آخر تحديث:12:58(بيروت)
الجمعة 02/07/2021
share

"سمٌّ في الهواء" لجبور الدويهيّ...قصيدة عبر عَقد السيرة الذاتيّة

جان هاشم | الجمعة 02/07/2021
شارك المقال :
"سمٌّ في الهواء" لجبور الدويهيّ...قصيدة عبر عَقد السيرة الذاتيّة رواية الشخصيّة الواحدة المتطوّرة بتفاعلاتها ومصيرها
"سمٌّ في الهواء"(*) الرواية العاشرة لجبور الدويهيّ، "روائيّ الحياة اللبنانيّة" كما صُنّف بأدبه في المجلَّد الرابع عشر من سلسلة "أسماء علَم" التي تصدرها الجامعة الأنطونيّة، وهو فعلاً لا يخرج فيها عن هذا المسار الذي طبع أدبه. وإن كان في رواياته السابقة قد احتجب وراء شخصيّاته ليعبّر عن رؤيته إلى هذه الحياة اللبنانيّة بمختلف وجوهها، فإنّه في روايته هذه ترك لبطله، الراوي، أن ينخرط في سرد الأحداث انطلاقاً من ذاته ومن منظوره. فهو للمرة الثانيّة، بعد روايته الأولى اعتدال الخريف يعتمد أسلوب الراوي المتكلّم، الأنا الراوية الطاغية المعنيّة الأولى والأخيرة في حبكة الرواية.

عشرة عناوين لعشرة فصول تختصر مسار الراوي البطل منذ خروجه من بلدته حتّى عزلته الأخيرة في قرية مشرفة على العاصمة بيروت، وتتوالى فيها الأحداث والحالات التي كوّنت شخصيّته أو جعلتها تتكشّف على حقيقتها، تتعرّى أمام ناظريه أوّلاً ثمّ في نظر القارئ وصولاً إلى مآلها النهائيّ.

"سفر الخروج" عنوان الفصل الأوّل، لا يخرج بمدلوله عمّا هو في التوراة، من بداية مرحلة من الترحال والتجوّل، مرحلة "التيه" التي ستقود الراوي البطل في تحوّلات ومآلات يكتشف فيها نفسه والعالم. من مسقط رأسه حيث انطبعت شخصيّته بما عاشه في محيطه الضيّق، الأهل والأقارب، وبالأحداث والمشاكل الداخليّة في بلدته التي أدّت في النهاية إلى ارتحال العائلة للمرة الأولى، من حيّ إلى آخر، ثمّ إلى بلدة جبليّة حيث عرف "مراس الحبّ والكتابة"، (عنوان الفصل الثاني) قبل أن تنتقل العائلة إلى بيروت حيث تفاعل مع ما انفتح له من "قمقم المدينة" (عنوان الفصل الثالث)، حيث "الإبيفانومانEpiphenomène" (الفصل الرابع) أي الأحداث الثانويّة الطارئة والمؤثّرة في المسارات الأساسيّة تدفع إلى انتقال جديد نحو المنطقة الشرقيّة من بيروت إبّان الحرب الأهليّة، وهناك أعادته عزلته القسريّة إلى ذاته فيغوض فيها ويرى نفسه على رأس موكب من كلّ من ساهموا في تركيب شخصيّته ممّن يسمّيهم "أشباحي الأليفة" (الفصل الخامس) مؤلّفي الكتب التي غذّت فكره وروحه، وأفراد العائلة الذين ورث عنهم مزاجاً أو "لوثةً" ما. يترك أهله والبيت وينتقل للعيش وحده في أحد فنادق العاصمة البسيطة، غريباً بين أناس يجهلهم ويجهلونه، وينفتح أمامنا "فصل النساء" (الفصل السادس) وهو يروي ما جرى له من مغامرات مع النساء. ينتهي به الأمر مطروداً من الفندق بعد استياء صاحبه من مغامرته مع زوجته لينتقل إلى حياة جديدة في منزل مستقلّ مع معلمة الفلسفة التي تزوّجها بعد أن تحوّل إلى "الأشوريّ المؤقّت" (الفصل السابع)، هذا المذهب الذي اعتنقه مؤقّتاً ليتمكّن من الزواج بها، هي الشيعيّة، بعد تعذّر عقد قرانهما عند أي من طائفتيهما. انتقالٌ آخر مهمّ ولافت يحدث في حياته، إثر دخوله السجن حيث أمضى ما يزيد عن السنتين بعد ضربه زوجته وكسره يدها واتّهامه بمحاولة قتلها، ويبدو أنّه دخل السجن طوعاً "سجيناً متطوّعاً"، راضياً بمصيره، وفيه يصاب بتلك "السويداء" (الفصل الثامن) فيبدو مستخفّاً بكل ما في العالم الخارجيّ، بماضيه كما بمستقبله، ويبني علاقات إنسانيّة مع السجناء ويخرج منه بصداقة تركت أثرها في نفسه لاحقاً. بعد خروجه من السجن يجد نفسه وحيداً بعد غياب آخر أصدقائه ورفاقه في الحياة، ابن خالته أسود البشرة الذي عاد إلى إفريقيا، وصديقه السوري الكرديّ الآتي من سوريا وقد تعرّف به في السجن، وكان الراوي قد ساعدهما كليهما ماديّاً ومعنويّاً، غادر كلّ منهما إلى البلد الذي أتى منه "ياماسوكرو وتلّ الذهب" (الفصل التاسع)، إلا أنّه يكتشف أنّ كليهما لقي مصيراً مأساوياً، الأوّل يخطف ويختفي، والثاني يموت غرقاً في محاولة هجرة غير شرعيّة إلى أوروبا. يقرّر هجر المدينة وضواحيها، ويفتّش عن بيت معزول في قرية مشرفة على بيروت، حيث يدخل في عزلة طوعيّة وكلّية منقطعاً عن العالم، وينساق وراء تخيّلاته وأوهامه وهو يتأمّل من نافذته، على حافّة سطح مقابل الصراعات اليوميّة بين "الهرّ والحمام" (الفصل العاشر)، الهرّ البرّي، وحده روح الشرّ، والحمام المهاجر الساعي إلى ملاذٍ آمن بعيداً من شرّه، تماماً مثل البطل الراوي الساعي إلى خلاصٍ في العزلة والغياب من أعباء هذا العالم.

الخط السرديّ
هذه العناوين شكّلت بوضوح معالم واضحة ومعبّرة على الخطّ السرديّ الذاهب في اتّجاه واحد متكثّف حول شخصيّة البطل الواحد، الراوي، في تفاعلاته وانكشافاته أمام ذاته، وذاته فقط، هو الذي لا يعبأ، على مدار الرواية بنظرة الآخرين إليه في ما يبدر عنه من تصرّفات غريبة وخارجة عن المألوف. وفي هذا المسار السرديّ تتكوّن أمامنا شخصيّته بما ورثت وبما اكتسبت. ما ورثه، هو ما كانت أمّه تخاف عليه منه، "لوثة" الاختلال التي يبدو أنّها قائمة في جينات آل الصبّاغ وهي منهم. وتبدو هذه اللوثة مقترنة بالعلم والأدب والإغراء والمغامرات الغريبة، من العمّة، حافظة الأشعار، التي أَثْرت من زيجاتها المتعددة في هجراتها، إلى خالته التي هربت مع رجل متزوج وله ابنة إلى افريقيا حيث أنجبت ولداً أسود البشرة، الدليل الدامغ على خيانة أكيدة، إلى جارهم ونسيبهم أستاذ الرياضيّات، والمتعمّق في دراسة تاريخ الفينيقيّين، الذي تعب من النظر إلى نفسه في المرايا في منزله فحطّمها كلّها في لحظة جنون، وانتهى به الأمر في المصح العقليّ. "العلم لا تحمله كلّ الرؤوس" سمعها الراوي بعد حادثة الأستاذ، في حديث بين جارهم وزوجته وهو يذكّرها بأشخاصٍ "أكثروا من الدراسة فاضطرب سلكوهم"، لتجيبه: "وما خصّ العلم؟ هذا أمّه من آل الصبّاغ". ذاكرة "سلسلة من أسماء أناس غريبي الأطوار أو حتّى مختلّين عقليّاً، ينتسبون جميعاً عن طريق الأب أو الأم إلى آل الصبّاغ".

"أمّي من آل الصبّاغ"
يفردها الدويهيّ على سطرٍ وحدها. وأياً يكن، يبدو بطله مهيّئاً لغرابة الأطوار من الناحيتين، الوراثة والعلم على حدٍّ سواء، وهو ما تجلّى في سلوكه الخارج عن المألوف طوال حياته. في صغره اكتسب روح التحدّي، "العين بالعين" يتواجه بها الأولاد في انتظار من ترفّ عينه أوّلاً فيخسر، ثمّ التعامل مع المخاطر إذ عاش منذ تفتّحه على الحياة أجواء المشاكل الداخليّة في بلدته والتنقلات- الهجرات المتتالية، ثمّ القسوة من مراقبة اللحامين ينحرون الذبائح ويسلخونها حتى صار ملمّاً بتفاصيلها، ثمّ الجرأة عبر التطوّع للمشاركة والمساعدة في غسل القتلى ومراقبتهم في جمودهم وتيبّسهم، وأخيراً روح المغامرة في العلاقات بالنساء في خلال إقامته في القرية الجرديّة، عبر علاقته بالصبيّتين التوأمين حيث خلت لهم الأجواء في المنزل الجبليّ.

التحدّي والمخاطرة والقسوة والجرأة وحبّ المغامرة، إضافة إلى الاستعداد الطبيعي وغرابة الأطوار، إضافة إلى العلم والتحصيل الجامعي ومحاولات الكتابة والتأليف كلها صفات وعوامل هيّأته لخوض مغامراته النضاليّة الكبرى في بيروت، والذهاب بها إلى حدّ التطرف الجنونيّ. شعر بالحرّية منذ خرج من بلدته للمرة الأولى، وفي بيروت أطلق العنان لهذه الحريّة، فسار بطروحات التروتسكيّين، وانساق معهم في نضالهم من أجل القضيّة الفلسطينيّة، تدرّب على السلاح والقتال، وذهب سرّاً إلى غور الأدرن للمشاركة في عمليّات ضدّ العدو الإسرائيليّ، وبسبب انتمائه الدينيّ لم يثق فيه القائد الفلسطينيّ، أخبره عن جرأته وأصرّ على المشاركة في عمليّة على الحدود، عاد منها مصاباً بالإسهال بسبب تناوله سرديناً فاسداً، فاتُّهم بالجبن ورُفض طلبه الانضمام إلى الكفاح المسلّح فعاد إلى بيروت خائباً، بعد أن حدِّد له موقع في الطرف الآخر المعادي، تماماً كما حدث لاحقاً على المعبر حيث طلب إليه العودة إلى حيث ينتمي من حيث لا يريد. مع التروتسكيّين ظنّ ان بإمكانهم "تغيير العالم" فشارك في محاولات اغتيال باءت بالفشل، وتصرّف "كالذئاب المنفردة" عاملاً على إلحاق الأذى بممتلكات الرأسماليّين... في النهاية، تشتت التروتسكيّون، على ضآلة عددهم، وانخرط بعضهم في النظام القائم، وتبدّد معه الحلم بإعادة بناء العالم. انتهى النضال بالهراء، كما القتال في غور الأردن.



تشتدّ عنده النزعة الاستقلاليّة، نافراً من تصرّفات أبيه، الشيوعيّ الساعي إلى مغامراته النسائيّة المستجدّة، ومشفقاً على والدته التي بدأت تصاب بالخرف. يصرّ على العودة إلى بيروت الغربيّة، يواجه المسلّحين على معبر المتحف، يعاند ويتحدّى، تُطلق عليه النار ويصاب برجله، ويحمل العصا لا يتخلّى عنها حتى بعدما شُفي، لتضيف إليه مظهراً غريباً ثابر عليه. وفي نوع من التحدّي يتوصّل إلى إقامة علاقة بمدرّسة الفلسفة الشيعيّة المتمنِّعة عن الرجال، ويتّفق معها على الزواج، زواج انتهى بكارثة. أساس الخلافات بينهما، غير الخيانة التي اكتشفها، كان على تأثيث المنزل وتزيينه، كأنّه بذلك أراد القول باستحالة التعايش بين الطوائف مهما حاولنا كسر الحواجز والقفز فوق المعوّقات الدينيّة المرسومة والمترسِّخة. تحطّم له مجسّم بلدته الذي بناه بعناية ونصبه في الصالون مخالفاً الاتفاق بينهما، فيردّ بضربها بالعصا وكسر يدها. هو ينتهي إلى السجن بتهمة محاولة القتل، وهي تعود إلى الالتزام بطقوس طائفتها ومشاريعهم، قبل أن تنقلب كلّياً وتهاجر إلى ألمانيا.

في السجن تنتابه السويداء، وعند خروجه يكون قد قرّر التخلّي عن كل ممتلكاته، من كتب غذّت فكره ومن مقتنيات صغيرة. يتلقّى هديّة، حقيبة، تركها له قبل انتحاره، صديق له توثّقت علاقته به في فندق بيريت-سور-مير، وفيها بندقية قنّاصة مع كاتم صوت ومنظار، سيستعملها في إطلاق الرصاص على السيارات من مسكنه الجديد، ليُتمّ ذلك بإطلاق رصاصة على صهريج محروقات، الخزّان أوّلاً، ثم الإطار، فتنحرف مشتعلة ويقع مشهد يفوق التصوّر. بدأ يخرج ما في داخله، اللوثة، محقّقاً بذلك ما كتبته أمّه في إنجيلها وما توقّعته وخافت منه: ""الميل إلى الخراب لا يأتي ممّا يحدث معنا في يوميّات الحياة، بل ممّا نحمله في داخلنا ولا نعرف متى يخرج إلى العلن ولا يمككنا التحكّم به". كان ذلك آخر ما حدث له قبل انقطاعه عن العالم في عزلته الجبليّة وانحباسه في منزله، ممارساً طقوساً غريبة، ومُحرقاً كتبه عن آخرها ليبقى منصتاً فقط لصوته وحده "صوت لا يتغذّى من أقلام كتّاب عباقرة وأصحاب مشاعر متّقدة بل من نفسي المهدّدة بالنضوب".

وليتمّ كلّ شيء، شهد الراوي البطل الانفجار الأبوكاليبتي في مرفأ مدينة بيروت، وقف يتفرّج على "الفطر" الهائل فوق المدينة، بالألوان المتدرّجة السميكة، "تجمّع للسموم بدت معه المدينة كأنّها تلفظ كلّ ما في أحشائها إلى الخارج". لن يسعى لمعرفة ما حدث، "فهو مصير مكتوب ليس في مقدوري أن أغيّر فيه شيئاً". وعاد إليه خوف أمّه من العمر وهو طفل كبير "يحاول بإصرار النزول من القطار، يستغيث ولا مَنْ يجيب". سيلازم عزلته وعندما يفتحون عليه الباب لن يجدوا أحداً.

لا يخفى أنّ سيرة البطل هنا هي سيرة كلّ الشباب الذين عاشوا الفترة النضاليّة في بيروت الستينات والسبعينات، والذين راودتهم فكرة التغيير والثورة، وبذلوا كلّ ما بوسعهم في سبيل ذلك، حتى الاستعداد للقتال والاستشهاد، سواء ضد العدو الاسرائيليّ أو ضدّ الطبقة الرأسمالية والحاكمة، في ترجمة واضحة لصراع الطبقات، ثمّ استكملوا نضالهم هذا بنضال آخر سلميّ عبر الكتابة والتأليف (صحافة وشعر ورواية، والدويهيّ واحد منهم). رأى البطل-الراوي أنّ كل تلك الأحلام الكبيرة، والطوباويّة الساذجة، والاندفاع المتهوّر أحياناً، الذي يلامس الجنون أو يتطلّب جنوناً للقيام به، كلّها باءت بالفشل، وليست هي سوى حالات وأعمال عبثيّة مجانيّة لا تفضي إلى نتيجة ولا تغيّر شيئاً في عبثيّة القدر. وبدلاً من إخراج العالم من بؤسه يقرّر البطل الخروج من هذا العالم على طريقته، "فلا ثأر ولا من يثأرون، فقط النجاة من هذا الخراب".

"سمٌّ في الهواء" رواية الشخصيّة الواحدة، المتطوّرة بتفاعلاتها ومصيرها، في خطّ سرديّ تصاعديّ عبر محيط من الشخصيّات الثانوية، والظروف الحاضنة، التي كوّنتها وصنعت قراراتها وقادتها في تحوّلاتها ومصيرها. وظّف الدويهيّ فيها أسلوب السيرة الذاتيّة، باعتماده ضمير المتكلّم، كفنّ روائيّ مساعد بالتأكيد على بلورة الشخصيّة الرئيسة في الرواية، إنما وبالأساس على إيضاح نظرة الكاتب-الروائي نفسه إلى ذاته وإلى العالم. باعتماده هذا الأسلوب عرف الدويهيّ كيف يماهي بينه وبين شخصيّته، كأنّه يقول "هذا أنا ولست أنا"! لكن المطّلع على أدب جبور الدويهيّ يلحظ في روايته هذه إشارات واضحة وجليّة إلى سيرته وأدبه. ففي البطل ملامح كثيرة من شخصيّة الروائيّ، هو الجامعيّ، المنتقل من بلدته الريفيّة إلى الجامعة في بيروت، أستاذ اللغة الفرنسيّة، المثقَّقف الثائر الساعي في مرحلة ما إلى تغيير العالم، القارئ النهِم والكاتب الأديب المتأثّر والسائر على خطى أعلام الأدب، كما تخلّلت الرواية إشارات خفيّة إلى مشاهد أو شخصيّات أو حالات من رواياته السابقة، مثل أجواء الاقتتال الداخليّ في بلدته (مطر حزيران) والأب الغائب الساهي عن شؤون وشجون عيلته (ريّاً النهر) والشاب المنعزل في علّية بيته (عين وردة) والمواطن الضعيف الضائع ضحيّة خطوط التماس (ناظم في "شريد المنازل").

هذه المماهاة بين الراوي البطل، وبين الكاتب الروائيّ نفسه، هي حقيقة في جوهر فنّ السيرة الذاتيّة كما شرحها فيليب لوجون (Philippe Lejeune) في مؤلَّفه "عَقد السيرة الذاتيّة" (Le pacte autobiographique)، إذ يرى أنّها تتجاوز التخييل الروائيّ إلى الإغراق في الاستيهامات (وما أكثرها في رواية الدويهيّ) التي تكشف عن الفرد، وهو ما نلحظه بقوّة في رواية سمّ في الهواء. يقول لوجون: "في فنّ السيرة الذاتية يُدعى القارئ حقيقة إلى قراءة الروايات لا فقط كأعمال تخييليّة تحيل إلى حقيقة ما في الطبيعة البشريّة، بل أكثر كاستيهامات (فانتاسمات) تكشف عن الفرد. وعليه أن يفهم بالإجمال أن كلّ "تخييل" هو في الحقيقة سيرة ذاتية صادرة من اللاوعي". ويلفت لوجون إلى أنّ "معتمدي هذا العقد لا يهدفون فعلاً إلى التقليل من قيمة خيار السيرة الذاتيّة وهم يطبّقونه بأنفسهم، بل بالعكس هم يسعون إلى التوسّع فيه فاتحين عبر السيرة الذاتيّة مجالاً لقراءة كلّ أعمالهم". وعليه يمكن القول إنّ بطل الرواية أراد القول هذا أنا، بطبيعتي وطموحي وأدبي وأحلامي، سعيت عمليّاً وكتابةً إلى "إعادة تكوين العالم من شظاياه"، حاولت وعجزت، وها أنا أعمل على "تجريد نفسي من كلّ دخيلٍ عليها"، وأراني أنسحب من معركتي وألقي سلاحي فالـ"مصير مكتوب ليس في مقدوري أن أغيّر فيه شيئاً". فهل باعتماده فنّ السيرة الذاتيّة أراد جبور الدويهيّ من بطله أن ينطق باسمه؟ على الأرجح!

وعلى الأرجح أنّ الدويهيّ تخطّى البعد المحلّي في عمله، ليتعمَّق في البعد الإنساني الشامل متسائلاً عن جدوى الثورة ودور الكتابة إذ يحيل إلى الراويات العالمية وأبطالها السائرين حثيثاً إلى موتهم أو انتحارهم، وهو ما يتّخذ منه بطله موقفاً صريحاً عندما يقرّر التخلص من كتبه التي نهل منها وأثّرت في بناء شخصيّته لردح من الزمن، فيحرقها واحداً واحداً في مشهدٍ لافت ومؤثّر في نهاية الرواية.

في ذلك كله، لا يتخلّى الدويهيّ عن أسلوبه السرديّ المعهود، عبارة بسيطة منسابة، بعيدة عن التعقيد والزخرف، مقتضبة ومكثّفة تهمل الإطناب والتشريح تماشياً مع تخلّيه عن التحليل والتفسير والتبرير، يترك فيها للقارئ أن يقرأ ما وراء السطور، كما في هذه اللفتات أو الإلماعات التي يرميها عفويّاً وعابرة في سياق سرده فاتحاً فيها المجال لخيال القارئ أن يكملها أو يتوسَّع فيها، إذ نلمس أن في كلّ منها حكاية أو رواية يمكن روايتها بشكل مستقلّ. نلمس ذلك في وصفه العابر لبيوت بيروت القديمة التي هي "على طريق الانقراض تعيش حياة صامتة لها قواعدها اليوميّة الصارمة من زمان طويل"، أو في قوله "الفصول تتعاقب والمدينة تتستَّر على ألغازها"، أو في كلامه على رفيقه التروتسكي ليون "الشهيد الأوّل والأخير"، مع ما تحلمه هذه العبارة من تهكّم أو إحساس بمجانيّة النضال وعدم فعاليّة القائمين به، أو في تلميحه إلى معتقدات الجماعات الدينيّة وإيمانهم الساذج البسيط في عبارة تحمل بحدّ ذاتها تاريخاً دينيّاً وجماعاتيّاً "ومنهم راهب كان يغسل شاله ثم يرميه على شعاع الشمس كي يجفّ". أضف إلى ذلك العبارات المجازيّة الخاطفة التي يقصد بها تهكّماً أو نقلاً دقيقاً لعفوية وبراءة ما يفلت عن ألسنة الناس، كما عندما وصف خيبته من مغامرته في الأردن إذ عاد "وذيله بين رجليه"، أو في تصوير طبيعة المصرفيّ بالقول "تزوّج المصرف"، أو عند محاولة إحياء علاقته القديمة مع شقيقة من تمرّس بالحب والجنس على يدها فيجد المحاولة مثل "الأكلة المسخنة"، وفي اختصاره كل شخصية صاحبة الفندق المتعطّشة إلى الرجال بعبارة "تمرّي جمالها في عيون الزبائن"، وكما في حكمه على الجَمْعة التي التقت في عرسه من مختلف الطوائف إذ يرى فيها "خلطة فريدة" مع ما توحي به من إشارة إلى تركيبة البلد. كثيرة هي هذه العبارات التي لا يتوخّى فيها الدويهيّ الجماليّة لذاتها بل لمعنى أبعد وأعمق وأشمل يرمي إليه من ورائها.

طوطم
ثابتة أخرى في روايات جبور الدويهيّ تعاودنا هنا وهي الوجود الدائم لغرض ما، رمزٍ أو "طوطم" إذا جاز التعبير، يتعلّق به أبطاله ويلازمهم طوال الرواية وهي هنا الصورة الفوتوغرافية مع عمّته وفي خلفيّتها صورة معلّقة للجنرال ديغول، بها تنفتح الرواية وبها يتمسكّ البطل ويحافظ عليها في كلّ تنقلاته، كما نجد البوصلة التي أهداه إياها بحار من أقربائه، يتخلّى عنها في النهاية عندما يقرّر الإقلاع عن تحديد اتّجاهاته، في الحياة طبعاً وليس جغرافيّاً.

ليس السمّ في الهواء في رواية جبور الدويهيّ سمّاً عابراً على غرار ذاك المُشبَّه به في حالات الجوائح والأوبئة، أو الظروف الخبيثة والضاغطة المهيّئة للحروب أو الكوارث. هو بالأحرى كما يبدو في الرواية، سمّ متأصل في أعماق الذات البشريّة وفي تركيبة المجتمع الإنسانيّ يفتك أوّل ما يفتك بمن يسعى ويكافح للقضاء عليه.

إذا كان الفنّ الروائيّ في العصور الحديثة قد ناب عن الشعر إلى حدّ كبير، فرواية سمٌّ في الهواء قصيدة مطوّلة أخرج فيها جبور الدويهيّ مكنوناته وعبّر عن وجدان فائر وصادق في نظرته إلى محيطه والعالم وتفاعله معهما في تجربتيه الإنسانيّة والأدبيّة على حدٍّ سواء.

(*) جبّور الدويهيّ، سمٌّ في الهواء، دار الساقي، بيروت، 2021.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها