آخر تحديث:21:57(بيروت)
الخميس 21/03/2019
share

الإرهاب العالمي الأبيض

لوري كينغ | الخميس 21/03/2019
شارك المقال :
الإرهاب العالمي الأبيض Getty ©
حتى قبل القتل المروع ل50 مسلماً في كرايست تشيرش بنيوزيلندا الجمعة، كانت الأخبار حول المخاطر المتزايدة للحركات البيضاء المتعصبة تحجز مكانها على خريطة الإعلام الأميركي. حذرت جماعات مراقبة مثل مركز قانون الفقر الجنوبي (SPLC)، فضلاً عن وكالات إنفاذ القانون، من أن كبار مرتكبي الإرهاب في الولايات المتحدة هم القوميون البيض والجماعات التابعة لليمين المتطرف. هذه الأخبار ليست مستساغة لكثيرين من الأميركيين، من بينهم الرئيس دونالد ترامب، الذي لا يعتقد أن جماعات العنصرية البيضاء كبيرة جداً أو مؤثرة. ليس من المستغرب أن يقلل ترامب من تأثير الأيديولوجيات والخطابات والإجراءات ذات التفوق الأبيض، على الرغم من ذلك: قاعدة دعمه الأساسية غارقة في هذا الشراب السام من الكراهية والخوف. ترامب لا يجرؤ على تنفيرهم عن طريق إعطاء أي مصداقية لما أصبح واضحاً بشكل متزايد: أميركا لديها مشكلة إرهاب داخلي خطيرة.
هناك موضوع متكرر في خطاب "الإرهابيين البيض"، والذي تم توضيحه مؤخراً  في العته الذي أظهره قاتل كرايست تشيرش في صفحاته ال74، وهو أن الأشخاص البيض يواجهون إبادة جماعية ثقافية، وأن غير البيض يخططون بنشاط لاستبدالهم. هتف المئات من الرجال البيض الذين ساروا في الليل يحملون مشاعل في شارلوتسفيل بولاية فرجينيا في أغسطس 2017 "لن تحل محلنا!". المخاوف من استبدال كبير للبيض بغير البيض والمسلمين واليساريين متفشية ليس فقط في الولايات المتحدة، ولكن في أوروبا أيضاً. مخاوف الإرهابيين البيض مبنية على جنون العظمة: البيض لا يزالون يشكلون أكثر من ثلثي سكان الولايات المتحدة، والهجرة من المكسيك وأميركا الوسطى قد انخفضت بالفعل لسنوات. في أوروبا، يبدو أن صعود المتعصبين البيض قد تزامن مع وصول عشرات آلاف اللاجئين من سوريا والعراق في عام 2011.
وصول الآلاف من المسلمين العرب الذين فروا من الفوضى في سوريا والعراق، والذين نظرت الحكومات الأوروبية إليهم في البداية على أنهم أزمة إنسانية ذات أبعاد هائلة، أصبح الآن بمثابة "غزو متعمد" في خطاب اليمين في أوروبا والولايات المتحدة. في المجر، تدين حكومة فيكتور أوربان بسلطتها للمخاوف غير المنطقية من الغرباء الذين يصيبون الأمة، وهم مسلمون أو يهود. وكما رأينا في العام 2011، شعر المجنون أندريه بريفيك بوجود أكثر من مبرر لقتل العشرات من الشباب بدم بارد لمنع تخفيف البياض في النروج. في الولايات المتحدة، وصف ترامب وغيره الهجرة عبر الحدود الجنوبية بأنها غزو، واستجابوا لذلك من خلال تسليح وكالة الهجرة والجمارك (ICE) ووكالة حماية الحدود الجمركية (CBP) كقوات عسكرية بالظاهر، مع اتخاذ تدابير أكثر تطرفًا للتصويب على المد اللاتيني (غير البيض). وفي المملكة المتحدة، الكارثة المستمرة لعملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي متجذرة أيضاً في المخاوف البيضاء من التغلب عليها من قبل الآخر "اللعين". وأولئك الذين صوتوا لمغادرة الاتحاد الأوروبي عبروا عن مشاعر وطنية ومخاوف بشأن غزو المملكة المتحدة من قبل غير البيض، المسلمين في المقام الأول.
أضف إلى الموجة الصاعدة من جنون العظمة الأبيض، انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومجتمعات الإنترنت على "الشبكة المظلمة" مثل "8-Chan"، وانحلال المجتمع في أوروبا والولايات المتحدة، وسهولة الوصول إلى الأسلحة الهجومية، ولديك وصفة عن الأمر تتمثل في الكارثة الدموية التي وقعت الأسبوع الماضي في اثنين من المساجد في نيوزيلندا. لقد تصرفت رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن بسرعة لحظر الأسلحة الهجومية بعد أقل من أسبوع من المذبحة، ولإرسال رسالة واضحة إلى المسلمين (سواء كانوا مهاجرين أم مواطنين أم لاجئين) بأنهم موضع ترحيب وجزء من نيوزيلندا. لا يمكن أن يكون التناقض بين الدعم الضمني الذي قدمه دونالد ترامب للإرهاب الأبيض وتعاطف أرديرن ونزاهتها أكثر وضوحاً. الأميركيون مذهولون بانتظار رؤية الحكومة تتخذ إجراءات فورية لا لبس فيها في مواجهة عنف السلاح. على الرغم من المئات من عمليات إطلاق النار الجماعية في الولايات المتحدة، التي يرتكب معظمها الرجال البيض الذين يستخدمون بنادق هجومية، فليس هناك من طريقة لترجمة إرادة الشعب الأميركي، التي تؤيد بشكل حاسم السيطرة على الأسلحة والأسلحة الخارجة عن القانون أو الهجومية، كما فعلت حكومة أرديرن بعد أقل من أسبوع على القتل الجماعي في نيوزيلندا.
في حين أن بعض النقاد يتساءلون عما إذا كانت أميركا تقوم بتصدير علامتها التجارية أي الإرهاب القومي الأبيض إلى بقية العالم، فمن المحتمل أن تكون هناك ديناميات مماثلة في مواقع متعددة في عالمنا المعولم. إذا حفر المرء أعمق في الإيديولوجية القومية البيضاء، يجد أنها لا تعتمد على الكراهية والغضب وحدهما، بل على الخوف والجهل أيضاً. في نهاية المطاف، فإن خطوط المعركة ليست بين البيض وغير البيض أو الأوروبيين مقابل غير الأوروبيين، بل بين أهل العالم وغيرهم. لقد أدت النيوليبرالية الرأسمالية، التي أصبحت الآن قوة عالمية تمحو الفروق بين القطاعين المحلي والدولي، والقطاعين العام والخاص، إلى زيادة أعداد الأرواح البائسة إلى حد كبير. 
لقد استفاد الأوروبيون والأميركيون بشكل كبير من التركات المتشابكة للفتح، الغزو، الحكم الاستعماري، استغلال الاستعمار الجديد والتداعيات الطويلة الأجل للعبودية التي دمرت أميركا اللاتينية وإفريقيا والكثير من آسيا. البيض ليسوا في خطر استبدالهم، بل بالأحرى، هم أمام حساب نقدي طال انتظاره للعديد من التداعيات السلبية للرأسمالية العالمية، التي لديها الآن مهام خبيثة تهدد بقاء الحياة على كوكب الأرض. على الساسة والأحزاب السياسية المسؤولة أن يلفتوا انتباه الجمهور على الفور إلى هذا الخطر، بدلاً من استخدام غير البيض وغير المسيحيين ككبش فداء باعتبارهم غزاة يمثلون تهديداً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لوري كينغ

لوري كينغ

أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورج تاون، واشنطن zinjabeela@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب