"اخوات السلاح": تتفيه الحرب وترفيهها

روجيه عوطة
الإثنين   2019/10/14
قالبه النسوي المؤسساتي مكسور
مع بدء عرض فيلم كارولين فوريست "أخوات السلاح" في فرنسا، أصدرت "مجموعة المقاتلات والمقاتلين الفرانكفونيين في روجافا" بياناً، أشارت خلاله إلى أن المخرجة قد شوهت وقائع الحرب التي خاضتها الفصائل المسلحة الكردية لمواجهة تنظيم "داعش" ودحره بعد ابادته الأيزيديين. واعتبر البيان أنها قدمتها من دون أي دقة، وهذا، في صورة هوليوودية، وقبلها، في قالب "نسوي مؤسساتي"، عدا عن كونها قد استندت في تظهيرها إلى نظرة تعميمية وتحريفية حيال الكرد، نساءً ورجالاً، خالطةً البشمركة بوحدات حماية الشعب وحزب العمال، ومبينة إياهم، وعلى جهل بقواعد العيش الميداني، يشربون الكحول، ويمارسون الحب، أو بالأحرى غرته، خفيةً وعلناً.



على أن البيان، وفي جانب من جوانب نقده للشريط، يوفر له مكانة فيلمية لا يستحقها البتة. فهو، فعلياً، لم يحقق صورة هوليوودية، مثلما أن قالبه النسوي المؤسساتي مكسور. أما نظرته تلك حيال الكرد، فربما هي الأمر الوحيد الذي أنجزه، وهذا، لسبب بعينه، وهو أنه أراد مدّها على كل ما يمت بالإسلام بصلة، كاشفاً عن كونها، وفي أساسها، نظرة سيئة. كل هذا، يجعل من الفيلم تافهاً بالتأكيد، لكنه، في الوقت نفسه، ومن صميم تفاهته، يؤكد أنه يلغي موضوعه، يلغي "أخوات السلاح" و"أخوته"، وهذا، حتى لو كانت بغيته أن يبشر بقضيتهم عبر شاشات عالمه.

وفي هذا السياق، قد يصح التفرج على الفيلم من باب محدد، باب دورانه من أجل محو الكرد فيه، وجعلهم على تلك الصفة، التي كررت شخصياته التفوه بها طواله، والتي كانت قد تنبهت إليها الصحافية ساندرا أونانا: cool، اي جعلهم مادة منعشة، وعلى تعريب بعد تصويت فرنسي، جعلهم مادة qui coule، اي جارية. وهي لكي تكون كذلك، لا بد من سحق واقعهم فيها، وإزالته، لكي لا يثقلها، فتصير خفيفة، وخفيفة للغاية.

والسبيل الأول إلى تحويل "أخوات السلاح" وأخوته إلى هذه المادة، هو جعلهم نسخة عن بعضهم البعض من ناحية جمال الطلعة، التي تستقر على كونها طلعة دعائية. وهذا، كأن أصحابها، اي الشخصيات، بدءاً من زارا الايزيدية، إلى مختلف رفيقاتها ورفاقها، يجيئون إلى ميدانهم من إعلان تلفزيوني. ولأنهم هكذا، فحين يجتمعون لا يشكلون كتيبة أممية بل "متعددة الجنسيات" والهويات، مع كل ما يرافق "التعدد" هذا من تنميط، أكان حول المُحارِبة الكردية، او الجندية الاميركية، ثم اليسارية الإيطالية، والشابة الفرنسية المتحدرة من أصل جزائري، أو المتطوعة اليهودية، وقبلهن، زارا الأيزيدية طبعاً... هذا، عدا عن تنميط الحوار بينهن، تماما، كما حين يتطرق إلى الصراع العربي-الاسرائيلي، أو إلى حرب العراق. بالتالي، يصير اجتماعهن كناية عن اسكتش، تمر فيه مختلف التصورات الشائعة عنهن. لكنه، في لحظة ما، ينقلب إلى رسم كاريكاتوري، وهذه اللحظة هي الحرب التي اشار بيان "المجموعة الفرانكوفونية" إلى أن الشريط أبداها كضرب من الترفيه.


ففي مختلف مشاهدها، تبدو هذه الحرب كأنها حالة من الاستعراض المخفق، وحين تصل إليها المتطوعتان الفرنسيتان، تبدوان أنهما قد جاءتا بلا ادنى اطلاع عليها او إيمان بها، بل من أجل تمضية رحلة، أو عطلة تنطوي على مغامرة، يجب أن تكون مبهجة. وهذا ما تستقر الحرب عليه. فحتى في معاركها المفصلية والعنيفة، تخوضها الأخوات كأنها للتسلية، ولأن الشريط أرادها كذلك، فما عاد السيناريو الذي يرويها متماسكاً، بل غدا متلاصقاً، وبهذا، بلغ قصده مباشرة، جاعلاً اياه بائناً ومتوقعاً: هربُ زارا من اعتقالها واغتصابها الداعشي، التحاقها بكتيبة المقاتلات، تحرير أخيها الصغير. طبعاً، ثمة مقاطع درامية تتخلل الترفيه، الا انها لا تفعل ذلك سوى لكي تعززه، بحيث يبقى بمثابة وجه الحرب، التي، وفي وقت التدريب أو السير، يتحول فيلمها إلى فيلم للمراهقين درجة عاشرة: الموسيقى المصاحبة للتمرينات، واللعب بالماء في أثناء السباحة.

كل هذا، جعل من "أخوات السلاح" واخوته مادة منعشة وجارية إلى الجمهور، بحيث يحاول الفيلم شحذ مشاعره بها. لكنها، لا تصل اليه سوى من دون المقاتلات والمقاتلين، ولا تصل اليه سوى لأنها من دون جميع الكرد. فها هم الآن، وحين يتعرضون للقصف، والتهجير، والقتل، لا أحد يكترث لهم، ولا شريط يسعفهم، تماماً كما تُرك السوريون لإبادتهم من قبل نظام بشار الأسد.