آخر تحديث:07:55(بيروت)
الخميس 20/04/2017
share

مسيحيون دواعش

رشا الأطرش | الخميس 20/04/2017
شارك المقال :
  • 0

  • مسيحيون دواعش
    في "أحد الشعانين" امتطى باسيل حماراً تشبهاً بالسيد المسيح
  • باسيل على الحمار في أحد الشعانين 2017
    باسيل على الحمار في أحد الشعانين 2017
"داعش" ليس مجرد تنظيم. جهاديون، تكفيريون، متخلفون، مجرمون، إلغائيون، جزّارون، سلفيون، مستبدون، إرهابيون.. شياطين! صفات كثيرة تطلق عليهم. لكن، ثمة "داعش" أكثر وأعمق وأعمّ. 

كلمة إيديولوجيا، تناسب النقاشات الثقافية والسياسية الرصينة. لكن ثمة بُعداً "داعشياً" أكثر تبسيطية وفجاجة وخطورة. استنبات يومي عجيب الوضوح، في تربة يفترض أنها ليست من أرضه. هو "داعش" كإطار تفكير واعتمال نفساني، فردي، وجماعي. دعنا من الإسلام والمسلمين، فهذا البديهي والمباشر. بات "داعش" ظاهرة، ليس كجماعة تُدين بدِين البغدادي، بل كمقاربة هوياتية، سياسية وثقافية، بل ودينية... مسيحية. "داعش" يجتاح المخيال المسيحي اللبناني، بقوة، حتى بات جزءاً لا يتجزأ من الخطاب المسيحي المهيمن، ومُحدّداً لأفكار وسلوكيات، ومرآة للذات، ودِرعاً لصدّ خطر داهم ودائم، وفي الغالب خرافي أيضاً.

مدهش ذلك العبور الداعشي للطوائف. فرانكنشتاين جديد، تتراكب أطرافه وأنسجته، قلبه ومعدته ورئتاه، مشاعره وعدوانيته ومخاوفه، وتزداد "تلاحماً" ساعة بعد ساعة. يؤتى بها، واحدة واحدة، من ثلاجات المشرحة اللبنانية: استقواء "حزب الله" – الدوغما والبلوك، مظلوميته البائدة كمُبرر للاستحواذ، و"الحمد لله أننا دائماً على حق". أصولية الإسلام السنّي المسلّح، المعادي للحداثة والقيم الإنسانية، التكفيري، المدافع عن ذات متطرفة باعتبارها حصن الوجود الأخير، وصورتُها مستحضرة من ماضٍ سحيقٍ تراد له الحياة في القرن الحادي والعشرين غصباً عن المنطق والتاريخ والطبيعة. الانعزالية المسيحية، الـ"نحن" المغبونة، المستثارة، العُصابية، المستنهضة بفظاظة الذود عن جناح مهيض – ولو تسلّم السلطة. اليمينية المسيحانية التي ما عادت تشبه شيئاً من اليمين – حتى الأكثر تشدداً – في العالم. هواجس الأقليات. القَبَلية العربية، ومحسوبيات العائلة. القومية بشكلها الشوفيني المستعاد بالقوة بعدما كاد يندثر بفعل العولمة وصعود المواطَنَة الكونية...

قد يبدو الكلام أعلاه، إذا ما مهّد لتناول قضية فيلم "المسيح" الذي أوقفت قناة "إم تي في" عرضه في مناسبة عيد الفصح، قبل أيام، أشبه بما يقال عن استخدام مدفع لاستهداف ناموسة. وكذلك الأمر في ما يتعلق بمقالة جبران باسيل مؤخراً في "النهار" بعنوان "قانون الحرية"، واختتمها هكذا: "إن ساعة قانون الحريّة قد دقّت، وسنكون على موعد قيامته في زمن القيامة، فالصلب سبيل الزامي إليها، سنحمله ونحمل أوجاعه من أجلها. والصلب فيه شوك التجريح، وخلّ التشويه، ولوحة التقسيم، ومسمار الاستيلاء، وحربة الشهادة... فليكن! ليكن الموت، سياسياً كان أم مادياً، من أجل حريّتنا وهي أغلى قيمنا، ومن أجل حريّة أولادنا وهم أغلى ما عندنا، ليكن الصلب في أسبوع الآلام، آلام المسيح والوطن، ما دامت القيامة آتية... قيامة قانون الحريّة".

لكن مسألة الخطاب المسيحي اليوم – أسير النبرة العونية في "الدفاع عن حقوق المسيحيين" والمتنامية كراهيتها "للشركاء السنّة في الوطن" منذ اتفاق الطائف، تستدعي التفكير والتفكيك. ففي ظل الانفتاح المسيحي اللبناني، تاريخياً، على الغرب، وذهاب الإعلام الغربي، يومياً، إلى تناول/تهشيم ما يفترض أنها مقدسات دينية وثقافية ووطنية، بأريحية شاسعة هي صنو حرية الرأي والتعبير (في كاريكاتور، روايات، أفلام، مقالات، دراما تلفزيونية، برامج حوارية، فيديو كليبات، أغاني، ستاند أب كوميدي،...)، ها هي قناة لبنانية توقف عرض فيلم يظهر فيه المسيح "بشرياً"، راقصاً أو عابثاً أو هادماً لتجارة المعبد، وذلك إثر احتجاجات "جماهيرية" عصفت بمواقع التواصل الاجتماعي. كثيرون من المعترضين على الفيلم كانوا قد رفعوا لافتات Je Suis Charlie تضامناً مع مجلة "شارلي ايبدو" الساخرة ضد الاعتداء على رساميها. وهؤلاء أنفسهم استهجنوا "غزوة الأشرفية" إثر الرسوم الدنماركية "المسيئة للنبي محمد". لكنهم أخيراً كادوا يتمثلون بالمعترضين بالعنف في الشارع، على إظهار شخصية السيد حسن نصر الله في برنامج سياسي ساخر، ومن بعده شخصية الإمام موسى الصدر.

قناة "إم تي في"، تُزايد، مسيحياً، على "أو تي في" العونية (التي بثت فيديو "يسوعي" ولّفه مناصرون من وحي مقالة باسيل). "إم تي في"، مَلَكية العهد أكثر من الملك، ندمت وتراجعت عن فيلم "المسيح"، كطفل قرّعه أهله، فدافع قليلاً عن نفسه، ثم أذعن واستكان في زاوية غرفته. أما "أو تي في" البرتقالية، فقالت في بيان إنها لا تتبنى فيديو "دقت ساعة قانون الحرية"، وأنها عرضته "في إطار مواكبتها اليومية لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل".. لكن، عملياً، اي فروق جوهرية بين أجندة/ضوابط القناتين المسيحيتين، و"المنار"؟ أو حتى قناة "الخلافة" وإذاعة "البيان" الداعشيتين؟ 

يستحوذ "داعش" على المخيال المسيحي اللبناني، ليس خوفاً/تخويفاً منه فحسب، بل تماثلاً به أيضاً. غار المسيحيون من الحليف الشيعي القوي، الهاتف جمهوره للزعيم "لبَّيكَ". ويغارون الآن من العدو السنّي المدافع بالدم عن ربِّه ونبيِّه وتعاليمه، والأهم... دولته. غيرة العَصَب، الشدّ المَوتور، والذي غالباً ما ينجح في ظل التركيبة اللبنانية، فها هو الوزير جبران باسيل يمتطي حماراً، في "أحد الشعنينة" تمثلاً بالمسيح.
لا يسع عاقلاً سوى التمنّي أن يغاروا من نماذج أفضل.. لكن هذا ما حصل ويتكرّس.

لنعُد قليلاً إلى الوراء:
خطاب وزير الخارجية جبران باسيل، خلال ندوة في "معهد وودرو ولسون" في واشنطن مؤخراً، عن أن اللبنانيين يحاربون "داعش" منذ مئة سنة، وبسبب "الداعشية" هاجر ثلث اللبنانيين (أي المسيحيين)، وقضى الثلث الثاني تحت حصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وثلث ما زال يحارب.. في حين أن "العدو التركي" لم يكن آنذاك إسلامياً متطرفاً، بل استحضر الإرساليات التي أسست "الجامعة الأميركية في بيروت" و"جامعة القديس يوسف". أما الشهداء الذين أسقَطَهم – مسلمين ومسيحيين – فكانوا رواد العروبة، لا اللبنانوية بمعناها الراهن.

قبل ذلك، كانت مشادّة العام الماضي، والتي استمرت أسابيع، بين النائب العكّاري خالد زهرمان، ووزير التربية آنذاك، العوني الياس بوصعب، حول تعيين مسيحي عوني رئيساً للمنطقة التربوية في عكار. وقتها، ذكّرت "إم تي في" بالتوزيع الطائفي على أساس المناصفة بين مسلمين ومسيحيين لثماني مناطق تربوية في لبنان. في حين أصرّ زهرمان على أنه يدافع عن حق مسيحي عكاري آخر، ذكَر أن اسمه جورج داوود، وهو برأيه المؤهل للمنصب الذي قرر بوصعب تعيين عونيّ فيه. "إم تي في" وصفت زهرمان بالداعشي. وإذ يصعب اعتبار الرجل من بين النواب اللبنانيين الأكثر حصافة وصواباً في السياسة، إلا أن زهرمان، هذه المرة، "داعشي"، لأنه خالف مسؤولاً مسيحياً عونياً.

ومِن قَبل، في آب 2015، نظم مناصرو الجنرال ميشال عون اعتصاماً احتجاجياً على التمديد لقائد الجيش جان قهوجي، أيام حكومة الرئيس تمام سلام، ورفعوا لافتات، من بينها علم "تيار المستقبل" مع عبارة "الدولة الإسلامية – إمارة لبنان"، و"ليس كل المتطرفين بلِحى، بل يمكن أن يكونوا برؤوس صلعاء" (في إشارة إلى الرئيس سلام)، ورفع الوزير العوني السابق، نقولا صحناوي، صورة قرد بربطة عنق زرقاء (في إشارة إلى لون "تيار المستقبل") كُتب فيها "داعش يمكن أن يرتدي ربطة عنق". يومها، حمّل العونيون، السنّة، مسؤولية القرار الذي حال دون صعود صهر الجنرال عون، شامل روكز، إلى المنصب. في حين أن التمديد لقهوجي، في الحقيقة المعروفة، نتج عن توافق سنّي-شيعي-درزي. كما لم يكن الاعتصام العوني- الداعشي هذا، هو الوحيد من نوعه، إذ تكرر بدعوى خلافات "دستورية" و"قانونية" أخرى مع الرئيس سلام.

ولا تُنسى "الجدلية العونية"، إزاء اللاجئين السوريين في لبنان الذين "يستنزفون الموارد والمساحات العامة والخدمات"، وطبعاً باعتبارهم مسلمين وسنّة، أكثر منهم سوريين بأعداد يضيق بهم لبنان الذي، ويا للمفارقة، لطالما كانت موارده ومساحاته وخدماته بألف خير. واللائحة تطول، وستطول أكثر.

هكذا، يزداد شعار "داعش" حول فِكرِه الباقي والمتمدد، صِحةً وقوةً. وهكذا، يزداد الخطر "الداعشي" في خطاب يرشح زيتاً، تماماً كالدم المراق من أعناق جزّتها سكاكين الملتحين.


فيديو "عوني" مستوحى من مقال كتبه جبران باسيل في جريدة "النهار" بتاريخ
8 نيسان 2017، مستعيناً باستعارات
 دينية لترويج قانون "مُنصِف" للانتخابات
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب