آخر تحديث:15:55(بيروت)
الخميس 16/07/2020
share

طفل القيمرية: البراءة والفقر والتشرد كوصفة "إرهابية"

وليد بركسية | الخميس 16/07/2020
شارك المقال :
طفل القيمرية: البراءة والفقر والتشرد كوصفة "إرهابية"
طفل سوري ينام على الأرض في حي القيمرية بدمشق القديمة، يمر به بعض الأشخاص من دون أي اكتراث، لا أحد يدري من هو أو طبيعة الظروف المأساوية التي أوصلته إلى هذه الحالة المحزنة، ما قصته وما الذي كان يحلم به في تلك الغفوة وتلك اللحظة التي التقطت فيها صورته ونشرت عبر الإعلام الرسمي ومواقع التواصل الاجتماعي بكثافة. ربما لو اقترب أحد منه وتحدث معه في مقطع فيديو كحال الطفل محمود قبل عامين، لاستطاع الرد، بدمعة أو كلمة، على الأكاذيب التي ينقلها الإعلام الرسمي حول حالات الأطفال من أمثاله، والذين باتوا يصورون كجزء من عصابات شريرة تستهدف السوريين الآمنين في الشوارع بالسرقة والتسول والنشل!

ورغم القهر الإنساني الطاغي في الصورة، فانها كانت ستمر، على الأغلب، من دون أن يلتفت إليها أحد، بسبب كثرة صور النازحين في المدينة خلال السنوات الماضية كواحدة من مفرزات الحرب السورية، لكن تقديمها من قبل جريدة "تشرين" الرسمية، وصفحات موالية للنظام في مواقع التواصل، على أنها خدعة وكذبة تقوم بها عصابات التسول عبر استغلال براءة الأطفال، جعلت منها مثالاً لكشف التناقض الذي وصل إليه النظام في خطابه الموجه نحو السوريين، وتحديداً فئة الموالين له.



وفيما تكسر الصورة وغيرها من التوثيقات المشابهة، الحالة "المثالية" التي يحاول النظام السوري ترويجها للحياة في سوريا بعد الحرب، فإن النظام يحاول نفيها والاستفادة منها في آن واحد. فمن جهة يريد النظام أن يعلن أن لا أحد جائعاً في سوريا مثلما قال وزير المالية مأمون حمدان بنفسه أمام مجلس الشعب العام 2017، ويحرص بالتوازي على الادعاء بأن الفقر المنتشر يبقى في حده الأدنى ولا يرتقي إلى مستوى الكارثة، حتى لو كانت الأمم المتحدة تقول في أحدث إحصائياتها أن 90% من السوريين باتوا يعيشون اليوم تحت خط الفقر. ومع الادعاء بأن كل شيء تحت السيطرة، تتم إعادة تدوير خطاب النصر على الإرهاب كمدخل لمطالبة السوريين بمزيد من الولاء.

وبالطبع، يبدو النظام غريباً للوهلة الأولى، فهو يستميت من أجل الترويج لصورة مثالية تعيشها "الدولة السورية" التي "انتصرت على الإرهاب" ويذهب من أجل تلك الغاية بعيداً إلى حد نزع البراءة من الأطفال أنفسهم وتحريض الناس ضدهم، بالدعوات التي يمكن تتبعها في مواقع التواصل للتبليغ عنهم وتسليمهم للشرطة وعدم مساعدتهم بل حتى ضربهم كي يكفوا عن التشرد! ويحرص بالتوازي على ضخ جرعات التصدي والصمود في المواطنين بدعوتهم للصبر على الحالة الاقتصادية المتدهورة، ولوم العقوبات الغربية على تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار وغلاء الأسعار.

لكن الدهشة غير مبررة لأن سياسة النظام في إدارة هذا الملف قديمة وواضحة ولم تتغير كثيراً منذ أيام الرئيس حافظ الأسد، عندما كان النظام بارعاً في اللعب على الخط الفاصل بين الجوع والفقر. حيث كان الثاني جزءاً من سياسة ممنهجة تهدف إلى جعل السوريين مشغولين بأمور رزقهم البسيطة، من دون إعطائهم المجال للتفكير أو الاهتمام بما هو أبعد من رغيف الخبز اليومي، ما يسهل عملية السيطرة عليهم وضمان ولائهم، في مقابل التأكد من عدم انتشار الجوع، عبر أساليب رسمية وغير رسمية تمثلها العلاقة الوطيدة مع التجار السنّة تحديداً، لأن انتشار الجوع في الحاضنة الاجتماعية للنظام سيؤدي حتماً إلى انقلابها وخروجها عن السيطرة وسيتحول قسم كبير من طبقة الموالين في مناطق واسعة إلى معارضين.

ولا تشكل قضية شيطنة طفل بريء ينام في الشارع، حالة فردية، ففي الأشهر الماضية انتشر خطاب مماثل في الصفحات الموالية للنظام، ضد كل من يتحدث عن فقره بشكل علني. وباتت الشكوى من الحالة الاقتصادية مرادفة للخيانة. على سبيل المثال، نشرت الناشطة الموالية غالية الطباع، الشهر الماضي، مقطع فيديو لم تسخر فيه من الفقراء في البلاد فقط بل تحدثت في العموم عن أن الفقراء لا يتواجدون في الشوارع، يل يخفون فقرهم في بيوتهم ولا يجاهرون به، وأن مشاهد الفقر المنتشرة تأتي من طرف أغنياء يتصنعون الفقر من أجل الحصول على إحسان بقية السوريين لتحصيل مزيد من الثروة!

يشكل ذلك نقطة تحول في أسلوب تعامل النظام مع الحالات الإنسانية، وتحديداً قضية الأطفال المشردين، مقارنة بالسوات الماضية. ففي سنوات الثورة السورية الأولى، كان النظام يسمح بحيز أوسع أمام الناشطين والسوريين العاديين لطرح هذه النوعية من القضايا الاجتماعية والإنسانية، في مواقع التواصل، كأسلوب كلاسيكي لامتصاص الصدمات وتفريغ الشحنات الغاضبة عبر لوم "الحكومة". وبعد معركة حلب العام 2016، بدأ النظام يستعيد السيطرة على الفضاء العام بإعادة الإعلام لمركزيته، وبات هو من يصدر هذه القصص لأسباب سياسية، يحاول بها تلميع صورة "الدولة السورية" بتصوير الأطفال المتشردين كمجرمين تتم استضافتهم وملاحقتهم عبر الإعلام الرسمي في مشاهد صادمة تكررت العام 2019.

وهكذا، كان النظام العام 2017 يحرص ويشجع على تصوير ونشر قصص مؤثرة عن الأطفال المشردين، كما قام برعاية فعاليات عديدة مثل "أبناء الشمس" في العاصمة دمشق، بهدف إعادة صياغة النقاش الإنساني الدولي حول سوريا وحرفه بعيداً عن مساره العادل، عبر مسارين متلازمين، الأول هو تقديم هذا النوع من القضايا في مناطق سيطرة النظام على أنه الأثر الإنساني الوحيد للحرب السورية، وبالتالي تشويه حقيقة جرائم الحرب التي اقترفها النظام بحق المدنيين في مناطق المعارضة الذين تم تجاهلهم في سياق الدعاية الأسدية، للوصول إلى مناشدة المجتمع الدولي والمنظمات المعنية لتقديم المساعدات الإنسانية إلى المدن والقرى التي باتت تحت سيطرة النظام حصراً، وهو السبب الثاني.

واللافت هنا أن أسماء الأسد، زوجة الرئيس السوري بشار الأسد، تحتكر العمل الخيري في البلاد بسيطرتها على المؤسسات غير الحكومية التي تتلقى مساعدات إنسانية، بما في ذلك المساعدات الأممية! وهي قضية أثارت الكثير من الأخذ والرد حول جدوى تقديم هذه النوعية من المساعدات إلى يد النظام مباشرة. كما أنها أثارت خلافات موازية بين أسماء وشخصيات أخرى تحاول الترويج للعمل الإنساني في سوريا، مثل الناشطة الموالية ماغي خزام التي تشرف على جمعية "المملكة السورية.

يظهر ذلك كله بوضوح الانهيار الاجتماعي في سوريا التي مزقتها الحرب، فإلى جانب الأطفال المشردين الذين يتسولون في الشوارع والذين تتكرر صورهم بكثافة خلال السنوات الماضية، ازدادت نسبة الطلاق حسبما تشير تقارير ذات صلة بسبب الحرب التي فرقت العائلات. كما تغيرت ديموغرافية المجتمع مع تهجير ملايين المواطنين السنة تحديداً من البلاد، وعدم رغبة النظام في عودتهم، وترهيبهم في البروباغندا الرسمية، سواء بالاعتقال أو التجنيد، كحالة الأطفال في الداخل السوري تماماً.

وأشار تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" في حزيران/يونيو الماضي، إلى أن حوالى 6 ملايين طفل سوري ولدوا منذ بدء الأزمة. ولا يعرف هؤلاء الأطفال سوى الحرب والنزوح، فيما يتعرض للقتل في سوريا ما معدله طفل كل 10 ساعات بسبب العنف، كما اقتلع أكثر من 2.5 مليون طفل وإرغامهم على الفرار إلى البلدان المجاورة، بحثاً عن الأمان. وعلق تيد شيبان، المدير الإقليمي لـ"يونيسف" في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "يخبرنا السوريون كيف أثرت الحرب مباشرة في حياتهم وحياة أطفالهم، وكيف أنهم، وبكل بساطة، نجوا من إحدى أكثر الحروب قسوة في التاريخ الحديث. من الواضح أن الجراح أثرت بعمق، وأن التأثير في صحة السوريين النفسية هائل. كما ندرك من هذا الاستطلاع أن تعليم الأطفال والفقر هما من بين أهم الهموم وأكبر التحديات".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها