصة التي سنراها. بالتأكيد ليس كل القصّة، لكن حقيقة انتحاره ليلة إذاعة تلك المقابلة التلفزيونية، تقول الكثير.

كان بيل (لاكيث ستانفيلد) مجرماً صغيراً في شيكاغو، يسرق سيارات السود متنكراً في هيئة ضابط فيدرالي تدعمه شارة سحرية مزيّفة تنزل الرعب في القلوب. اعتقلته السلطات ذات ليلة، وحصل على واحدة من تلك "العروض التي لا يمكن رفضها". أخبره العميل روي ميتشل (جيسي بليمونز) أن الطريقة الوحيدة التي يمكنه بها تجنُّب سبع سنوات في السجن بسبب جريمته، هي التسلّل إلى فرع شيكاغو التابع لحزب "الفهود السود" وإبقائه على اطلاع بأنشطتهم. يتردّد بيل، لكنه ينتهي بالموافقة، ويبدأ حياته كخُلْد يحفر جحره بدأب ومهارة داخل أرض "أعداء الامة الأميركية"، حتى يصير مقرباً من زعيم المجموعة، فريد هامبتون، ومسؤولاً أمنياً لا ترقى إليه الشكوك.


سيقضي الفيلم بعض الوقت في عرض نشاطات هامبتون (دانيال كالويا). نراه ثورياً متحمّساً برطانة مُقنعة وملتهبة، يحبّ مالكولم إكس ويستلهم خطبه، ومهتم بتوحيد المزيد والمزيد من الناس في عمله الاجتماعي في أفقر أحياء شيكاغو. بقصد تشكيل تحالف يساري أكبر (يُطلق عليه اسم "تحالف قوس قزح")، يتعيّن على هامبتون أن يجمع تحت لواء محاربة الاضطهاد الأبيض/الدولتي مزيجاً من عصابات مخدرات سوداء وقوميين بيض مهمّشين ولاتينيين يطالبون بحق تقرير المصير. في الأثناء، وبالتوازي، يتابع الفيلم قصة حبّه مع ديبورا جونسون (دومينيك فيشباك) التي، بالإضافة إلى كونها عضواً في "الفهود"، تكتب الشعر وتحاول إخراج جانب أكثر حساسية/رقّة من حبيبها المسيّس للغاية.

لكن، كما الحال في معظم الأفلام التي تركّز على العمل السرّي، سيكون التركيز الرئيسي هنا على العلاقة التي يطوّرها هامبتون وبيل. يجب أن يتعامل المتخفّي/الجاسوس مع صراع متنامٍ بين التزاماته تجاه مكتب التحقيقات الفيدرالي وإعجابه المتزايد بعمل هامبتون الاجتماعي وخُطَبه وكاريزماه. يتردّد الرجل طوال الوقت في المضي قدماً في دوره كـ "خُلْد"، ولكن بالتوازي، تبدأ الوكالة في ممارسة المزيد من الضغط عليه، حتى أن مدير مكتب التحقيقات جيه إدغار هوفر (مارتن شين) ينخرط بنفسه في المهمة، جالباً معه المزيد من الوحل القومي والضلال الشوفيني. يختبر بيل بشكل مباشر ما يقوله هامبتون عن النوايا المظلمة للسلطات، ويدرك تدريجياً أن الأخير على حق. أنها حرب قذرة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي يمكنه إحباط الناس بتشويه سمعة مناهضيه، مثلما بإمكانه التضحية بأبرياء تواجدوا في اللحظة/المكان الخطأ، سعياً وراء إكمال مخططاته. وهكذا، يدرك أن التزامه كجاسوس سينتهي به لفترة أطول وأكثر تعقيداً مما توقَّع، وأن مكتب التحقيقات الفيدرالي غير راضٍ عن مجرد تزويده ببعض المعلومات حول هامبتون، بل يسعون وراء كل شيء.


"يهوذا والمسيح الأسود"، كما يوحي العنوان بمنابعه الدينية، هي قصة خيانة. لرجل، نعم، ولكن أيضاً لفكرة، لخطّة، وحتى لمجتمع كامل. في مشهد رئيسي في الفيلم، يستمع بيل إلى هامبتون وهو يلقي خطاباً حماسياً، ويمكن لكل من المتفرجين ومُخبري مكتب التحقيقات الفيدرالي الآخرين ممن يحضرون الحدث، القول أنه بدلاً من تظاهره بالاهتمام، فالرجل مفتون حقاً بما يقوله هامبتون. قال له ميتشل: "إذا لم تكن كذلك، فينبغي أن يعطوك أوسكار". يجد كينغ وسيلة لتوضيح الإطار السياسي الذي تتحرك فيه الشخصيات. صحيح أنه لا يفعل ذلك بطريقة دقيقة ولكنها قابلة جداً للتصديق. ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في تصوير المخرج للفهود السود هو حقيقة أن طابعها الثوري الماركسي اللينيني واستخدامها للسلاح وسيلة لتحقيق بعض أهدافها، لم يُخْفَ مطلقاً. فرغم التركيز على العمل الاجتماعي والإنساني للحزب، إلا أن الفيلم لا يخفي حقيقة أن بعض الفهود اقترحوا الخروج وقتل رجال الشرطة، إذا اقتضت الظروف ذلك. حينها ادّعوا أنهم في حالة حرب مع "الخنازير"، وبالحكم على كيفية سير الأمور ونهايتها، يتضح كيف أن الصواب لم يجانبهم كثيراً في هذا المسعى المتطرّف.

ربما تغيّرت الأساليب اليوم، ولكن، كما أثبتت حركة "حياة السود مهمة" وما رافقها، فلا يزال التمييز والعنصرية في الولايات المتحدة يمثلان مشكلة من دون حلٍ حقيقي/جذري. باستخدام بنية حكائية ومونتاج سينمائي يذكّران كثيراً بكل من "مالكوم إكس" (سبايك لي، 1992) و"الراحل" (مارتن سكرسيزي، 2006)، يتمكّن كينغ في فيلمه الطويل الثاني، بطريقة مكثّفة وفعّالة، من تصوير صراع الإرادات/الرغبات هذا، وتلك العلاقة المائرة بأثقال أخلاقية في منطقة رمادية يتعذّر فيها اقتناص إجابات سهلة. شيء يصعب الحفاظ عليه في وقت كان فيه كل شيء، حرفياً، إما أبيض أو أسود.

نجاح الفيلم يعتمد إلى حد كبير على مصداقية الممثلين. يبرز ستانفيلد في أدائه شخصية الخائن الكاريزمي، كرجل يدرك ببطء الفخّ الذي دخل فيه ولا يمكنه الخروج منه سالماً. في الأثناء، تمكّن كالويا من بناء شخصية مغناطيسية، يمكن لمن يشاهدها الاعتقاد بأن فريد هامبتون قادر بمفرده على توحيد جماعات شيكاغو، والتعامل المثمر مع رجال العصابات والشخصيات الخطرة الأخرى على جانبي القانون. زعيمٌ بلا رتوش، واثق الخطى يمشى مسلّحاً بحبّ الناس، وفي النهاية بطلٌ وشهيد. بطريقة ما، يجسّد التقاطع بين فريد وبيل - وأيضاً ديبورا ومسلكها الإنساني في فهم السياسة - الطرق المختلفة التي تعامل بها المجتمع الأفروأميركي مع قضية العنصرية بمرور الوقت: الخيار الأكثر قتالية، الأكثر إنسانية ودعماً، وكذلك الأكثر فردية، خيار النجاة الفردية. على أي حال، ففي لعبة الشرّ المتسلّط المفضلة والمتمثّلة بتأليب المضطهدين جميعاً ضد بعضهم البعض، ينتهي الأمر دائماً بفائز واحد، لا يتغيّر أبداً. قديماً كما الآن.

 ربما "يهوذا والمسيح الأسود" ليس فيلماً عظيماً، لكنه خطوة صغيرة نحو حساب جدّي لماضي أميركا المظلم. يتحدث الفيلم عن الماضي لإعادة التفكير في الحاضر. قصة هامبتون جزء من حملة الاغتيالات التي شملت مارتن لوثر كينغ ومالكولم إكس، من بين آخرين. لكن هذا ليس فيلماً شعائرياً ولا مدرسياً، بل مزيجاً ناجحاً من سينما النوع والدراما التاريخية يؤنسن شخصية هامبتون ويصون ذكراها ويصوّر حركة "الفهود السود" كشرعية بديهية في وقتها. صحيح أنه لا ينجح في كل ذلك بالقدر ذاته، لكنه يبقى قصة حبلى بإحدى أنبل أدوات الخيال لإعادة بناء واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الولايات المتحدة.


(*) رُشّح الفيلم لست جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها