آخر تحديث:08:45(بيروت)
الأحد 06/12/2020
share

كريستين طعمة لـ"المدن":كيف نخلق آليات دعم مستدامة للفنون؟

حسن الساحلي | الأحد 06/12/2020
شارك المقال :
كريستين طعمة لـ"المدن":كيف نخلق آليات دعم مستدامة للفنون؟ كريستين طعمة (تصوير: طارق المقدم)
بعد انتعاش لسنوات، يواجه الفن في لبنان ازمة على أكثر من صعيد، تتعلق أولا بالانهيار الإقتصادي الذي تسارعت وتيرته منذ 17 تشرين الأول، وثانياً بالركود العالمي الذي هدد بتخفيض موازنات الدعم للمؤسسات الفنية، وأتى انفجار مرفأ بيروت ليزيد الأمور تعقيداً، إذ تسبب بأضرار مباشرة على المؤسسات والعاملين في الفن، وتسريعه لوتيرة هجرة الفنانين إلى الخارج. 
ضمن هذا السياق القاتم، اجرت "المدن" حواراً مع كريستين طعمة، من أبرز الفاعلين والفاعلات في الوسط الثقافي المحلي، منذ تأسيسها "أشكال الوان" في منتصف التسعينات. تخبرنا طعمة في الحوار عن رؤيتها للمرحلة المقبلة وعن ابرز التحديات والأسئلة التي تواجه المؤسسات الفنية اليوم. هنا نص الحوار: 

- كيف يتأقلم العاملون في الفن مع الظروف المتغيرة في لبنان؟
لا أعتقد أن تأقلم العاملين في القطاع الثقافي مع التحولات التي يشهدها لبنان هي المسألة الأولَى بالطرح، وإنما إن كان لا يزال يجوز لنا الكلام عن اقتصاد يسمح بوجود العمل الثقافي والفني أصلاً. لا يخفى على أحد أن لبنان يجابه اليوم ثلاث أزمات متواشجة ومتزامنة: أزمة الاقتصاد، وأزمة الشرعية السياسية، والأزمة الصحية الناجمة عن جائحة كوڤيد-19 العالمية. لم تترك هذه الأزمات - بعوارضها وأحوالها - بصمتها على القطاع الثقافي فحسب، وإنما هددت وجوده في حد ذاته. لقد باتت من العسير التفرقة ما بين تبعات تلك الأزمات على عملنا المؤسسي، وبين تبعاتها على حال معاشنا. فنحن لم نعِش يوماً تقلّب حال على هذا النحو، على الأقل منذ أن باشرت العمل في بيروت في حقبة التسعينيات. لربما دفعتنا الأزمة الراهنة لتجريب أشكال ومناهج مغايرة، وربما حثّتنا على تحرير المخيّلة من حدود السبل المطروقة في ما يتعلّق بإنشاء المؤسسات، ولكننا أيضاً مدفوعون دفعاً لتحويل نهجنا إلى نهج طوف النجاة، ضماناً لقدرة قطاعنا على تأمين معاش العاملات والعاملين فيه، إلى جانب الحد الأدنى من فرص الإنتاج والعرض والانخراط في العمل الثقافي والفني. 

-كيف هي رؤيتك للمرحلة المقبلة من ناحية سوق الفن؟
أعتبر نفسي جزءًا من منظومة العمل الأهلي، ومن ثم فأنا لست خبيرة في أسواق الفن. ولكنني كنت دوماً ممن يجدون غضاضة في الحديث عن "سوق فن" في لبنان في المقام الأول. ثمة مقتنون ومحْسنون ممن لهم مصلحة في الفن الحديث والمعاصر الذي أنتجه ولا زال ينتجه فنانون يعيشون في لبنان، ولكن ليس من بنية مضبوطة أو حجم مبيع وحركة رأسمال تضفي على سوق هو عفوي في أفضل حالاته، سماتٍ تميزه عن غيره. لقد تضرّرت صالات المعارض في لبنان على نحو مباشر من تفجير 4 آب، نظراً لقرب موقعها من منطقة المرفأ، علاوة على ما تشهده أصلاً من انخفاض درامي في وتيرة المبيع منذ نحو عامين. صالات العرض هذه هي مصدر رزق العديد من فنانات وفناني البلد، اللاتي/ الذين تقوم بتمثيلهن/م في السوق الدولية، وعليه فإن بقاءها من بقاء بيئة العمل التي نسكنها، شأنها شأن المنظمات الثقافية غير الربحية. أما على صعيد التمويل، فإنني أرى أن مهمتنا الراهنة هي إعمال المخيّلة سريعاً لتصوّر سبلاً مغايرة لدعم الإنتاج مالياً. تعلّمنا درساً من الأزمات الراهنة والسالفة، وهو أن هياكل التمويل القائمة قصيرة العمر. ذلك أن منطقها هو منطق السوق واستنزاف الموارد، منطق يجد في المحن والأزمات فرصةً سانحة، ومن ثم يعجز عن تأمين دعم طويل الأمد لمن ارتضوا عيشهم من العمل الثقافي والأهلي، ولمؤسسات تمتحن خلق شبكات رعاية مجتمعية يمكن الاعتماد عليها. ما أسرع ظهور منح الإنقاذ في أعقاب تفشي جائحة كوڤيد-19 وتفجير 4 آب، وشتان بين هذه وبين أي تطوّر إيجابي منشود. ينبغي علينا أن نطرح سؤالاً حول كيفية تحويل منح الإنقاذ هذه إلى آليات دعم مستدامة على مدار العام، تؤمّن استقرار بيئة العمل. 

-ما أبرز التحديات التي تواجهينها اليوم في عملك مع «أشكال الوان»؟
كمؤسسة نشأت في سياق "أزمة" منتصف التسعينيات، في خضم مشروع إعادة إعمار بيروت بعد الحرب، كان همّنا يومها أن نتناول قضيتين: أولهما إلاستيلاء على الأملاك العامة والمشاع المديني في بيروت، والثانية هي "فقدان الذاكرة الجمعيّ" المفروض والمدعوم من قبل الدولة، في ما يتعلّق بالحرب الأهلية. اليوم نعيش محنة خاصة في لبنان، لها ما خصّها من عوارض مُقبضة: فبعد عقود من إهمال المؤسسات الثقافية والفنية الأهلية وتهميش دورها، ها هي الدولة اللبنانية تسعى جاهدة لخنق أنفاس القطاع بموجب ضرائب جائرة، وهذا بخلاف أشكال الضبط والرقابة المعهودة. إن لهذه الإجراءات أثرها على برامج وأشغال «أشكال ألوان». إننا نشهد فجر عهد جديد من العزلة الثقافية، وتقع على عاتقنا مسؤولية إيجاد الأدوات اللازمة للتعاطي مع معركة نستشرفها. لقد حملنا راية امتحان أنماطٍ مغايرة تفلح الصداقة وتحصد التكافل. ولكن ماذا بيد المرء إزاء رحيل الفنانين والعاملين في الثقافة والمفكرين والنشطاء عن بيروت، إما صاغرين أو مجبرين، وقد فقدوا قدرتهم على الحلم؟ إن التشظي، في رأيي، هو أكبر تحدٍ سنجابهه في السنوات المقبلة. 
في الوقت الراهن، نشتغل على صعيدين: أولهما وضع اللمسات الأخيرة على الدورة المقبلة من برنامج «فضاء أشغال داخلية» الدراسي الفني، والذي سوف نفتحه لجميع الفنانات والفنانين والعاملات والعاملين في القطاع الثقافي في لبنان، ممن ترغبن/ يرغبون في تنمية ملكاتهن/م. أما الصعيد الثاني، فهو إرشاد الفنانات/ ين إلى فرص الإقامات الفنية والدراسة في الخارج، ومن ثم التفتيش عن منح دراسية وتوصيلهم بجهات مانحة. سوف تنقسم دورة العام 2021 من برنامج «فضاء أشغال داخلية» الدراسي إلى أربعة فصول مستقلّة على مدار سبعة أشهر. يمتد كل فصل لفترة أربعة إلى خمسة أسابيع ويقوم عليه أستاذ مشرف، والمعهود إليه بمهمة: 1) إعداد منهج دراسي يتجاوب مع عدد من الهموم النظرية والجمالية، 2) توجيه الدعوة لثلاثة أساتذة زائرين يشرف كل منهم على حلقة دراسية أو ورشة عملية أو قراءات جمعية. من الأساتذة المشرفين لورنس أبو حمدان وأدريان لحود ورشا السلطي ومروة أرسانيوس وزينب أوز ودانيال بلانغا غوباي. أما ورشات تنمية المهارات - ومنها البرمجة بالأكواد والخزف والفخار وكتابة طلبات التقدم وهندسة الصوت وغيرها - فتعقد بالتوازي مع الفصول على مدار الدورة العاشرة من هذا البرنامج. أما برنامج «ساعات العمل» فهو برنامج طويل مدته  15 أسبوعاً عبارة عن جلسات فردية على مدار العام. نأمل في أن تلعب هذه البرامج دوراً في إحياء قطاع ومنظومة تعليمية منكمشين، إلى جانب توليد نقاشات باتت مُلحّة حول تقاطع الثقافة مع السياسة. ولكن، يظل في علم الغيب إذا سيسمح المنعطف الذي تمر به البلاد بالمضي في الخطط التي وضعناها. 

- كيف ترين تأثير 17 تشرين على الفن في لبنان؟ هل برأيك ظهرت اعمال جدية تتناول الانتفاضة؟  
لازال الوقت مبكراً للتكهن، خاصة وأن المشروع الثوري الذي انطلق مع انتفاضة تشرين لم يكتمل نصابه بعد. إن أي صيرورة تسعى للتغيير المجتمعي تستوجب سنوات كي تختمر في العقلية الجمعية، حتى تفرز أبجديتها وجمالياتها الخاصة. لا تعنيني إطلاقاً الأعمال التي تنحو لـ"معالجة" موضوع الثورة، ولكنني أعتقد أن شغلنا سابقاً وراهناً مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصيرورة التي فرضتها الثورة. ليس للإنتاج الفني من وجود خارج إطار الآليات المجتمعية والسياسية، وهي التي تؤتي مفعولها في تشكيله وصوغه بحكم خصوصيتها. إن الحديث عن أشغال "تعالج" ثورة ما - ولا سيما ثورة راهنة، سواء كانت تتمظهر في تظاهرات أو لا - فإن ذلك يستوجب أن يقف الفنان في محل خارج الحدث الذي يقوم بـ"معالجته" في المقام الأول. لم يختلف الدور الذي لعبه الفنان أو المثقف في انتفاضة تشرين عن دور أي من الأفراد أو المجموعات التي قطعت الطرق وافترشت الساحات: فهم ببساطة متظاهرون ومحتجّون على المنظومة اللبنانية شأنهم شأن غيرهم. 
- كيف تقرئين شعار "يسقط الفن المعاصر" الذي ظهر خلال الإنتفاضة ؟ ومن أين أتى برأيك؟
ليس من المستغرب أن تفرز انتفاضة تنادي بتحوّل مجتمعي شامل شعاراً مثل هذا. ليس القطاع الثقافي والفني بمعزل عن البنية الاقتصادية والمجتمعية الأشمل، سواء أعرب عن موقفه النقدي من تلك البنية أو لا، ولبنان لا يختلف عن غيره من البلدان من هذه الزاوية. إن من ينادي بسقوط الفن المعاصر ينخرط في الواقع مع خطاب نقدي ممتد حول اتصال الفن المعاصر - بمؤسساته وآلياته وتمويله وخطابه - بالبُنى التي سعى لمحاربتها، بل وبات يمثلها ويجسدها ويعيد إنتاجها أيضاً. من الضروري لنا نحن العاملين في القطاع ألا ننظر إلى شعار كهذا باعتباره هجوماً يتصيّدنا، وإنما هو دعوة لإعادة النظر في صناعة القرار، ولتأمّل السبل التي باتت بموجبها البُني التي نقوم بإنشائها والحلول فيها، تقوم بتهميش الكثيرين. 
**(أطلقت "أشكال الوان" مؤخرا سلسلة منشورات واوراق تحت عنوان "دوام الإرجاء" تعالج مواضيع ملحة في لبنان والعالم، كما واكبت اسئلة اعادة اعمار محيط المرفأ ضمن ملف خاص يشارك فيه كتاب وفنانون من بينهم وضاح شرارة، مونيكا بصبوص، هبة ابو عكر، محمد صفا. تأمل المؤسسة أن تعود إلى نشاطاتها المعتادة في بداية 2021 لاستضافة ورش عمل متنوعة وللعودة إلى المدرسة السنوية التي اطلقتها عام 2010 وخرجت حتى الآن اكثر من 600 فنان وفنانة من لبنان والعالم)

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها