الأربعاء 2022/03/23

آخر تحديث: 13:02 (بيروت)

أروى صالح... الرومانسية المفرطة والعشق وذكورة المثقف اليساري(3)

الأربعاء 2022/03/23 محمد حجيري
أروى صالح... الرومانسية المفرطة والعشق وذكورة المثقف اليساري(3)
المثقف اليساري يبيع الفتاة التي تواعده أحلاماً تقدمية لا تكلفه سوى أرخص بضاعته، الكلام
increase حجم الخط decrease
(*) بعد الجزء الأول، والثاني، هنا الجزء الثالث من مقال ينشر على حلقات، بمناسبة مرور ربع قرن على رحيل الناشطة اليسارية والكاتبة المصرية أروى صالح.

يعيد بعضهم انتحار أروى صالح إلى "رومانسيتها المفرطة"(يوسف شعبان)، و"كان كتابها يتوق أحياناً إلى ما هو غير موجود، يتوق أحياناً إلى وجود مستحيل ونظافة مستحيلة، فيما يكشف عن ذلك الحب السيء، شديد السوء، الذي يفقد المرء معه شهية الحياة"(عبد المنعم رمضان - الطاهرة قرة العين أروي صالح، روز اليوسف، 21/10/ 2010).

وأروى التي سئمت "طعم الحياة" وكانت "قاسية في تصوراتها للنقاء"(نورا ناجي) يشبّهها بعض دارسي سيرتها، بالأديبة مي زيادة. فالأخيرة كانت سابقة لعصرها، وأنشأت صالونها الأدبي في القاهرة، وكانت وحيدة بين زمرة من الرجال المثقّفين، محمود عباس العقاد وطه حسين ومصطفى صادق الرافعي ولطفي السيد وسلامة موسى والشيخ مصطفى عبد الرازق ولي الدين يكن وغيرهم. ولم تكن أفكارها هي التي جذبتهم إليها، أو إلى مجلسها، بقدر ما كان "لطفها وسحر صوتها"، وكلاهما انتهى إلى الاكتئاب والوحدة، رغم حبهما للحياة. فحين مرضت مي زيادة، ورغم الكلام الشاعري الذي سمعته من عباقرة الثقافة، سواء في الرسائل أو في صالونها الأدبي، وجدت نفسها في السنوات الأخيرة من عمرها وحيدة ساعة الشدّة، عندما "خانتها" ظروفها الصحية واقتادها أقاربها، وتحديداً ابن عمها، إلى مستشفى الأمراض العقلية، وتنكّر لها معارفها وصدّقوا ما سمعوه عنها، ومنهم الأديب أمين الريحاني نفسه، غير أنه تمايز عن بقية الأصدقاء في اعترافه بالذنب. يتجلّى ذلك في مستهل كتاب "قصتي مع مي": "قبل ان أبدأ بهذه الصفحة من قصة مي المفجعة، عليّ ان أعترف بذنبي... فقد كنت مقصراً في واجب الزمالة والحب، بل عن واجب الصداقة المقدس. صدّقت ما صدّقه جميع الناس". وبعد سقوط الحلم السياسي والثوري، قررت أروى صالح كشف المجتمع، وكشف نفسها أيضًا، في كتابها "المُبتَسرون"، ليكون إرثًا أو شهادة لأجيال مقبلة، لكن النتيجة كانت أن لفظها الجميع، وأنهت وحدتها بقرار أخير حاسم.

كيتش 
وتعرّي أروى، زمنها الثوري والنضالي، وتحاوره وتفضح "كيتشه الخلاصي" ومسالبه وذكورياته وأبوياته المقنّعة والفجّة وغلاظة بعض أعضائه. تعرّي ذاتها ورومانسيتها ونفسها الشاعرية قبل كل شيء، تسرد ضد النسيان وتقدّم تاريخاً للمشاعر و"العلاقة بين الجسد والذاكرة". ربما أبلغ ما تقوله، مراجعة ميراث الذكورة والأبوية، محاورة ماضيها وسط الجماعة والسياسة والإيديولوجيا، وتشرّح علاقة اليساري أو الشيوعي العاشق أو المثقف بالمرأة الناشطة أو المنضوية في التنظيم السياسي، وما يحمله من شعارات، وما يفعله من ممارسات خصوصاً في مرحلة الحركة الطالبية...



وهذه الحركة التي جلبتْ الكثير من الفتيات في السبعينيات إلى النشاط السياسي الجماهيري، وهي بحسب أروى: "ظاهرة لم تعرفها الأجيال السابقة من اليساريين، ولأول مرة في تاريخ اليسار تظهر إمكانية لتخطي الفصام الذي حكم علاقة اليساريين من الأجيال السابقة بالمرأة، والذي اتخذ أسوأ أشكاله عند جيل الستينيات خاصة، فقد اعتنق هؤلاء مبادئ جديدة حول المرأة لكنهم كانوا يتحركون في وسط تقليدي تماماً، اذ اكتفى نظام عبد الناصر بدعاية رزينة حول دخول المرأة مجال العمل في إطار حلم الصعود الطبقي، إنه وسط يحكم هوية المرأة ويحددها حسب وظيفتها الجنسية في علاقتها بالرجل، فهي إما آنسة أو سيدة أو مطلّقة أو أرملة، عدا ذلك فهي عاهرة". بمعنى آخر أن النظرة إلى المرأة قائمة على التنميط والنمذجة والرجعية المقنعة... ويفسح كتاب "المبتسرون" مكاناً واسعاً لمناقشة مشكلة علاقة الرجال والنساء، وبدقة أكثر علاقة الرجال بالنساء داخل جماعة الطلاب الثوريين ولدى المناضلين السابقين، ويدحض الصورة المثالية الرائجة عن تلك العلاقات، ويظهر مآل الأشخاص الذي يحتفظون بسلوكهم التقليدي. وهذا الأمر بات مألوفاً ومادة دسمة للمسرح والسينما، حتى اللواتي ذهبن "شهيدات" دفاعاً عن الوطن، نكتشف بعد سنوات على رحيلهن، ما فعلته الأحزاب اليسارية بهن في حياتهن.

استغلال جنس
انتقدت أروى بشدّة العلاقات التي كانت قائمة بين الرجال والنساء من الشلل المُثقّفة، فقالت: "إن المثقف في علاقته بالمرأة يسلك كبرجوازي كبير، أي كداعر، ويشعر ويفكِّر نحوها كبرجوازي صغير، أي كمحافظ مفرط في المحافظة". وتبيّن في النهاية أن ما يحصل هو علاقات "استغلال جنس". وإذا كانت علاقات الزواج البرجوازية تسير وفقاً لقانون اقتصاد السوق: "بائع ومشتر، عرض وطلب. الرجل يدفع والمرأة تزوده بالمتعة وتبدد الملل وتلعب دور المسلية والمهرجة"، فلدى المثقف الثوري "تختفي قوانين السوق البرجوازي، لكن يبقى الاستغلال". وهو ينتقل من صورة البيع والشراء إلى "اللعبة الخارجة عن القانون والمسموح فيها بخرق كل المحظورات، والنجاح هو الفاصل الوحيد". وسيناريو علاقة المثقف الثوري بالفتاة البرجوازية المتمرّدة التي يلتقيها في إطار التجربة الثورية: "يلتقي الاثنان في كافتيريا الحرم الجامعي، يتحدث هو عن القيم الزائفة للمجتمع البرجوازي في كل ما يتعلق بالعلاقات الزوجية، لكنه في الحقيقة يسعى إلى "الحبّ الحر" الذي يقدم مجاناً والمنزوع عن أية مسؤولية شخصية، وبالتالي لا يُعاقب. أما فاتورة المسؤولية الشخصية فيسددها طرف واحد دائماً - المرأة التي ينجح المثقفون في الشرق العربي في تحويلها دائماً الى عاهرة". و"الفتاة التي تواعد مثقفاً على اللقاء لا تمني نفسها بنزهة فاخرة، أو حتى غير فاخرة، وإنما تتوجه إلى مقهى كئيب يشتري لها فيه فتاها المثقف كوباً من الشاي المغلي المر، ويبيعها أحلاماً تقدمية لا تكلفه سوى أرخص بضاعته، الكلام. كلام لم يعد يعرف هو نفسه أين استقر موقعه الأخير من روحه". وهذه الإستنتاج، وان كان فيه جانب كبير من الحقيقة، لكن فيه أيضاً نوعاً من التعميم والنمذجة والتنميط عن الصورة السلبية للمرأة اليسارية، فالسياسة القائمة على الحب والجموح في الحب والمثالية، في لحظة السقوط يتعرى كل شيء، حتى الحب يصير زيفاً.

الهاربة من شظايا الأحلام المكسورة
والاستنتاج ذاته يذكرنا بصورة المرأة في وجدان بعض الشعراء العرب الحاليين والتراثيين، فهي مواصفات خيالية لم تمت إلى الواقع بصِلة، والحال أن المفارقة غير المدهشة في علاقة المثقف (المصري) بالمرأة هي في أنه حينما يحلم بها فهو رومانسي لا شفاء له: "فهي في أعماله الأدبية إلهة صغيرة تمسح جراحه، تعوضه عن هزائمه وخيبة أمله، تضمه إليها وتهبه الأمان المفقود. جميلة دائماً، عيناها سوداوان أو عسليتان أو خضراوان، لكنهما دائماً واسعتان، ولها ثديان مستوردان من أوروبا تحديداً... ويعود المثقف ويحاصر المرأة الواقعية بتوقعات وتصنيفات عليها أن تندرج في إحداها. وهذه الرؤية المفرطة في الإدانة، جاءت بناءً على تجربة أروى الشخصية، حيث سقطت في شباك الكلمات المعسولة وتزوجت من شاب يصغرها، وحفلة الزفاف، كما روى مَن حضر الحفلة، اقتصرت على رفقاء النضال، وكان العريس يهرب عند التقاط الصور، ولم يستمر الزواج كثيرًا. فقد كانت أروى في هذا الزواج، كما يقول الشاعر عبد المنعم رمضان، كـ"الهاربة من شظايا الأحلام المكسورة لجيلها، إلى أحلام جيل جديد ظنّت أنه يتمتع بالبراءة، لا بدّ أنها فوجئت بالروح العملية لجيلها الجديد، وبأن قسوة هذه الروح تفوق قسوة الأحلام المكسورة". فهؤلاء اليساريون استقبلوا تجاربهم مع المرحلة في إطار حلم. وليست أروى وحدها هذا المجال، لكنها النموذج. سعت أروى صالح إلى تفكيك المسارات الشخصية لرجال تقمّصوا مبادئ كانت أكبر بكثير من أحجامهم، فقالت عنهم: "المهم أن هؤلاء اليساريين استقبلوا تجاربهم مع المرأة بنفسية الوسط التقليدي الذي صنعهم، لا بمبادئهم، فكانت هذه التجارب خرقًا لمحظورات قديمة لا اختيارًا حرًّا لأخلاقيات جديدة. ومن ثمّ انتهت تجاربهم – المفصولة عن مبادئهم، بل التي تعقدت بها – إما إلى زواج تقليدي أو إلى تجارب في الانحلال تتجاوز مرضيتها ولا أخلاقيتها كل حد، أو إلى الجمع بينهما".

ومن خلال الحديث عن المثقّف-العاشق، أرادت أروى صالح الكشف عن البُعد الأسطوري في تمثّلاته لفكرة المرأة. فدائمًا ما يظل مشدودًا إلى نصفه الأسفل، لذلك تقول أروى عن هؤلاء المثقّفين: "هم الوحيدون القادرون على أن يتكلموا عن أحرّ القضايا وعيونهم على ذلك النصف الأسفل، لكن المجتمع لا يطلب الخجل إلا من النساء".

وكانت علاقة أروى بالشاب بهاء النقاش، الأكثر تعقيداً ودرامية، وهي أهدته كتابها "المبتسرون" وكانت تضع صورته في منزلها. وكتبت أمينة النقاش عن علاقة أروى بشقيقها بهاء، فقالت: "تعرفتُ على أروى فى النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، حين أحبها وهام بها شقيقي الأصغر الفنان بهاء النقاش، المونتير السينمائي وأستاذ المونتاج في المعهد العالي للسينما، وأعلن لنا أنه في الطريق للزواج منها، وطلب منا إخلاء غرفة في منزل الأسرة بشكل مؤقت، لإتمام ذلك، حتى يتسنّى له الحصول على مسكن خاص به، لكن أروى لم تكن تبدو متحمّسة لذلك، فكيف لها أن تفكر في خطة لمستقبل شخصي، وهي المناضلة الشيوعية التي تمتلك شغفاً لا سماء لحدوده بتغيير العالم".

والمشترك بين أروى وبهاء، أنهما كانا "شخصين حالمين، مرهفا الشعور والوجدان يفتقدان للثقة في النفس"، و"كما دخلتْ أروى صالح حياتنا فجأة، اختفت فجأة من منزل الأسرة من دون أن يكشف لنا بهاء سرّ هذا الاختفاء غير المتوقع. إلا أن آثار هذا الاختفاء انعكستْ في حياته الصحيّة والنفسية، ولم يعدْ بهاء النقاش الذي كان دائم الفرح بقصة غرامه، هو نفسه من دون أروى صالح". وتقول أمينة: "حين نجحتُ بعد جهد شاق، في إقناع بهاء في الحكي والفضفضة للتخفف من ألمه، والمشاركة معه في تحمّله، ولتفسير الانفصال الذى تم بينهما، سعياً لبعث الثقة في نفسه من جديد، توقعت أن أسمع منه حكاية من حكايات خيانات العشاق، التي نقرأها في القصص الغرامية الشائعة، ونشاهدها في الأفلام السينمائية الميلودرامية، فنضحك عليها من فرط سذاجتها وأحياناً ركاكتها. لكن حكايته التي رواها لي، لم تكن من ذلك النوع المضحك، فقد آلمتني، وأسالت دموعه بغزارة، وفتحت في قلبه جرحاً نازفاً لم يندمل أبداً، وفشلت كل المحاولات التي قمت بها لدعمه وإخراجه من حالة اختلال التوازن التي غدت تحاصره وتشل عقله وتسمم روحه"، و"رغم أنه كان شاباً وسيماً ورشيقاً، بدأ يفقد وزنه بشكل مثير للقلق، وانتابته حالات اكتئاب متفاوتة الشدة واللين، وثورات توتر وعصبية يفقد خلالها القدرة على السيطرة عليها، وترك نفسه نهباً لعلاقات نسائية لا اختيار له فيها، اتّسم معظمها بطابع المغامرة والتخبط، أكثر مما كانت تعبر عن مشاعر حب حقيقية، قادته إحداها لأن يفقد حياته في حادث سيارة عبثي، وهو لم يبلغ الثلاثين من عمره في صيف 1981"...

اعتذار لم يصل
وتصف أمينة النقاش أحوال أروى في سنواتها الأخيرة. تقول: "كان المبنى الذى تصدر منه مجلة "اليسار" التي أسسها الراحل حسين عبد الرازق في بدايات العقد التاسع من القرن الماضي، مواجهاً للمنزل التي تقطنه أروى صالح في ميدان الملكة زبيدة بمدينة الطلبة بالصحافيين. وكانت تلك المصادفة الجغرافية البحتة، التي قاربت بين المكتب الذي كنت أعمل فيه آنذاك، وبين المنزل الذى تقطنه، سبباً في لقائي الأول بأروى بعد سنوات الاختفاء والرحيل... لم أشعر حيالها بأية مشاعر سلبية، تبين لي لحظتها أنني ما زلت أحتفظ لها بإعجاب بحيويتها الفكرية ونضارة عقلها ورقة حضورها. ارتمت أروى بفرح طفولي في حضني، وجذبتي من يدى بإصرار للصعود معها إلى شقتها التي باتت تقطنها وحيدة بعد موت أبويها. وفى داخل الشقة، أدركت من دون كلام أو شرح أو تفسير، حجم التعاسة التي غدت تخيم على حياتها، والوحدة التي لم يستطع ثراء عقلها وثقافتها وذكائها أن تبعد مخالبها عن روحها، والعمل التي ما أن تستقر في أحد مكاتبه بحثاً عن لقمة العيش، حتى تغادره فصلاً أو مللاً من أجوائه ومن خوائه ولا جدواه!".

"اعتذار أروى صالح لم يصل إلى صاحبه"... هذا هو العنوان الذي اختاره طارق الطاهر رئيس تحرير "أخبار الأدب"، للشهادة التي كتبتها أمينة النقاش حول قصة الحب المأسوية بين أروى وبهاء: "مات الشاب في حادث سيارة بعد أعوام على فشل علاقته بفتاته، ثم ماتت الفتاة منتحرة بعد اكتئاب عميق أظنه لم يكن بعيداً ـ أي الاكتئاب ـ عن إحساس عميق بالذنب عبّرت عنه أروى بإهداء كتابها عن تجربة العمل السياسي، وكان باسم "المبتسرون" إلى بهاء النقاش الذي وصفته بالفتى"...
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها