آخر تحديث:14:22(بيروت)
السبت 09/12/2017
share

التجار يحكمون دمشق: "لا أحد جائعاً في سوريا"!

وليد بركسية | السبت 09/12/2017
شارك المقال :
التجار يحكمون دمشق: "لا أحد جائعاً في سوريا"!
بات التحالف الداخلي بين النظام السوري وطبقة التجار الأثرياء في العاصمة دمشق، شديد الوضوح، فالتجار الذين منعوا النظام، في الظل، من السقوط خلال أعوام الثورة الأولى إلى الآن، باتوا أصحاب نفوذ هائل على السياسات الاقتصادية والخدمية والمحلية، في العلن، وهو ما تجلى في تصريحات وزير المالية السوري مأمون حمدان بشأن الجوع والفقر في سوريا، المنتشرة في مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.


"لا أحد جائعاً في سوريا".. الجملة الصادمة التي قالها حمدان أمام مجلس الشعب السوري خلال جلسة مناقشة تقرير لجنة الموزانة والحسابات تركت جمهور الموالين للنظام في صدمة تجلت بموجة من الشتائم والمطالبات بإقالته، حيث استنكر حمدان  ورود عبارات مثل "الشعب جائع" في مداخلات أعضاء المجلس وضمن تقاريره، مضيفاَ أن هنالك "أساسيات تتمسك الحكومة بتأمينها ولا يمكن أن تتنازل عنها" حسب تعبيره.



ورغم أن التصريح يبدو للوهلة الأولى رداً على التقارير الدولية اللي تحدثت عن تفاقم الوضع الإنساني في الغوطة الشرقية التي باتت على حافة مجاعة حقيقية، إلا أنه في الواقع جزء من جدل داخلي حول السياسات الاقتصادية في مناطق سيطرة النظام، والتي اشتدت منذ منتصف شهر تشرين الثاني/نوفمر الماضي، مع تحسن سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار من دون أن يؤثر ذلك على أسعار السلع اليومية في الأسواق المحلية وأدى لموجة غضب في صفوف الموالين المستائين أصلاً من الواقع الخدمي المتردي في البلاد، والذي لم يعد من الممكن السكوت عنه أو تبريره بمجرد وجود "الأزمة" التي يعلن النظام "انتصاره" فيها.

ولا مجال للمفاجأة من رد فعل حكومة النظام التي وقفت بحزم "كلاسيكي" ضد إرادة مواطنيها، فصدرت بيانات رسمية بالخطاب نفسه المؤكد على أن الأسعار لن تعود أبداً إلى حدودها القديمة مهما تحسن سعر الصرف الليرة السورية أمام الدولار ولو وصل إلى حد الخمسين ليرة المعتاد قبل العام 2011. بموازاة حملة شنها إعلام النظام عبر قنواته الرسمية وصفحات السوشيال ميديا الموالية له، من أجل تبرير ارتفاع الأسعار ووصل الأمر إلى اتهام المطالبين بتحسين الظروف الاقتصادية بالخيانة والجحود وعدم مراعاة ظروف "الحرب".

اللافت هنا تبني الإعلام الرسمي لموقف تجار دمشق بشكل واضح ودفاعهم عنه لأنه "من غير المعقول" أن يخسر التجار في حال نزول الأسعار بشكل مفاجئ لكونهم "اشتروا البضائع بالسعر القديم"، ويعكس ذلك علاقة قديمة من تبادل المصالح العميقة التي تربط النظام بطبقة مختلفة من داعميه الأساسيين، أي تجار دمشق السنّة، بعيداً من الدعم الخارجي الروسي والإيراني ويتجاوز بها حدود نفوذه الطائفي في الساحل السوري أيضاً.

والحال أن تجار دمشق رعوا الحاضنة الاجتماعية للنظام من خلال تقديم التبرعات والمساعدات للفقراء في الداخل السوري، وخصوصاً في شهر رمضان منذ العام 2011، وسواء كان النظام يرد ذلك الجميل بسياساته الاقتصادية أو أن طبقة التجار اتخذت ذلك الموقف لأنها تريد من النظام أصلاً حماية مصالحها فإن النتيجة تبقى واحدة وهي أن التجار حافظوا على بقاء النظام ومنعت انهياره وليس روسيا التي لم تتدخل عسكرياً في البلاد إلى العام 2015.

ويعود ذلك إلى سبب جوهري وهو أن انتشار الجوع في الحاضنة الاجتماعية للنظام سيؤدي حتماً إلأى انقلابها وخروجها عن السيطرة وبالتالي لن يبقى هنالك مقاتلون جدد للانضمام إلى جيش النظام وميليشياته المحلية وسيتحول قسم كبير من طبقة الموالين في مناطق واسعة إلى معارضين، في فترة كانت الثورة السورية تحقق انتصارات واسعة ما جعل المعارضين يسيطرون على مناطق واسعة ويهددون العاصمة نفسها.

وكان النظام مع طبقة التجار يلعبون على الخط الفاصل بين الجوع والفقر، لأن الفقر مبرر ضمن سياق الحرب المشتعلة في البلاد ويمكن ضبطه ومنعه من التحول إلى جوع خطير، عبر المعونات الاجتماعية والتعويضات التي يقدمها التجار على أنها أعمال خيرية "غير رسمية"، ومع ترويج النظام لفكرة "انتهاء الحرب" و"انتصاره" فقد جزءاً جوهرياً من هذه السياسة والمتمثلة بعامل التبرير الذي كان يمنع الموالين من تحويل استيائهم إلى موقف معارض.

وتجب الإشارة هنا إلى أن النظام استخدم الأسلوب المعاكس تماماً، وهو التجويع عبر تكنيكات الحرب  والحصار المستمدة من القرون الوسطى لخنق المناطق المعارضة له ودفعها للاستسلام وتوقيع اتفاقيات المصالحة، وتحكم بمرور شحنات المواد الإنسانية والغذائية، التي كانت طبقة التجار نفسها تتاجر بها في المناطق المعارضة بحدود عبر وسطاء لتحقيق أرباح فائقة، ويمكن تذكر الصور المروعة التي أفضت إليها هذه الاستراتيجية في مدن كثيرة أبرزها مضايا التي باتت أيقونة للثورة السورية.

حفاظ الموالين على موقفهم السياسي الداعم للنظام يجعلهم يفرّقون بين النظام السياسي وبين الحكومة بشكل غير مفهوم، وهو ما يمكن وصفه باللغز الأكبر ضمن سياق الحرب السورية، أي أن الموالين يمتلكون نفس معاناة المعارضين مع "الحكومة" على المستوى المعيشي والظروف الاقتصادية والخدمية والفساد، لكنهم يتنافرون عنهم في الموقف السياسي، فبينما ثار المعارضون على هذا الواقع البشع من أجل تغييره إلى الديموقراطية، مازال الموالون ينظرون إليه بشيء من القصور أو الإنكار لاعتبارات مختلفة، اقتصادية واجتماعية وأمنية، ومؤمنين، على أفضل تقدير، بفكرة رومانسية تفيد بأن النظام نفسه قابل للإصلاح مع نهاية الحرب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها