آخر تحديث:20:16(بيروت)
الأربعاء 27/11/2019
share

مدوّن أميركي في سوريا الأسد: الجيش لطيف أيضاً!

وليد بركسية | الأربعاء 27/11/2019
شارك المقال :
مدوّن أميركي في سوريا الأسد: الجيش لطيف أيضاً! المدون الأميركي درو بينسكي مع جنود النظام السوري (انستغرام)
لا تختلف زيارة المدوّن الأميركي الشهير، درو بينسكي، إلى سوريا، التي وثقها عبر مقاطع فيديو في "فايسبوك" و"أنستغرام"، عن الزيارات المماثلة التي قام بها مدونو رحلات أجانب إلى البلاد خلال السنوات الماضية، تلميعاً للنظام الأسدي الباحث عن الشرعية والأموال اللازمة لإعادة الإعمار بعد ثماني سنوات من انطلاقة الثورة في البلاد. علماً أن الزيارة تظهر، بشكل غير مألوف، تنسيقاً واضحاً مع سلطات النظام والمنظمات المتطرفة الداعمة له، مثل منظمة" "اس. أو. أس كريتيان دوريان"  (SOS Chrétiens d’Orient) الفرنسية، التي يتزعمها سياسيون يمينيون متطرفون مثل بينيامين بلانشارد وتشارلز دي ماير.


وإن كانت التساؤلات حول مدى تنسيق المدوّنين العالميين، الأجانب والعرب، مع سلطات النظام السوري ووزارة الإعلام التي تشرف على جولات الصحافيين الأجانب في البلاد عادة، مشروعة بسبب عدم وجود إشارات في التدوينات نفسها إلى التنسيق، من أجل تقديم المنتج الدعائي على أنه انطباع شخصي لا أكثر، فإن تلك الشكوك تتبدد إلى حد كبير في حالة بينسكي الذي يتابعه أكثر من 2.4 مليون شخص في "فايسبوك"، لأن الإشارة من طرفه لوجود تنسيق مع جهة ما داخل سوريا، تتواجد في أول فيديو له وهو عند الحدود السورية اللبنانية. كما أن الفيديوهات اللاحقة أظهرت وجود مرافقين له، لا يتم التعريف سوى بأسمائهم من دون الجهة التي وفرتهم، مع تخصيص فيديوهات أخرى للحديث عن جهود منظمة" "اس. أو. أس كريتيان دوريان"، التي وفرت له مرافقين في زيارته لمدينة حلب على الأقل، من بينهم أشخاص فرنسيون، كما كان واضحاً من السياق.

ورغم الاختلافات البسيطة السابقة، تدور الفيديوهات في إطار الكليشيهات المعتادة والتي لا تخلو من سطحية، مثل كون البلاد مهد الحضارات ورمزاً لتعايش المسلمين والمسيحيين واليهود. وكما هو متوقع، فإن الزيارة السريعة إلى دمشق مثلاً لا تلمح أياً من المظاهر "غير الطبيعية". فالتصوير يتم في شوارع تضج بالحياة بعكس ما يذكر في "الميديا العالمية"، وتتمحور اللقطات حول أنواع الأطعمة في مطاعم دمشق القديمة، مع الدهشة من وجود شواطئ في البلاد عند زيارة اللاذقية، بالإضافة للأحاديث المستمرة عن انفتاح الشعب السوري، بعكس الإرهابيين، فهم يشربون الكحول ويسهرون ويغنون ويرحبون بالأجانب، وبالطبع تتبع تلك الأحاديث صور لجنود النظام أو نقاط التفتش الأمنية أو لقطات تظهر لافتات لرئيس النظام بشار الأسد، ما يخلق سياقاً بصرياً متعمداً، لخلق الوهم بأن النظام السوري هو الحامي لذلك الانفتاح والحضارة في وجه الظلامية التي تمثلها المعارضة.



وإن لم يكن ذلك السياق كافياً لإثبات دعائية هذه النوعية من الزيارات، فإن بينسكي الذي يقول أنه لا يريد الخوض في السياسة ومتاهاتها، التقط صوراً مع جنود النظام السوري في "أنستغرام" وقال عند زيارته للساحل السوري أن "الجميع لطفاء بما في ذلك الجيش"، مع لقطات من المرح المتبادل مع الجنود في الشوارع، ولا يمكن افتراض جهل بينسكي السياسي هنا كتبرير ساذج لإغفال أن ذلك الجيش هو نفسه من قصف السوريين وقتلهم بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية وغيرها ودمر المدن التي باتت مقاصد جاذبة لسياحة الكوارث، خصوصاً ان السياق ككل يجعل من بينسكي مروجاً لنظام الأسد بوعي كامل لماهيته ككيان إجرامي يمارس إرهاب الدولة ضد شعبه.

إلى ذلك، خصص بينسكي عدة مقاطع لتوثيق الدمار في حمص وحلب بالتحديد، واستضاف فيها شخصيات من الجمعية الفرنسية المتطرفة، من أجل الحديث عن "عودة الحياة لسوريا"، وإعادة الإعمار، وإرهابية المعارضة التي تشرف عليها تركيا كما قال أحد المتحدثين في قلعة حلب. وحتى المدنيون الذين التقاهم بينسكي في دمشق وأماكن أخرى طوال 15 يوماً، رفعوا شعارات النظام وحيوا "سوريا الأسد" وشتموا الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش أمام الكاميرا، وأظهروا الكلمات الروسية التي كتبت على الجدران القديمة، علماً أن التلقين يظهر بوضوح في تلك الفيديوهات للناس من قبل المرافقين الذين أشرفوا على الترجمة وإعطاء التوجيهات أيضاً.

وهذه المشاهد تختلف بشكل جذري عن الفيديوهات التي قدمها مدونون أخرون زاروا سوريا مثل الرحالة البولندية إيفا زو بيك أو حتى الرحالة الصينية وون شان التي احتفى بها الإعلام الرسمي، والتي كانت تحرص على تصدير مفهوم "الحياة الطبيعية" من دون الإشارة للحرب في البلاد بشكل كلي، مع حجب أي مشاهد مؤذية بصرياً مثل الدمار أو النازحين والمشردين ممن أفقدتهم الحرب بيوتهم وبقايا الحواجز الأمنية والفقر والتشرد والنزوح وحتى أزمة المياه والكهرباء.

بعكس ذلك، ابتعد بينسكي عن إنكار الكارثة في البلاد إلى الاستفادة من تلك الكارثة لخلق سياق مضلل وكاذب. فركز على تصوير مشاهد الدمار والموت والتقى مع "ضحايا الإرهاب" وارتكزت مقاطعه على "الحزن" في سوريا الذي سببه الربيع العربي العام 2011 حسب وصفه، بدلاً من قول الحقيقة أو حتى الإشارة للرأي الآخر الذي يتحدث عن جرائم النظام السوري وحلفائه التي أدت للكارثة الإنسانية في البلاد بالدرجة الأولى. وذلك من أجل تقديم الدعاية المطلوبة منه لاحقاً، مع حديثه عن نهوض سوريا من الدمار وإعادة الإعمار وكيف تتحول البلاد إلى "جنة للسياحة"، وكلها مصطلحات تكاد تكون مطابقة لنشرات الإعلام الرسمي، الفرق الوحيد هو أنها تأتي باللغة الإنجليزية وليس بالعربية.



التركيز على فكرة السياحة تحديداً، ليست عبثية، بل باتت في صميم الجهود الروسية/الأسدية التي تروج لوجود نظام مستقر في البلاد أمام الدول الغربية، الأوروبية تحديداً، القادرة على تمويل جهود إعادة الإعمار بوصفها خاتمة للصراع في البلاد وتتويجاً لجهود موسكو التي تدخلت العام 2015 لصالح النظام عسكرياً في وقت كان يتراجع فيه على عدة جبهات، مع الإشارة للصعوبات الاقتصادية التي تمنع حلفاء الأسد، إيران وروسيا، من القيام بتلك المهمة بأنفسهم، في وقت تقوم فيه شركات صينية، بتنسيق رحلات سياحية من أوروبا إلى سوريا، من أجل نفس الغرض الدعائي على ما يبدو، حسبما كشفت صحيفة "غارديان" البريطانية هذا الأسبوع، في وقت تروج فيه الأحزاب اليمينية المتطرفة لنفس الفكرة، ومن ضمنها "حزب البديل لأجل ألمانيا" الذي زار وفد منه، سوريا، للمرة الثانية، من أجل الترويج لفكرة "سوريا الأمنة" تمهيداً لإعادة اللاجئين إليها.

هذا الخليط من تلاقي المصالح بين اليمين المتطرف الأوروبي والنظام السوري بوصفه حارس بوابة بين الشرق والغرب، وروسيا التي تبحث عن نظام عالمي جديد أشبه بالنظام السائد في القرن التاسع عشر، والمدونين اللاهثين وراء المال والنجومية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بات متكرراً ومخيفاً ومثيراً للاشمئزاز في وقت واحد. وتتضافر تلك الجهود من أجل استغلال الديموقراطية الغربية عبر التأثير على اتجاهات الناخبين، بالتوازي مع محاولات ضرب مصداقية أي جهات تحاول تفنيد تلك السرديات المضللة.

ويتوازى ذلك مع حملة شرسة من الإعلام التابع للكرملين ضد مؤسسات حقوقية وإعلامية مرموقة، تبدأ بمنظمة العفو الدولية "أمنستي" و"مراسلون بلا حدود" ولا تنتهي عند "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، حيث كثفت روسيا منذ العام 2017 مقامرتها الدبلوماسية لإعادة صياغة النقاش الإنساني الدولي حول سوريا. ولعل الرد الأمثل والأبسط هو الاحتجاج وتوجيه الرسائل المضادة وفضح المدونين من أمثال بينسكي، وعدم الاستسلام في حرب السرديات، من أجل منع الطرف الذي انتصر في الحرب بسياسة الأرض المحروقة من فرض سرديته المشوهة عن الإرهاب في البلاد فقط.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها