آخر تحديث:12:48(بيروت)
الأربعاء 21/04/2021
share

عن ثقافة التبعيث التي أنتجت صدام حسين

محمد حجيري | الأربعاء 21/04/2021
شارك المقال :
عن ثقافة التبعيث التي أنتجت صدام حسين
من يراقب مسار بلدان الشرق الأوسط، يلاحظ أنها عاشت وتعيش موجات من المصطلحات، كلها تصب في خانة التغيير السياسي أو الانتداب أو الاستعمار أو الاحتلال أو الهيمنة، من أبرز الألفاظ "التتريك" و"التغريب" و"التهويد"، و"الأيرنة" و"التعريب"، الخ، وكل موجة كانت تنتج تصدعات أو تحولات أو ثقافات... وفي كتابه "تبعيث العراق/ شمولية صدام حسين"(يصدر قريباً عن منشورات الجمل)، يعود آرون أ‍م. فاوست، إلى الأرشيف المركزي لحزب البعث العراقي، ليستخلص من سجلّاته وثائق عن "النهج" الذي اتّبعه الحزب لفرض سيطرته و"رؤيته" على البلاد، وعن أسلوب حكمه للعراق، والذي يصفه المؤلّف بعبارة "الترغيب والترهيب". فاوست يضع طريقة حكم البعث للعراق بين الأنظمة الشمولية التي شهدها القرن العشرين. تتفحص دراسة فاوست بشكل خاص، أرشيف "القيادة القُطرية" البعثية – الصدّامية، وهو الارشيف الذي اكتشفه الباحث كنعان مكية، وسعى الى توثيقه وتفحصه ودرسه في "مؤسسة ذاكرة العراق"، على مدى أربع سنوات، إلا أن ظروف الحرب جعلت موظفي المؤسسة يخافون على سلامة أرشيف، فقامت إدارة المؤسسة بين عامي 2006-2007 بإجراء ترتيبات مع الحكومة الأميركية لنقل ممتلكات المؤسسة إلى الولايات المتحدة لدراستها وحمايتها.

يتعلق القسم الأكبر من أرشيف القيادة القُطرية بشؤون الحزب بشكل مباشر، وبكل شيء في العراق من القضاء الى الثقافة والإعلام، وهي تشكل مفاتيح لدراسة من مختلف الجوانب، وظل غيابها على مدى سنوات عائقاً أمام أي دراسة جديرة، وقبل أن تفتح أرشيفات "القيادة القُطرية" فإن الباحثين في موضوع العراق البعثي، والذين كانوا يقومون بعملهم عادة من دون الدخول إلى البلاد، وبالتأكيد من دون إمكانية الوصول إلى الملفات الرسمية أو الداخلية المتعلقة بالبعث، كانوا يستخدمون بعض المراجع، ولكن، وبسبب المسافة بينهم وبين مصادرهم وبين الموضوعات التي يتناولونها، فإن استنتاجاتهم لا يمكنها أن تغوص أبعد من عُمق معين مع درجة معقولة من الدقة. 



تقوم دراسة فاوست على أعمال باحثين مثل: أماتزيا بارام، أوفرا بينجيو، تشارلز تريب، كنعان مكية، ماريون فاروق سلوغليت، بيتر سلوغليت، عصام الخفاجي، فالح عبد الجبار، وآخرون. وجزء من غايتها تقييم نتائج هؤلاء الكتّاب، اعتماداً على المعلومات الجديدة التي يحويها أرشيف القيادة القُطرية، ويفند الباحث المنهجية التي اتبعها في قراءة او الاطلاع على آلاف الوثائق في أرشيف قيادة "البعث"، والصعوبات التي واجهها في ارشيف يتضمن تشعبات وسقطات وثغرات....

غرس الولاء
يفتتح الكتاب بحادثة وقعت العام 1984 عندما قام أب "بإطلاق النار على ابنه وقتله وهو نائم" لأنه فرّ من خدمة الجيش الصدّامي، واعتبرت الحادثة "المثال الفريد الرائع عن إخلاص العراقيين للرئيس". عفا حسين عن الرجل قاتل ابنه، كاتباً تعليماته بالحبر الأخضر على الحاشية اليمينية السفلى، ومنحه ميدالية، وجعل الحادثة تُضم إلى الوثائق الرسمية والأفلام حول الحرب العراقية الإيرانية. يدرج أرشيف القيادة القُطرية قصصاً عن بعثيين سلموا أقاربهم بسبب انضمامهم إلى حركات معارضة، وعن أصدقاء أبلغوا عن رفاقهم بسبب تعليقات قيلت في جلسات خاصة، وذلك كله في خانة "غرس الولاء". ومع أننا كثيراً ما نتحدث اليوم عن طغيان صدّام وبطشه، لكن في الوقائع، أظهرت إحصائيات أرشيف القيادة القُطرية في 1986، أن عدد أعضاء الحزب قد نما إلى مليون و600 ألف شخص من كل مستويات عضوية الحزب؛ وبحلول العام 2002، احتوت هذه الإحصائيات على أربعة ملايين، أو ما يقارب 16% من مجموع عدد السكان. ويسأل المؤلف: لماذا يشارك الملايين من العراقيين في حكومة صدّام، ويسايرونه في سياساته الاجتماعية؟ كيف قام صدام وحزب البعث بغرس هذا الولاء في مواطنيهم؟  



في تحليل العراق البعثي، ركزت أدبيات سائدة كثيرة على ما سمّته ماريون فاروق-سلوغليت، وبيتر سلوغليت، ب‍‍ِ‍‍ـ"سياسات شخصية للغاية" لظهور صدام كرجل العراق القوي بعد نجاح انقلاب البعث في العام 1968 واستيلائه على الرئاسة العام 1979. وكما أسهب أماتزيا بارام وأوفرا بينجيو، فإن صدام قام بإنشاء ورعاية دائرة داخلية مخلصة ونخبة سياسية واقتصادية، معتمداً على تفرغات حزبية طويلة الأمد وولاءات تقليدية للعائلة والفخذ والعشيرة والدين. الروابط المتوارثة في هذه التحالفات "البدائية"، مجتمعة مع ميل صدام لخلط وتغيير مناصب كبار المسؤولين إلى داخل وخارج السلطة، مكنته من تعزيز السيطرة على الركائز الأساسية لنظامه: المخابرات، حزب البعث، الجيش، وصناعة النفط. وتحتوي البعثية الصدامية على خليط من الدوافع الإيديولوجية والفردية مستمدة من اليوتوبيا والتطلعات الشمولية للفكرة البعثية التقليدية والضرورات الأنانية والبراغماتية التي يحتاجها صدام والنخبة البعثية لكي يحتفظوا بسلطة ضمن سياق التاريخ والثقافة العراقية الحديثة.

وكما مع بقية الأنظمة الشمولية في التاريخ (الستالينية والهتلرية والخمينية)، كان هدف "البعث العراقي" هو خلق "الإنسان الجديد" في "المجتمع الجديد"، لتحويل طبيعة البشر من أجل تحسين حظوظ شخص صدّام؛ الذي خلال رئاسته قامت آلة دعاية الحزب بصهر هذه العناصر الثلاثة: القائد، والحزب، والأمة. وذلك في مركب رمزي-أسطوري واحد يمثل الوطنية العراقية والهوية القومية. على أن البعثية الصدّامية أخذت الأدوار التقليدية للقانون والدين والثقافة كمصادر للمبادئ القانونية والأخلاقية والمعيارية في المجتمع. على هذا الأساس فقد كانت الإيديولوجية مركزية لاستمرار صدام. عندما قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بإزالة هيكل العراق البعثي الخارجي في العام 2003، تفتت العراق. تظهر وثائق أرشيف القيادة القُطرية أن "التبعيث" دمّر أو أضعف إلى حد كبير معظم مؤسسات عراق ما قبل 1968، أي المدنية والاجتماعية والعائلية ونظم القيم، وحوّلها أو استبدلها بالنسخ البعثية الصدّامية. بالإضافة إلى تجريد الدولة من الخبرة واليد العاملة، أزال "اجتثاث البعث" أسس مجتمع معتاد منذ 35 سنة على أن تدار وفقاً للبعثية، ولمدة 23 سنة، للبعثية الصدّامية. على إن "التدابير والأساليب" التي استخدمها صدام لبعثنة البلاد يمكن التماسها تحت أربعة عناوين عامة: الإيديولوجية، التنظيم، الترهيب، الترغيب. واللغة التي استخدمها كاتبو أرشيف القيادة القُطرية تدل على أن صدام حسين و"البعث" يرون أنفسهم من خلال مفاهيم شبه دينية، كمبشرين قوميين أرسلوا لإنقاذ الشعوب العربية والشعب العراقي عن طريق التبشير بإيمانهم بالبعثية الصدامية إلى الجماهير. وبما أن "البعث" يعتقد أنه يحتكر الحقيقة التاريخية، فإن أي شخص لديه وجهة نظر بديلة لم يكن بالضرورة شريراً، لكنه غير مستنير، شخص ليس لديه "وعي كافٍ بأن طريق البعث هو الطريق الصحيح لخدمة الشعب والأمة".

ساعد الترهيب والترغيب في عمليتي التوعية والتنظيم عن طريق، تصفية الفضاءات العراقية الخاصة والعامة من المعارضة المنظمة ووجهات النظر البديلة، في الحالة الأولى، وتقديم حوافز إيجابية لدعم عملية التبعيث في الحالة الثانية. وكما مع وسائل التبعيث الأخرى، استخدم صدّام العنف أساساً لأغراض أداتية: أداة لإقصاء الأفراد والمجموعات التي يظن أنها تشكل تهديداً لسلطته، وتظهر وثائق القيادة القُطرية أن صدام لم يتخل أبداً عن التبعيث استراتيجيةً له في الحكم خلال فترة رئاسته. تعارض هذه النتيجة الرواية التقليدية التي تقول أنه، في أوائل التسعينيات، قام صدام حسين بتقليص دور حزب البعث وبدأ في استيعاب وكسب ود عناصر عشائرية ودينية في المجتمع وسيلة للتمسك بالسلطة وتأكيد شرعيته. يؤكد أنصار وجهة النظر هذه، أن هذه الأفعال خالفت القيم البعثية التقليدية، التي كانت لا عشائرية وعلمانية. يجادلون بأن النظام قد تخلى بناء على ذلك عن التبعيث والشمولية.

في حين أن صدام ربما يكون قد أضاف هذه الأدوات إلى ذخيرته، فإن أرشيف القيادة القُطرية لا يدعم فكرة أنها شكلت تحولاً بعيداً عن التبعيث. إنها تعكس، بدلاً من ذلك، نظاماً مترنحاً، اختل توازنه بسبب حجم هزيمته في حرب الخليج بعد غزو الكويت وما تلاها، وفي خضم المعاناة الاقتصادية القاسية ومن دون الطاقة البشرية اللازمة لإنجاز التبعيث، لعب صدام على القيم العشائرية والميول الدينية من أجل انتزاع السلطة والشرعية التي تأتي من خلال إبراز صورة قائد قبلي وديني قوي. هكذا، قام صدام بطريقة أو بأخرى ب‍‍ـ"قبلنة" و"أسلَمة" نظامه، فهو العلماني، في لحظة الشدة أضاف كلمة "الله أكبر" الى العلم الوطني وسوّق أنه من سلالة الإمام علي، وهو العروبي الذي سرعان ما جعل معظم حاشيته من قبيلته أو مدينته. ومع ذلك تظهر الدلائل من أرشيف القيادة القُطرية أنه، وبالتزامن مع تبني صدام للخصائص الدينية والعشائرية، فقد قام بتكثيف جهود النظام البعثي طويلة الأمد لانتخاب قادة عشائريين ودينيين وإزاحة الشيوخ والأئمة الذين يرفضون الخضوع لأوامر النظام.

 

تلامذة التاريخ
تعود الاتجاهات التاريخية خلف التبعيث إلى فترة تحلل الإمبراطورية العثمانية في أواخر الحرب العالمية الأولى وولادة العراق الحديث كانبثاق من السياسة البريطانية واتفاق سايكس بيكو مع الفرنسيين. في زمن العثمانيين، عملت المؤسسات الدينية الإسلامية السنية والثقافية والسياسية، كقوة اجتماعية موحِّدة عبر الإمبراطورية. عاش شيعة وكرد العراق كمجتمعات صغيرة على أطراف الإمبراطورية العثمانية. اهتمت بريطانيا بالمقاطعات العثمانية الثلاث: البصرة وبغداد والموصل، لأنها تقع على طريق المستعمرات البريطانية في الهند. بعدما استولى البريطانيون على هذه المقاطعات في الحرب العالمية الأولى، حاولوا حماية هذا الطريق عن طريق الإبقاء على نظام الحكم المتبقي من أيام العثمانيين في دولة قومية جديدة تحت الوصاية البريطانية. وبناء عليه، أسس البريطانيون مَلَكية قادها الملك فيصل بن الحسين الهاشمي. كانت الملكية الهاشمية، مؤسسة سنية مدعومة من تحالف حضري لوجهاء عثمانيين سابقين وموظفين وملاك أراضي وشيوخ قبائل، استبعدت بشكل كبير الغالبية الشيعية عن السياسة، وأنكرت إيديولوجيتها العروبية دور الأكراد الذين يمتلكون ثقافة ولغة وهوية مختلفة في الرواية الوطنية. وأثبتت التجارب أنه في العهد الملكي، وفي عهود الجمهوريات التي وصلت الى السلطة بانقلابات في العراق، لم يتمكن أي فصيل من حشد دعم كاف من قاعدته السياسية أو الاجتماعية كي يحكم منفرداً. امتلاك السلطة يتطلب تحالفات. ومع ذلك، فما إن ينهي التحالف مهمته حتى يستدير الحلفاء ضد بعضهم حتماً. هذه الخلفية السياسية، والثقافة السياسية التي تنتجها، تفسر جزئياً الميول الشمولية لحزب البعث الصدّامي. أثبت "البعث" أنه تلميذ نموذجي للتاريخ العراقي. فبعد نجاح انقلاب 1968، تصرفت القيادة البعثية بسرعة ضد حلفائها الضباط. خلال اسبوعين، نفى قادة حزب البعث، معظم القادة العسكريين الكبار الذين ساعدوهم. إن الخطوات التي اتخذها "البعث" تجاه الجيش، في بداية حكمه، تكشف العناصر الأساسية للتبعيث. بالإضافة إلى ذلك، قام "البعث" بإسكات كل الأصوات المعارضة في الساحة السياسية، محولاً العراق إلى دولة حزب واحد. كانت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الوسائل الرئيسة للترهيب في العراق. قاد صدام بشكل غير رسمي هذه الأجهزة، التي نمت بالعدد والحجم في السبعينات. استخدم موقعه في قمة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ليضمن لنفسه الفوز في الصراعات على السلطة داخل الحزب وليوطد سلطته الشخصية على دولة العراق.
 



وعدا ذلك استخدم صدام وقبله (البكر)، عائدات النفط لتوسيع شبكات المحسوبية والولاء لتشمل كل السكان. إذ شهد عقد السبعينات، "البعث" وهو ينشئ نظام رعاية اجتماعياً هائلاً. ارتفع الدخل بشكل كبير، وتحسنت فرص الحصول على التعليم ومحو الأمية، وأصبحت الخدمات الصحية والبضائع الاستهلاكية متوافرة على نطاق واسع. إن الاستقرار والازدهار اللذين جلبهما حكم "البعث" في عقده الأول، قاد الكثير من العراقيين إلى التغاضي عن الحريات التي قلصها الحزب وعن قمع "البعث" العنيف المتزايد ضد المعارضة. لكن، مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، لم يبق للعراقيين إلا القليل من الأسباب لتجاهل القيود الشديدة الموضوعة على حياتهم. فرضت الحرب مطالب غير مسبوقة على العراقيين للحفاظ على المجهود الحربي وبدأت البلاد في هبوط اقتصادي.

عدا ذلك، ورغم أن "العرب السنّة" من منطقة تكريت هيمنوا على المناصب العليا في قيادة "البعث"، وأن الحزب كان يتابع الانتماءات القومية والعشائرية والدينية والمناطقية لأعضائه، تظهر وثائق أرشيف القيادة القُطرية أن "البعث" كان يجند عبر البلاد من كل جماعة اثنية ومذهبية. أثبتت التراتبية الشبيهة بالخلايا لحزب البعث، أنها مثالية لخلق شبكات مراقبة وتعبئة داخل الأحياء والأعمال والمدارس والجيش ووزارات الدولة والنقابات، وبين المجموعات الاجتماعية والسكانية. حاول قادة "البعث"، عن طريق توسيع جهازهم على امتداد كامل البلاد وإدخال عراقيين من جميع المشارب في الحزب وفي المنظمات المهنية والجماهيرية، التعويض عن وضعهم الاجتماعي الدخيل، وتوحيد السكان العراقيين غير المتجانسين خلف أفكارهم من أجل هوية وطنية أوسع.

أعطت الإيديولوجية البعثية تبريرات وطنية وأخلاقية للنمو في جهاز الحزب، تظهر وثائق أرشيف القيادة القُطرية أنه، بعد تولي صدام الرئاسة، استغل مرونة عقيدة "البعث"، وإصرارها على الشرعية، والنظرية الأخلاقية التي طرحتها لخلق "نظرية جديدة" تدمج "الفلسفة الكلية ل‍‍ِعفلق مع عقيدة حسين الشخصية. هذه "البعثية الصدامية" سمحت ل‍‍ِصدام بالاستمرار في ترداد شعارات الحزب التقليدية، لكن أيضاً في تعزيز قوته الشخصية من خلال حملة من البروباغاندا والتوعية أو التثقيف مصممة لجعل عقيدته تبرز وتستمر. (يتبع..) 

(*) الكتاب صادر بالإنكليزية العام 2015 لدى "منشورات جامعة تكساس"، ترجمته الى العربية عبير مرعي، مراجعة محمد مظلوم، منشورات الجمل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"

مقالات أخرى للكاتب