آخر تحديث:20:22(بيروت)
الأحد 14/11/2021
share

رحيل إيتيل عدنان... متعددة الثقافات والهويات والنضالات

المدن - ثقافة | الأحد 14/11/2021
شارك المقال :
رحيل إيتيل عدنان... متعددة الثقافات والهويات والنضالات
رحلت الروائية والشاعرة والرسامة والمؤلفة المسرحية السورية اللبنانية، إيتيل عدنان، وكتب فواز طرابلسي في وداعها "غادرتنا ايتيل عدنان صباح اليوم عن 96 عاماً: الفنانة، الشاعرة، الروائية وفوق ذلك الإمرأة العظيمة. سورية الأب، يونانية الأم، بيروتية المنشأ، لبنانية التبني، عربية الخيار، وإنسانية الانتماء والرؤية والفكر. أبكي صديقة نصف قرن مع رفيقة عمرها سيمون فتّال، وأتشارك العزاء مع محبّيها وصديقاتها وأصدقائها الكثر. ودّعناها انا ونوال عائدين الى بيروت بعد آخر لقاء في باريس السبت الماضي. لم نكن ندري انه الوداع الأخير".  

وُلدت ايتيل في بيروت العام 1925 من أب سوري دمشقي(مسلم)، آصاف عدنان قدري، كان ضابطاً في الجيش التركي، وأمّ يونانية(مسيحية) مولودة في أزمير، روز ليليا لاكورتي، وعاشت إيتيل ضمن تنوّع عرقي وثقافي، كان القرآن بجانب الإنجيل في بيتهم. وهي تنقل حروفاً تركية وعربية على دفاترها من دون أن تفهم هذه الحروف. ووالداها يتكلمان مع بعضهما باللغة التركية، وأمها تتكلم معها باليونانية، والناس في بيروت يتكلمون معها بالعربية، وفي مدرستها بالفرنسية في ظل الانتداب الفرنسي على لبنان، ودرست في الجامعة بالإنكليزية، فتحدثت كل هذه اللغات بطلاقة، بمعنى أنها كانت مزيجاً من دمشقية بيروتية يونانية تركية أميركية فرنسية. وألّفت أولى قصائدها باللغة الفرنسية في سن العشرين، وصارت خريجة جامعات السوربون، ثم بيركلي وهارفرد، ودرّست الفلسفة من العام 1958 ولغاية العام 1972.

عدنان التي درست في المدارس الفرنسية في بيروت، درست الأدب الفرنسي وقرأت بودلير ونيرفال. وفي بيروت التقت بالشاعر أندريه جيد، الذي ستقابله في ما بعد في باريس، حيث تأثّرت بفلسفة سارتر عن المسؤولية والأخلاق. بعدها انتقلت إلى أميركا التي عرفتها من خلال الأفلام السينمائية. وفي سان فرانسيسكو اشتاقت إتيل للسجاد العجمي الذي كان يملأ بيتهم في بيروت. هذا الإشتياق ستترجمه الفنانة في أعمالها اللاحقة من خلال إشتغالها على نسج البساط بالألوان. الرسم الذي مارسته منذ العام 1959، وهي تدرّس فلسفة الفن في كاليفورنيا، بدأت معه مروحة من المعارض والكتب الشعرية والروائية... ومن خلال مسيرتها المتشعبة والطويلة والمتعددة، صارت ايتيل على صلة واسعة بالمثقفين والكتّاب والشعراء وصالات العرض في بيروت والعالم والعربي والعالم، ولم تحظ كاتبة أو مثقفة بمثل ما حظيت ايتيل من حب، ويتبدى ذلك من خلال المقالات المنشورة عنها في مختلف المنابر، وعدا عن الاهتمام الملحوظ بأعمالها التشكيلية في السنوات الأخيرة. وهي عرفت بصداقتها الروحية مع النحاتة سيمون فتال، وبرسائلها الى فواز طرابلسي. من دون أن ننسى دعمها للمشاريع الثقافية الشبابية في بيروت، فاسمها في لائحة الداعمين لمشاريع آفاق(الصندوق العربي).

كانت سيرة ايتيل نموذجاً للكاتبة والفنانة متشعبة الهويات والثقافات والنضالات. يقول المؤرخ فواز طرابلسي أن ايتيل عدنان ابنة الجيل الذي هزّته هزيمة حزيران 1967، وانتشى بانتصار فيتنام ووضع المخيّلة في السلطة مع طلاب وشباب العام 1968، ومجّد تشي غيفارا نموذجاً للانسان الجديد، واكتوى بالجرح الفلسطيني قبل ان يهلل للفدائي صاحب الكوفية"... وتقول ايتيل أنها كانت محظوظة بزيارتها فلسطين العام 1966، حيث أقامت في بيت السياسي الفلسطيني موسى العلمي، في مزرعته في مدينة أريحا، وذلك قبل أن يعصف الاحتلال بما تبقى من البلاد. عادت بعد النكسة إلى بيروت العام 1972 لتعمل محررة في جريدة "الصفا" الصادرة بالفرنسية. لكن الحرب لم تمهلها كثيراً، فرحلت". يضيف طرابلسي: "هو ذاته الجيل الذي قدّر لبعض منه ان يعيش ليشهد على احتلال الجيش الاسرائيلي لبيروت والغزو الاميركي للعراق. وهو الغزو الذي سجّلته في نصها المدهش بعنوان "في قلب قلب بلد آخر"، حيث يتضافر الحوار والتكرار والابتكار الاسلوبي، لبناء مشهد اليومي من حياة امرأة تعيش "في بطن الوحش" فيما القنابل تنهمر على بغداد. لعل ايتيل أول شاعر(ة) عربي(ة) ذكّرته مأساة الهندي الأحمر بالانسان الفلسطيني المقتلع والمشرّد والمجمّع في معازل تسمّى مخيمات. لكن بيروت الاحتلال الاسرائيلي، بيروت المقاوَمة، وبيروت الاقتتال الاهلي، وَخَزتها أكثر من اي حدث آخر للابداع". سجلّت 1982 شعراً... وكتبت رواية "الست ماري روز" (1977) باللغة الفرنسية عن الحرب الأهلية اللبنانية التي شهدتها... وفي الكثير من كتاباتها كانت تمجد الطبيعة والألوان والظلال، تسافر في رحلات صوفية تنعكس في لغة نصوصها.

في التشكيل، منذ العام 1959 وهي ترسم بالحيوية ذاتها ونزق الشباب الذي ميّز حياتها الموزعة بين بيروت وباريس وكاليفورنيا واليونان، وفي مدينة سوساليتو في شمال سان فرانسيسكو، حيث ستقوم إبتداء من العام 1986 برسم جبل تملباييس، الذي كتبت عنه مجموعتها الشعرية "رحلة إلى جبل تملباييس". في مقابلة مع "كانفاس" تخبرنا الفنانة عن أُسلوبها في الرسم والكتابة والذي يحكمه نزقها وعدم صبرها. خيارها مثلاً في إستعمال حد السكين في الرسم، يأتي من كون السكين يسهل تنظيفها بعد الرسم، إذ يكفي مسحها بالخرقة. بينما تنظيف فرشاة الألوان يحتاج إلى وقت وجهد.

وفي الشعر كتبت إيتيل قصيدتها الأُولى بالفرنسية في بيروت. لكن في كاليفورنيا، ستبدأ رحلتها في الكتابة الشعرية باللغة الإنكليزية بقصيدة ضد الحرب الأميركية في فيتنام. كان الإنتقال من الكتابة بالفرنسية إلى الإنكليزية رحلة صعبة بالنسبة لإيتيل. وحين أتت إلى أميركا للدراسة في جامعة بيركلي العام 1955، كانت أشبه بالضائعة وسط هذه اللغة الجديدة. لكن هذا لم يمنعها أن تحتل مكانة بارزة في الشعر الأميركي باعتبار أنها شاعرة "عربية-أميركية". من مجموعاتها الشعرية "خمس حواسٍ لموت واحد" (1971) و"الهندي ليس له حصان" (1985)، و"قيامة العربي" (1989) التي كتبتها على وقع الإنتكاسات العربية المتتالية منذ إنتهاء الحرب العالمية الأولى.

ورغم عملها بصمت، كانت السياسة حاضرة بقوة في اعمالها، سواء ضد الامبريالية او في مناصرة الشعوب المظلومة، وساندت الثورة الفلسطينية شعراً ورسماً بقوة، وعبّرت عن تأييدها للثورة السورية...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها