إرهاصات أدب حرب في اليمن

صنعاء - فتحي أبو النصر
الإثنين   2016/11/14
من أعمال الفنان اليمني مظهر نزار 2016
على إيقاع الحرب، يشيّع كل يمني جنازات فقده الخاص، ويكابد وحشته الجمعية، بعد تحول اليمن إلى مجلس عزاء كبير. موت مجاني فائض، يكلل كل الجهات في البلاد التعيسة. دمار، وخراب مُتَوالٍ، وويلات وطنية وإنسانية تتفاقم على كل المستويات، إضافة إلى حساسيات جديدة في الفكر والمعنى والثقافة يولدها مناخ الحرب وتأثيراته على أوضاع البلاد. 

إن المشهد اليمني العام يكتظ بالعبث وبالفوضى، كما بالمجاعات وبالأوبئة وبانطباعات عنفية منفعلة ومتحيزة غالبا، ليخلص هذا المشهد التفكيكي والدموي والإفقاري والإفسادي، إلى رؤى سلام معلقة بناء على رغبة المتحاربين المقامرين بإستمرار الحرب فقط -ويا لها من مفارقة طبعا - فضلا عن أزمات هوية، وتشظيات مجتمعية ناتجة عن هوس أساسي سببه التطييف المشؤوم الذي انتجته الحرب اللعينة بمختلف اجندات أطرافها، كما بتداعياتها المتعددة أيضا...
والأنكى -بلاشك- ذلك السقوط المدوي لمثقفين وشعراء وروائيين وفنانين في فخاخ هذه الثنائيات المتدافعة بالتجريف الوطني.. الثنائيات التي لا علاقة لها بحلم السعادة الوطنية، ما بالكم بالإبداع الناضج وطنيا وإنسانيا.

يؤكد الروائي والناقد جمال حسن أنه "في تلك الثنائيات المميتة لا ينجو المثقف، فأحيانا يصبح بوقا تحريضيا". ومن زاوية مختلفة مفعمة بالسخرية الجدية والمتحسرة، يعلق الكاتب وسام محمد، بشأن حالة الأدباء وصيغة الأدب في ظل الحرب القائمة وتأثيراتها "تتغير حياة الأديب والكاتب، ليصبح الكثير منهم جزءاً من التيار، وليست هذا بمشكلة كبيرة، غير ان المشكلة هي أن هذا الأديب أو ذاك الكاتب ينجرف مع التيار إلى النهاية ثم لا يخرج لنا بشيء"! 
ويستدرك: "منذ إندلاع الحرب بشكل عملي، احتاج كثيرون إلى شهرين على الأقل لكي يستوعبوا مسألة أن الحرب قد لا تنتهي قريبا(..) وبعد أشهر من الحرب، عرفت أن هناك خمسة أصدقاء على الأقل شرعوا في كتابة مشاريعهم الروائية(..) وعندما نتحدث عن أدب الحرب، نحن نتحدث عن التأسيس لا عن التراكم، لا أدب سابقاً لدينا من هذا النوع، معتبراً ويمكن البناء عليه.. لا يكفي أننا في حرب ليصبح لدينا أدب حرب".

والحال أن منظر الجثث والأطراف، يصطدم بمخيلات أدبية تتصدع. كما أن مكابدات الأديب لا تنفصل عن حالة الجرحى والمعطوبين والمشردين والمفقودين، وكل أولئك البسطاء المتضررين الذين يكتوون يومياً بالحرب، إلى حد ان غالبيتهم صارت بلا أعمال وبلا رواتب شهرية، بينما يستمرون في حالة لهاثهم القصوى من أجل السلام والعدل والكرامة والحق وجبر الضرر بلا فائدة.
فما الذي يا ترى سيفضي إليه كل هذا الوجع الرهيب، والمكلل بشؤون التيه المثخن بالوجوم، معيشيا وأدبيا؟

الثابت هو أن اليمن مهدورة، والساسة يستخفون، كما أن الهلع شاسع، والشعب ينحاز لرمق الحياة فقط. وفي المحصلة، فإن العديد من الأدباء والمثقفين في وضع لا أخلاقي، بعد تورطهم في الانحياز الطائفي للأسف. فبحسب الكاتب ماجد المذحجي: "تصعد من دوامة الحرب جروح وسخة تطبع بتفاصيلها الدامية أرواح الناس وملامحهم، وكل يوم نصبح أكثر بعداً من الذي كنا عليه.. تتباعد المسافات بيننا وتلوح من العيون شروخ مليئة بالخوف والاحتراس والحذر تجاه بعض، بشكل لم نكن نعرفه أبداً! وها هو اليمني يصبح مُفترس أخاه، تفرقهم خصومات الحرب وضغائنها وتجمعهم متاعبها وجروحها. ومنذ زمن طويل لم أر قامات اليمنيين واليمنيات محنية ووجوهم مكسورة هكذا!"

في السياق نفسه يعلق جمال حسن أيضا "تأخذ الحرب منا أجمل الأشياء.. أصدقاء تفارقهم. تأخذ الكثير من الأحلام، الضحكة العابرة، عفوية الطفولة، الذكريات التي تروي نفسها بقلق. تأخذ الحرب كل شيء حتى الغضب الغنائي، الخوف المترف بالحزن، تبقيك كما لو كنت كابوساً لانهائياً.. كل شيء تأخذه الحرب إلا الطمع والقسوة، وكأن الإنسان بذلك سيبقى للأبد"!
لكن، في رأي وسام محمد فإن "ما يثير الأسئلة: هل سيصبح لدينا أدب حرب؟ هل يستطيع الفن أن يقترب من الواقع المرير لينقله لنا على نحو لا يشعرنا بالبؤس وفي نفس الوقت لا يكون هدفه تقديم العبرة؟ الفن الحقيقي لا يقدم العبر، ولا يأخذ على عاتقه أن يبدو واعظا أو حتى محذرا من الشرور، ولكن لأنه فن حقيقي فهو يقوم بوظيفته الفنية على أكمل وجه، وفي الأثناء سنكتشف أنه قد وعظنا وحذرنا، وجعلنا قلقين عن رضى إزاء كل تلك المآسي التي حدثت والتي نرغب حقا وسنعمل جهدنا من أجل أن لا تتكرر".

في الحقيقة بمجرد أن تنتهي الحرب وتعود الأوضاع الى شيء من الإستقرار، سيمكننا حينها أن نقرأ حكايات الحرب وشجونها في نصوص سردية وشعرية أكثر نضوجاً لتمثل إضافة معتبرة للمنجز الإبداعي اليمني.. أما الآن، فإن الكتابة المنشودة، لا يمكنها أن تزدهر في ظل واقع يفتقر إلى أبسط ضرورات العيش. ثم حين يتحرر الفنان والأديب من مأزق اللحظة، سيمكنه التعبير عنها بوعي أشمل وأجمل.. سيمكنه تفعيل تخطيطه لمشاريعه الأدبية بعيدا عن تأثير التقلبات المعيشية التي تصنعها الحرب. رغم ذلك استطاعت مجموعة قصصية جديدة للقاص اليمني لطف الصراري أن تتأهل إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية... الصراري المقيم في صنعاء، كان قد أنهى إنجاز عمله "الرجاء عدم القصف" في مارس من هذا العام، فيما كادت المجموعة أن تتعثر عن الطباعة والصدور، ثم صدرت في القاهرة عن دار أروقة. ولقد اعتبرها الصراري "نداء كل يمني تطحنه الحرب إلى كل معني بايقافها".. لكن بشكل استثنائي يبدع الصراري في تجسيد أجواء الحرب ومتاعبها وضغوطاتها اللامحدودة التي تنهك كاهل اليمني، وكاهله هو أيضا كإنسان يكابد أهوال الحرب مباشرة، تماما كما في نصه التالي الذي يعد -بتقديري-  قطعة من أرواح اليمنيين اليوم:

"أريد أن أنام حتى تنتهي الحرب..
لا توقظيني قبل ذلك ياعاتكة 
وإن شئت فلتنامي أنت أيضا. 
لن آكل شيئا بعد اليوم.. لن أشرب شيئا 
سئمت رائحة البارود في بخار القهوة 
واختلاط الرصاص بحبات الأرز 
الأنفاس الكريهة في أحاديث الحمقى عن الحرب كمخاض لازم لشيوع السلام 
واللعاب اللزج على ذقون تجار الحرب والمستثمرين في المشاعر الإنسانية 
والمزيد مما لايطاق.
سئمت استجداء النوم كل ثلاثة أيام ..والأحلام المتحولة بسرعة إلى كوابيس. 
سئمت النظر إلى سماء صنعاء متسائلا عن الفرق بينها وبين سماء الرياض وواشنطن وطهران وموسكو.
ماذا عن سماء باريس ولندن!
وماذا عن الإنسان المنذور للحرب هنا والمتفاني في تصنيع السلاح هناك.!
سئمت النظر إلى الأحذية الممزقة على أقدام الأطفال 
والأرض التي أدمنت شرب الدماء وتقطيع الجثث قبل ابتلاعها. 
لذلك سأنام 
وإذا لم تنته الحرب حين أستيقظ فليرحمنا الله 
بالمزيد من البرد والأعاصير"!

بالتأكيد ثمة ما تنطوي عليه، أدبياً، وضعية الهزء والخوف معاً من المجهول، بحيث تتخلل معظم مسارات تفكير ومشاعر أدباء ومثقفين من النوع الذي لم يخن همومه جراء الحرب، بل إن هؤلاء ما زالوا أكثر إخلاصاً لكتاباتهم ومشاريعهم  -رغم كل الظروف الصعبة- كما أن مواقفهم السياسية هي الأعمق.

فعند هذه النقطة الجوهربة التي تجمع سخريتنا من الحرب ومأساتنا بسببها مثلا، يكتب الشاعر أحمد العرامي صرخته:

"لم أفقد اصابعي في الحرب
لكنني فقدتها على كل حال!
فقدتها واحدة
واحدة 
وها هي إصبعي الأخيرة 
تشير إليها مؤخرة العالم!".

على أن فحوى تلك التغريبة سنجدها كذلك مجسدة لدى الشاعر محمد اللوزي:

"الذين زرعوا أمام أعيننا السراب العاطل 
استكثروا علينا الحطام 
واستبدلوا كل بريق بداكن العتمة 
اضرموا النار بالنار 
كي لا نسمع صوت ماء يرش ماتبقى من الروح. 
الذين جاؤوا بالوقت مكبلا 
كومونا فيما يشبه الجبل 
وصعدوا إلى اعاليه كي يستبينوا عدوا زاحفا 
أو هبوب غبار ".

هكذا يستمد الشاعر اليمني الحديث، مفارقات واقعه القاسي الذي يقع تحت رحمة الميليشيات اللامبالية، بينما يتجاذبه اللامعقول فقط ، فنقرأ بتهكمية مريرة للشاعر سلطان العزعزي:

"كيف لهذا العطش أن يسكت!؟
للنار أن تهدأ وتتوارى بداخلي 
ومواسير البنادق 
صارت أكثر من عدد مواسير المياه 
الصالحة للشرب"!
و:
"أبدو مساءً مثل جندي 
 نسي ساقه في ساحة المعركة 
بعدما فقد الرغبة في الزحف"!
والشاهد إن الأدب العظيم هو الذي يدين الحرب برقي فني وجمالي، ولا يرتهن لصخب الضجيج السياسي، منحازاً للإنسان الذي سحقته الحرب، ومحاولاً في الوقت ذاته الإستعلاء على مخرجات الحرب بعدم اليأس، وبالإصرار على إرادة التعايش واستعادة الدولة، وبالذات عبر إذكاء هزلية وغبطة العشق والأمل في بوتقة حلمية واحدة للخلاص والانعتاق.

ثم من هذا المستوى المعرفي، لنا أن نتلمس -على سبيل المثال - جوهر حساسية الشاعر جلال الأحمدي، وهو مكتملا بالتفاصيل كما في قصيدة لحبيبته:

"تمنّيتُ لو أكتب لكِ عن الحرب
لكن كيف أكتب صوت الرصاصة!
حشرتُ لك جثثاً كثيرة 
لكنّكِ لا تقرئين!
تريدين أن تعرفي كيف تبدو رائحة الجنود
افتحي حقائبكِ
إنها تشبه التعب والذكريات الجريحة".
على أنها الحرب التي تولد أحاسيس صادمة تبدو طبيعية جداً، فيما تكلل اللغة بالهياج المطمئن -إذا جاز التعبير -تماما كما يجسده الشاعر وضاح اليمن الحريري مثلاً:

"والآن أيضا تكبر العصافير 
تحت أحذية المحترفين من حانوتيين 
لتصبح -العصافير -أخطر من رصاص يسقط سهوا 
وأكبر من دمار دار قديم.
العصافير بقصفها المفاجئ لأحلى الحكايات 
لن ترتبط بالغصون أكثر مماتحتمل !
القتلى إذن لن يعرفوا خاتمة الفجيعة
بعد انسحابهم المبكر.
القتلى إذن لن يسألوا لماذا.
القتلى إذن ستبيع نساؤهم ذهب الزواج 
ليصرفن أمورهن بعض الوقت".
ومن جانبه يوضح الكاتب الساخر محمود ياسين: "كلما كتبت الأيام الأخيرة، تلقيت عروض مساندة.. ما الذي تعانيه يا صديقي؟! بعضهم يعرض خدمات نفسية، ويخبرني الأخير المتحمس إنه طبيب نفسي، وإنه سيقف إلى جواري إلى أن اتخطى هذا. إن البلاد تعاني أمرا خطيرا، وتحتاج لعملية قلب مفتوح ولجلسة تنويم مغناطيسي لتتخلص من كل الذي فعلناه نحن.
أما أنا فبوسعي إلقاء الدعابات وسط الخراب أو إحراق مخطوطات المشاريع المستقبلية والتفرغ لتندر من لم يعد لديه ما يخسره"! ويستطرد ياسين: "أعترف انني بالغت الأيام الأخيرة في الدراما. لكن الناس وصلوا إلى مرحلة التشبع ولم تعد لديهم طاقة لاحتمال أي رثائيات.. الرثائيات الوطنية هي الأخرى بحاجة لكتاب أكثر براعة مني، إذ يمكنهم رثاء بلادهم بكلمات تظهر انها رثاء عام وليس شخصي.. وبالنسبة إليّ، كثيراً ما يختلط عليّ وجعي الشخصي بالشأن العام. لكن، لا أنا ولا اليمن جاهزان الآن للثقة في علم النفس! قد يحتاج الأمر فقط إلى (ميسام) بين العيون"!