آخر تحديث:17:34(بيروت)
الأربعاء 14/04/2021
share

"نجم تبدّى"..فرقة "مداح الحبيب" تغني بشار بدلاً من محمد

وليد بركسية | الأربعاء 14/04/2021
شارك المقال :
"نجم تبدّى"..فرقة "مداح الحبيب" تغني بشار بدلاً من محمد
بشار ضوء القمر.. ليس مطلع أغنية تتغنى برئيس النظام السوري بشار الأسد في التلفزيون الرسمي، بل مطلع أنشودة دينية ترفع من شأن "مولانا أبو عيون جريئة" إلى مستوى الأنبياء في دولة يكاد تقديس العائلة الحاكمة فيها يشكل ديناً غير رسمي بين الموالين، بسبب تراكمات طويلة شكلتها دعاية النظام تجاه "الأب المؤسس" للدولة السورية حافظ الأسد، وصولاً إلى ابنه الذي أكمل المسيرة بعد وفاته العام 2000.

وفيما يوصف النبي محمد عادة بأنه خير البشر في الأناشيد الدينية، فإن بشار أخذ محله في أول أيام شهر رمضان الذي يقدسه المسلمون، حيث كررت فرقة الإنشاد الديني "مداح الحبيب" المقربة من وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد، عبارات مثل "نجم تبدى وظهر، زين الرجال من البشر.. يعطي من الحب صور، زان المجالس إن حضر"، وذلك في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.



وفيما كان مديح الرئيس والدعاء له جزءاً ملازماً من الخطاب الديني الرسمي، في المساجد والبرامج الدينية وحلقات الإنشاد الديني التي تبث في التفزيون في المناسبات الدينية مثل ليلة القدر والإسراء والمعراج والأعياد الأخرى، فإن ذلك المديح لم يكن يأخذ شكل أنشودة كاملة مثلما هو اليوم، بقدر ما كان عبارة عن جمل اعتراضية ضمن تلك النصوص المخصصة عادة للمديح النبوي، إلى جانب تخصيص جزء من خطبة يوم الجمعة والعيد للدعاء للرئيس بوصفه حامياً للدين والاستقرار.

ويقود فرقة المنشدين المذكورة، عبد الرحمن عبد المولى. وتحظى الفرقة برعاية وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد، الذي استضافها خريف العام الماضي في طرطوس. ورغم وباء كورونا الذي يجتاح البلاد، فإن الفرقة واظبت عن إقامة الحفلات التي تسودها تجمعات تناقض إجراءات التباعد والسلامة، وتنقلت بين المدن السورية، حسبما أفادت وسائل إعلام محلية.

وفي سنوات الثورة السورية الأولى، طفت مظاهر تقديس الأسد كديانة غير رسمية للنظام، بما في ذلك مقاطع فيديو لشبيحة النظام وهم يعذبون مجموعة من المدنيين ويسألونهم "مين ربك ولاك" ويجبرونهم على الإجابة بـ"بشار الأسد". كما كانت النوعية نفسها من العبارات تنتشر في المناطق التي يستعيد جيش النظام السيطرة عليها مثل "بيسقط ربك وما بيسقط بشار الأسد"، إلى جانب استعادة عبارات موازية انتشرت في ثمانينيات القرن الماضي كشعارات بين جنود النظام السوري، من بينها "لا إله إلا الوطن ولا رسول إلا البعث" و"زال حكم محمد وجاء حكم الأسد".


بموازاة ذلك الضخ، كانت الثورة السورية تصدر إلى جانب خطابها الداعي للديموقراطية والدولة المدنية، خطاباً إسلامياً بشعارات مثل "قائدنا للأبد سيدنا محمد". وفيما كان تحطيم تماثيل حافظ الأسد وتمزيق صور ابنه بشار، في السنوات الأولى للثورة، طقساً ضرورياً لكسر هالة العائلة الدموية التي حكمت البلاد ونشرت الخوف في نفوس السوريين طوال عقود، فإنه عنى أيضاً التخلص من سطوة تلك العائلة على المستوى الديني بالقول أن تلك التماثيل تمثل أصناماً رغم أن التماثيل التي يشيدها النظام لرموزه والصور التي ينشرها في كل مكان لهم، لا تقصد تأليههم بقدر ما تشير إلى "مُلكيتهم" للبلاد، وكأنها إقطاعية كبيرة لا أكثر.

وحتى لو لم يكن النظام يسعى إلى تأليه رموزه بشكل مباشر، فإن ذلك انتشر بين الموالين للنظام بشكل طوعي ربما، على جانبين، الأول مرتبط بحافظ الأسد الذي بنى صورة شخصية له كقائد خالد لا يموت ولا يمرض، حتى في سنوات حياته الأخيرة التي تم فيها التعتيم على إصابته بمرض سرطان الدم، والثاني مرتبط بعقدة شخصية لدى بشار الأسد الأبدية حول حب الشعب له وإغراقه البلاد طوال عشرين عاماً بشعارات مثل "منحبك".



والحال أن كثيراً من السوريين كانوا يروون تصوراتهم الشخصية عن حافظ الأسد خلال طفولتهم، ويتحدثون عنه كنبي بسبب طبيعة الحياة في سوريا الأسد خلال التسعينيات تحديداً، عندما كانت الطقوس اليومية تحتفي بحافظ الأسد كرئيس خالد لا يموت، وتحديداً في المدارس التي تتطلب توجيه التحية الصباحية له عند ترداد الشعار البعثي. كما أن الصدمة التي حصلت عند وفاته كانت كبيرة، لأن الإله عادة لا يموت، وبالنسبة للأطفال في تلك الفترة كان الأمر مربكاً خصوصاً عند استبداله سريعاً بالابن بشار، فيما انتشرت الأساطير المحكية حول انتقام حافظ الأسد من كل من يخرج عن طاعته حتى بعد مماته.

واليوم يتوازى تقديس بشار مع تقديس والده، فإلى جانب الأناشيد الدينية والخطب التي يلقيها بشار في المساجد وعلاقته المتينة مع تيارات دينية مثل "القبيسيات" وتصريح نواب سوريين بأن "الركوع لبشار قليل"، فإن والده مازال حاضراً بسبب السخط من سياسات ابنه المحلية، اقتصادياً ومعيشياً. وكرر الموالون في الأسابيع الماضية عبارات مثل "قم يا أبا الفقراء" ناشدوا فيها "القائد الخالد" بالنهوض من موته، كأنه المسيح المخلص، كي يرعى شعبه مجدداً، فيما كان أحد جنود النظام يقبل يد تمثال حافظ الأسد قبل سنوات، وغيرها.

يحيل ذلك بدوره إلى طقوس عبادة الأموات في الكثير من الحضارات، بما فيها الحضارات العربية القديمة، عندما كان مؤسس كل قبيلة، هو ربها في آن واحد. وبهذا يصبح من المنطقي إطلاق تسمية "القائد المؤسس" على حافظ الأسد الذي استولى على السلطة في البلاد العام 1970 بانقلاب عسكري، وفرض حكماً بوليسياً وحشياً. ويمكن تلمس ذلك حتى ضمن الأنشودة الدينية الجديدة التي بدت وكأنها تخاطب الأسد الأب في مقطعها الثاني: "يا جد السلالة، يا مجمع كمالا. يا جميل في جمالك، جمالك لا مثالا"، في مشهد دعائي متكامل يقوم على فكرة "الأسد للأبد".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها