آخر تحديث:15:50(بيروت)
الأربعاء 09/06/2021
share

صيف زحلة بلا عرب ولا أجانب.. وينتظر دولارات المغتربين

لوسي بارسخيان | الأربعاء 09/06/2021
شارك المقال :
صيف زحلة بلا عرب ولا أجانب.. وينتظر دولارات المغتربين تتجه المدينة إلى حجز مكانها كوجهة أساسية في السياحة الداخلية (لوسي بارسخيان)
لا موسم سياحياً في مدينة زحلة حتى الآن. والإقبال متفاوت على مقاهي واديها، والزحمة للمشاة على البردوني في نهاية الأسبوع تحديداً. وهذا أضعف من التطلعات إلى موسم سياحي مقبول، ويعولون عليه في تأمين معيشتهم لباقي أيام السنة.

المصارف والدولار
ويبدي العاملون بالقطاع السياحي الزحلي تفاؤلاً بأن يتحسن الموسم عما بدأ، وخصوصاً مع بدء توافد المغتربين في منتصف الشهر الحالي.. ولكن شرط توفر مادة البنزين.

وزحلة تعوّل، منذ اشتهرت بالصناعة المطعمية، على روادها من الطبقتين الوسطى والغنية، وعلى السواح العرب الذين كان لهم الفضل في مرحلة "العز" التي عاشها البردوني، وانعكست على اقتصاد المدينة عموماً.

لكن اختفاء السواح العرب، وتقهقر الطبقة الوسطى، يحولان البردوني في الموسم الحالي إلى من كانوا محظوظين بتحرير بعض ودائعهم من المصارف، أو الذين يتقاضون دولاراً طازجاً. وهؤلاء يكون ارتيادهم المطاعم اليوم أدنى كلفة بالعملة الخضراء مما كان عليه قبل الأزمة. وعلى هؤلاء بات يعوّل القطاع السياحي في زحلة، لضخ الأوكسيجين في شرايين المدينة الاقتصادية.

بين زحلة وعنجر
وإلى جانب الزيارات العائلية، شكلت ثلاثة عناوين ثابتة لفترة طويلة أعمدة الاقتصاد السياحي في زحلة: خمارات إنتاج العرق والنبيذ التي تشتهر بها مدينة زحلة، مقام سيدة زحلة-والبقاع كأحد المحطات الأساسية للمجموعات السياحية، والأهم مقاهي البردوني. والأخيرة، لا تزال تشكل فرصة لـ"تدليل" النفس بغنى التزكة "الزحلاوية"، حتى بعد أن أسقط الغلاء الفاحش من أطباقها بعض أنواع اللحوم، وخصوصاً "السودا النية" التي كانت تفخر مطاعم زحلة بتقديم أجود أنواعها. وهي تحافظ في المقابل على جودة "بوظة الوادي" الشهير،ة والسمسمية وألعاب الأطفال، وغيرها من الخدمات التي جعلت من زحلة متنفساً عائلياً وحيداً في المنطقة، قبل أن تطور بلدة عنجر خدماتها السياحية، وتنافس زحلة في بعض مطاعمها.

حانات ليلية
قبل تفشي كورونا في سنة 2019، بدأ العاملون في القطاع بزحلة يتحدثون عن سنة هي الأفضل سياحياً منذ اندلاع الأزمة في سوريا، وما خلفته من تداعيات مريرة على القطاع السياحي خصوصاً.

وفي تلك الفترة بدأت زحلة تبحث عن فرص استثمار فريدة في القطاع السياحي، تمثلت بفورة الحانات والملاهي الليليلة، التي سدت فراغ السوق البقاعي، وأمنت خدمة تطال الفئة الشابة، فـ"نوّرت" ليالي زحلة بحركة رواد استثنائية من الباحثين عن متنفس من الحرية. 

لكن جائحة كورونا، المصحوبة بأزمة اقتصادية ومعيشية حادة، ضربت الاستثمارات الشابة في هذا القطاع، إضافة إلى تداعياتها السلبية على باقي مرافق السياحة التقليدية في المدينة. وكادت بعض الحانات والملاهي تغلق حتى قبل أن "تقلّع"، لولا عناد أصحابها، وإصرارهم على الصمود، وتطلعهم إلى خروج اللبنانيين مجدداً من أزماتهم، وتمسكهم بحب الحياة وتأقلمهم مع كل الظروف، أياً كانت صعوباتها.

حركة بلا بركة  
ومن يراقب منذ أسابيع امتلاء حانات زحلة وملاهيها وحتى مطاعم "الفاست فود" فيها، وخصوصا في أمسيات نهاية الأسبوع، يعتقد أن تفاؤل أصحابها كان في محله. ولكن هذه ليست الحال.

يتحدث عزيز نعمة، عضو تجمع أصحاب المؤسسات السياحية في زحلة، عن "حركة بلا بركة" في معظم مرافق القطاع السياحي. فأعداد الرواد تعتبر "مبشرة" قياساً للأزمة التي "يسبح" فيها لبنان. لكن أرباح هذه المؤسسات صارت محدودة جداً. والسبب هو ارتفاع سعر الدولار وعدم استقراره، الذي لا يترك هامشاً للربح في القطاع السياحي. فإذا كانت أجرة اليد العاملة على حالها، وكلفة المشروبات تحسب على الزبون، يكفي أن يطرأ عطل ولو بسيط في أي من معدات هذه المؤسسات، حتى يكتشف أصحابها أنهم "يعملون بخسارة" وليس بربح.

وتنسحب هذه الحال على الخدمات المقدمة في منطقة مقاهي البردوني. وإذا توجهنا إلى أبسط هذه الخدمات أي البوظة والسمسمية مثلاً، نتفاجأ أنه على رغم تضاعف سعر الكيلو منها أربع مرات، لم يتراجع الطلب عليها سوى بنسب قليلة. ومع ذلك، يتحدث مقدموها عن ربح معدوم. خصوصا أن كلفة معظم موادها الأولية تشترى بالدولار، وتتبدل قياساً إلى سعره في السوق، فيتسبب تقلبه بتبدد الأرباح الضئيلة.

سياحة داخلية
ولكن، رغم هذه الظروف، لا تتوقف الاستثمارات في القطاع السياحي، فتواكبها بلدية زحلة بحوافز تؤمن وصول الزائر إلى المدينة وبقاءه أياماً فيها، بدلا من أن تنتهي زيارته عند أماكن السهر أو في مقاهي البردوني.

وعلى رغم حديث الأدلاء السياحيين عن كون زحلة وجهة غير مرغوبة للسواح الأجانب، الذين يميلون إلى عدم تبذير أموالهم المخصصة لرحلاتهم، على موائد الطعام المكلفة، تتجه المدينة إلى حجز مكانها كوجهة أساسية في السياحة الداخلية. ويؤكد معظم العاملين في القطاع السياحي أن زحلة تشكل الأفق المستقبلي للسياحة الداخلية، خصوصاً مع تراجع قدرة اللبنانيين على السفر، واقتصار السياحة على نسبة لا تتجاوز 10 إلى 15 بالمئة منهم، وفقا للأدلاء السياحيين.

وفي هذا الإطار يرى رئيس بلدية زحلة - معلقة وتعنايل، أسعد زغيب، أن الفرصة متاحة تماماً لوضع زحلة على خريطة هذه السياحة المحلية. وخصوصاً مع ولادة مشاريع حديثة في المدينة، تسمح بالإضاءة على وجهها غير المكتشف بين الزواريب والأحياء القديمة.

وفي هذا الإطار يتحدث نعمة عن مشاريع رائدة بدأت تنشأ بزحلة، تركز على استقبال المجموعات السياحية من مختلف المناطق، مع توفير إقامة "غير مكلفة" لعدة أيام، وتنظيم رحلات سواء بين أدراج المدينة وأحيائها القديمة أو إلى جرودها. وهذه مشاريع يرتقب أن تبصر النور قريباً مع استكمال التدريبات النهائية للأدلاء والمضيفين. وقد لمس القيمون عليها حماسة يمكن أن تشكل فرصة لاستثمارات سياحية مستدامة في المدينة.

تراث وبيئة واغتراب
تعتمد هذه المشاريع خصوصاً على تظهير الوجه التراثي لزحلة، حتى لو كانت مدينة حديثة لا تختزن معالم أثرية. وجوهرها ما تتميز به زحلة من تكوين جغرافي واجتماعي وبيئي، وفن عمارة متنوع، يمكن استثماره كعنصر جذب تراثي في المدينة.

وفي هذا الإطار يضع زغيب مشروع "التنظيم الحضري" الجديد الذي تتحضر بلدية زحلة لإصدار مراسيمه، لتدرج "جوهرة زحلة" المتمثلة ببيوتها القديمة ضمن الأماكن التي يجب المحافظة عليها، مع خلق حوافز تشجع المغتربين على الاستثمار السياحي في هذه البيوت. ومن هذه الحوافز إلغاء الرسوم على المستثمر عند تحويله أي بيت تراثي إلى مطعم أو فندق أو بيت إقامة أو ما شابه.     

وهذا التوجه عكسه زغيب أيضاً خلال لقاء افتراضي نظم قبل أسبوعين مع المغتربين الزحليين في الخارج. فطرحت مشاريع مستدامة، يرجى أن تحد من موجة هجرة الشباب المتنامية في المدينة، قبل أن تتحول زحلة الى مدينة للمتقاعدين عمرياً.  

والاغتراب الزحلي، يعتبر حاليا القشة التي يتمسك بها العاملون بالقطاع السياحي، لإنعاش موسمه، وخصوصاً في منطقة مقاهي البردوني، التي لا تزال العمود الفقري لاقتصاد المدينة.

وفي المقابل تشكل الأموال الطازجة المتدفقة من المغتربين، سواء لأهالي زحلة أو للمقيمين بقرى قضائها، عاملاً منعشا لليالي زحلة، وحاناتها وملاهيها التي تؤمن حركة سياحة رديفة، تختزن مقومات الاستمرار في أيام السنة، ولكن بشرط توفر الاستقرار المالي والاقتصادي والأمني. فاللبناني برأيهم "شعب جبار" فـ"أمنوا له الاستقرار وخذوا منه ما يدهشكم".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها