آخر تحديث:07:04(بيروت)
الأربعاء 08/01/2020
share

"القديس" سليماني الروسي

بسام مقداد | الأربعاء 08/01/2020
شارك المقال :
"القديس" سليماني الروسي
ليس الإيرانيون بحاجة إلى من يرشدهم إلى سبل الثأر من الأميركيين لمقتل جنرالهم قاسم سليماني ، بل هم أدرى بشعاب الثأر وقتال الأميركيين ، منذ اندلعت ثورة الملالي العام 1979 . لكن إعلام الكرملين وجد في الحدث فرصة سانحة لإفراغ ما في جعبته من خصومة للأميركيين ، ودفع إلى النار بالمزيد من الحطب على أمل انتشال الكستناء من لهيبها . ومن باب تسمين الضحية ورفع ثمن الثأر لها، أسبغ بعض هذا الإعلام على سليماني ما ليس معروفاً عنه من صفات ، ولا ادعاه له قادته الإيرانيون ، بحيث غدا "شخصية أسطورية يستحيل استبدالها" ، على قول صحيفة الكرملين "vz" ، نقلاً عن مدير مركز دراسة إيران المعاصرة رجب سافاروف . فقد وصف هذا الخبير الروسي سليماني ، بأنه كان كثير القراءة ، فيلسوفاً ، صاحب آراء إنسانوية جذابة ، ولا يمكن ابداً نعته بالإرهابي ، بل هو مصلح ذو وزن عالمي . 

كلا، الرجل لا يتحدث عن غاندي أو الأم تيريزا، بل هو يتحدث لصحيفة الكرملين عن قاسم سليماني "المصلح" في سوريا والعراق ولبنان واليمن، ويقول بأنهم سوف يعتبرونه الآن في إيران الشهيد الرئيسي ، ويرفعونه إلى مرتبة "نبي معاصر" ، لأنه كان "الشخصية المحترمة الأبرز ، ليس في إيران فحسب ، بل في كل بلدان الشرق الأوسط  الأخرى ذات الميول الإيرانية" . وكان سليماني ، برأيه ، معيار توازن ما في الشرق الأوسط ، إذ كان يحاول دائماً الحؤول دون "سفك الدم الغزير" . 

وليست صحيفة الكرملين هي الوحيدة ، التي نقلت مثل هذه الآراء في قاسم سليماني ، بل تلتقي معها أسبوعية عتاة القومين الروس الفاشيين "zavtra" في ما نقلته عن كاتب سياسي في الوكالة الفدرالية للأنباء "FAN" ، الذي قال ، بأن سليماني هو بطل قومي ، رمز للمقاومة ، قديس بالنسبة للكثيرين من الإيرانيين . ويقول بأن موته سوف تترتب عليه عواقب وخيمة ، والولايات المتحدة لا تدرك مع من تتعامل ، فموت الجنرال ليس عامل إحباط للشعب الإيراني ، بل عامل تضامن ، وهذه الميتة هي حلم أي وطني إيراني. ويتابع هذا الكاتب وكأنه يستعيد مقاطع من خطاب نصرالله الأخير في تأبين سليماني فيقول ، بأن صحيفة أميركية كتبت بأن الجنرال أخطأ حين اعتقد بأنه خالد لا يموت ، والحقيقة أن الجنرال كان يتهيأ للموت كل يوم ، وكان يعمل وفق قاعدة "إننا حقاً جميعنا لله ، وإليه راجعون" ، ومن هنا كانت بطولته . 

وتقول الصحيفة عينها في مقالة أخرى، أن مقتل سليماني قد منح إيران الحق الأخلاقي بالرد باغتيال من تختار من المسؤولين الأميركيين "المسؤولين عن ملايين الضحايا" ، والخيار لديها واسع ، بين وزير الدفاع الأميركي، أو مدير وكالة المخابرات الأميركية CIA ، أو وزير الخارجية مثلاً . وتنتهي الصحيفة إلى القول بان العالم يحبس أنفاسه بانتظار الرد الإيراني ، إذ مثل هذه الجريمة ، لا يمكن أن تمر دون عقاب ، لأن غداً سوف يبدأ الأميركيون بقتل الجميع دون تمييز ، وعاجلاً أو آجلاً ، سوف يصلون بالضرورة إلى الروس ليقتلوهم ، كما تؤكد الصحيفة . 

بموازاة هذا الكلام ، الذي يضفي على سليماني صفات القداسة والنبوة ، مما يعطي إيران "الحق الأخلاقي"  برفع ثمن الثأر له ، واختيار من تراه من المسؤولين الأميركيين ، يقابله كلام آخر يحمل تحذيراً لإيران من تكرار "السيناريو الليبي"، إن هي لم تتعاون مع روسيا وتسمح لها بإقامة قواعد عسكرية على أراضيها . وقد جاء هذا الكلام على لسان زعيم حزب روسيا الليبرالي الديموقراطي فلاديمير جيريونوفسكي ، ونقلته عنه نوفوستي بعد يوم من مقتل سليماني . ولا ينتقص من دلالات كلام جيرينوفسكي ما يشوب سمعته بسبب شعبويته المثيرة للسخرية ، إلا أنه يتزعم كتلة نيابية من 40 نائباً في مجلس الدوما الروسية . فهو يقول بأن الجنرال سليماني قد اغتيل من أجل زرع العداء بين شيعة العراق وإيران ، ومن أجل تهيئة الرأي العام العالمي للضربات اللاحقة لإيران ، لأن مخطط تقسيم هذا البلد جرى إعداده منذ 10 سنوات ، ويتم تنفيذه بشكل منتظم. ويرى أن اغتيال الرجل قد فاقم الوضع في الشرق الأوسط ككل ، وزعزع تضامن القوى الشيعية وكل المسلمين المعادين لأميركا . ويعتبر أن الولايات المتحدة تريد بذلك توريط روسيا بمواجهة العالم الإسلامي ، كما حدث في العام 1979 ، بعد إدخال القوات السوفياتية إلى افغانستان . ولا يحتاج الأميركيون سوى إلى خطوة أخرى لجعل لهيب الشرق الأوسط يمتد إلى المناطق المجاورة ، من أجل إشعال حرب كبرى يتم استخدام السلاح النووي فيها ، على قوله . 

إلا أن جيرينوفسكي يرى بأنه يمكن تفادي ذلك ، إذا ما طلبت إيران المساعدة من روسيا ، التي بوسعها أن تسارع إلى إقامة قاعدة بحرية عسكرية على ساحل المحيط الهندي ، وقاعدة جوية عسكرية وأخرى للقوات البرية في إيران . ويرى كذلك أن بوسع إيران أن تطلب من روسيا بيعها أنظمة دفاعات جوية حديثة من أجل حماية سمائها . ويقول بأنه إذا تسنى لإيران الوقت بأن تقوم بكل ذلك ، فسوف تحافظ على وجودها ، وإلا سيكون مصير ليبيا بانتظارها ، "وهذا ما لانريده ، بل نقترح عليها اتخاذ تدابير حديثة وفعالة للدفاع عن النفس" . 

تلك ليست "النصائح" الوحيدة ، التي صدرت عن الروس ، وتصب جميعها في ما يسميه البعض "طريقة بوتين" في سحب الكستناء من نار أي صراع مشتعل ، بل كانت هناك "نصائح" أخرى من "خبراء" للعراقيين بشراء صواريخ S-400 لحماية سمائهم ، للحؤول دون تكرار ما حصل ، ومن خبراء عسكريين أعلنوا عن توفر خريطة لديه لجميع المواقع العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط ، والتي "يبدو أنها ستكون مطلوبة قريباً"، كما نقلت صحيفة الكرملين عن رئيس تحرير مجلة "ترسانة الوطن" فيكتور موراخوفسكي. 

من جهتها صحيفة الروس المتشددين "SP" ، التي تتشارك أحياناً الكتاب السياسيين مع صحيفة الفاشيين الروس المذكورة ، علقت على الحدث بمقالة بعنوان "قتلٌ أميركيُ بحت : إيران سوف تثأر ، أما الكرملين فسوف يبتلع وفاة صديق بوتين" . وتقول الصحيفة أن واشنطن ، ومن خلال قتلها مثل هذه الشخصية قاسم سليماني بأمر مباشر من ترامب مباشرة ، تبرز نفوذها في الشرق الأوسط ككل ، ولا تنوي التخلي عن زعامتها تلك ، حتى بمثل هذه الأساليب القذرة ، التي استخدمتها سابقاً في التخلص من صدام حسين ومعمر القذافي . وتتساءل الصحيفة عما يفكر به الكرملين بشأن مقتل سليماني ، الذي كانوا يسمونه صديق بوتين ، الذي يبقى صامتاً حتى الآن ، وكذلك الناطق باسمه ، واكتفى برد وزارة الخارجية وإدانتها الجريمة، فهل ابتلعت موسكو مقتل رجلها الإيراني المفضل؟ 

وتختتم الصحيفة مقالتها بالقول ، أن الكرملين يراقب الآن تطور الوضع ، ويكتفي بتصريح وزارة الخارجية ، ولا يتصل بوتين بترامب ويطالبه بالتوقف عن تخطي القوانين والأعراف الدولية . وتقول الصحيفة ، أن أسواق النفط تسجل في هذا الوقت ارتفاع  الأسعار 4% ، مما يشكل ربحاً مباشراً لموسكو ، التي اصبحت مبيعات "الذهب الأسود" بالنسبة لها منذ زمن بعيد ، معيار الرفاهية وتعزيز الروبل ، وليس للجنرالات هنا أي حساب ، فكيف بالأحرى الإيرانيين منهم . 


ليس للقداسة من مكان في مقاربة الدول للصراعات ، و"القديس" سليماني الروسي ، صديق بوتين ، تُقاس "قداسته" الروسية بمقدار كستناء النفوذ في الشرق الأوسط والعالم ، التي تنتشلها روسيا من لهيب مصرعه ، الذي يتمدد الآن إلى كافة أرجاء المنطقة .


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب