آخر تحديث:19:04(بيروت)
السبت 30/01/2021
share

"ليلة في ميامي".. قبل الثورة السوداء

محمد صبحي | السبت 30/01/2021
شارك المقال :
  • "ليلة في ميامي".. قبل الثورة السوداء
    أمثولة اجتماعية، وليس مجرد تقاطع بين سِيَر أربع شخصيات استثنائية
  • جونيور، لم يكتفِ بتفسير سام كوك جسدياً، لكن أيضاً بصوته الرائع في الأغاني
    جونيور، لم يكتفِ بتفسير سام كوك جسدياً، لكن أيضاً بصوته الرائع في الأغاني
  • ليلة احتفالية تتحول إلى نقاش حاد حول أوضاع مجتمع السود.
    ليلة احتفالية تتحول إلى نقاش حاد حول أوضاع مجتمع السود.
منذ عرضه الأول في مهرجان تورنتو السينمائي الأخير، صار فيلم "ليلة في ميامي"(*) أحد المفضلين في سباق ترشيحات جوائز أوسكار المقبلة. هذه حقيقة سهلة الوضوح لأي شخص يشاهد الفيلم الآن في عرضه العالمي على الإنترنت. فهو عمل فني يحتوي جميع العناصر اللازمة لحجز مكان في النقاشات بشأن السياق السياسي الحالي، ليس فقط في ما يتعلق بهوليوود وعالمها المصغَّر، ولكن أيضاً في الخريطة الاجتماعية السياسية الأميركية الأوسع والأكثر تعقيداً. لا مفرّ بعد مشاهدة الفيلم وحكايته حول الاجتماع الذي جمع بين الزعيم الاجتماعي مالكولم إكس ونجم موسيقى السول سام كوك والرياضيين جيم براون ومحمد علي (كاسيوس كلاي آنذاك)، وجلّهم شخصيات قوية في المجتمع الأفروأميركي في زمنهم، من بناء جسور تربطه بالعديد من الأحداث والمشكلات الجارية، بدءاً بإرث العنصرية البيضاء وليس انتهاء بإدراك الفرد المضطهد لموقعه في بيئة تعاديه وتحتقره.

هذه الليلة لم تحدث قطّْ. هناك تاريخ محدد، 25 فبراير 1964، ومكان حقيقي، ميامي، والعناوين الافتتاحية تشير بدقة إلى أن الفيلم "مستوحى من أحداث حقيقية"، غير أن "مستلهم من شخصيات حقيقية" سيكون أكثر دقّة. لأن "ليلة في ميامي" مبني على إحدى فرضيات خيال المعجبين: ماذا لو احتفل محمد علي في غرفته بالفندق مع أصدقائه مالكولم إكس وسام كوك وجيم براون بعد فوزه على سوني ليستون في شباط/ فبراير 1964؟ كانوا سيقولون الكثير لبعضهم البعض، وهذه هي الإجابة البديهية التي يقدّمها الفيلم، والأهم من ذلك أنهم كانوا سيتصادمون أيضاً بآرائهم ومواقفهم المختلفة. في حكاية الفيلم، حدث الاجتماع إياه بعد أن توِّج علي بطلاً للعالم في الملاكمة وهو لم يتعدّ بعد عامه الـ 22. في تلك الليلة، في مؤتمر صحفي مرتجل، أعلن أعظم ملاكم عرفه التاريخ اعتناقه الإسلام. لا أحد يعرف ما حدث في ذلك الاجتماع، لذلك كان على كاتب السيناريو والمسرحي كيمب باورز (شارك أيضاً في كتابة فيلم "سول" لبيكسار) أن يتخيل التفاصيل والكلمات ونبرة الحدث لكتابة مسرحية، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى سيناريو لهذا الفيلم، من إخراج الممثلة ريجينا كينج، في أولى تجاربها خلف الكاميرا. لبناء تخييله على أرض صلبة، استخدم باورز المواد الوفيرة المتاحة حول الأبطال، وجميعهم شخصيات عامة بارزة. هذا الأساس البنائي هو ما يضفي صلابة على الشخصيات ويستفيد مؤدوها منه لتقديم أربعة أداءات حيوية ومحكمة في فيلم يعيش على الحوار ومَسْرَحة المَشاهد، جنباً إلى جانب نوع من الاستهتار التاريخي المقبول وارتفاع مستويات الكحول في دماء شخصياته، ما يخفّف كثيراً مما كان يمكن أن يصبح عملاً تعليمياً ووعظياً.


تدور الحبكة حول المحادثات التي ربما جرت في نهاية ذلك اليوم، والتي تخيّلها البطل الجديد رفقة كوك وبراون ليلة احتفال وصخب، بينما الناشط الحقوقي انتهى بتحويلها إلى نقاشٍ حاد حول واقع المجتمع الأسود وتحدّياته. يقدّم الفيلم شخصياته الأربعة في أربعة مشاهد تسبق اجتماعهم، يلتقطهم في لحظة محددة من حياتهم المهنية تعرّضوا فيها للعنصرية. في قيامه بذلك، لا يسعى الفيلم لإبراز آفاق الخبرة المماثلة فحسب، ولكن الهدف الأساسي إبراز التباينات في التعامل مع تجارب التمييز هذه. تباينات تهدّد بالتحول إلى خطوط فاصلة بين الأيقونات الأربع خلال فيلم مدته ساعتان تقريباً. لأنه بدلاً من الاحتفال بتتويج كلاي، دعا مالكوم إكس أصدقاءه للتفكير معاً، حول أهمية ما حققه كلاي في ذلك المساء وإمكانيات الجمع بين شهرة كوك كوكيز وبراون من أجل نضال تحرير السود. يريد مالكولم كسب المشاهير الثلاثة للقضية، والنضال ضد العنصرية بشكل عام، وإلى منظمة جديدة يريد تحرير نفسه معها والابتعاد عن "أمة الإسلام" والجدل المرافق لها. مع ذلك، هناك خلاف كبير حول الهدف من هذا النضال، وكذلك سُبله ووسائله نفسها. نجم الكرة يحاول بناء مهنة في السينما كبطل أسود لأفلام الويسترن، فيقابله الرياضي الآخر بالسخرية. وبينما يرى أسطورة السول أدائه أمام الجمهور الأبيض في ملهى "كوباكابانا" انتصاراً، يوبّخه مالكولم إكس على قبوله لعب دور القرد المتشبّه بالبيض فيما يغنّي بوب ديلان، الأبيض، بلا قصدٍ، قضاياه السوداء.

وهكذا، في البرزخ التاريخي المنسي نسبياً بين حركة الحقوق المدنية وبزوغ "القوة السوداء"، يتناول الفيلم الصراعَ الأبدي المستمر حول ما إذا كان من الأفضل تغيير نظام من الداخل على المدى الطويل أو ما إذا كان الخلاص يكمن في الإطاحة الكاملة به. الصراع بين النجاحات المهنية الملموسة، والتي يبدو أن كوك وبراون على وجه الخصوص يحلمان بها، والأهداف المشحونة أيديولوجياً التي يتبنّاها مالكوم إكس وكلاي، كجزء من التزام أخلاقي وروحي مرتبط بعلاقتهما مع منظمة راديكالية مثل "أمة الإسلام". مع هذا التركيز على النقاش المكثف، يذكّرنا الفيلم باقتباسات سينمائية مشابهة أخذت شكل مسرح الغرفة المؤفلم، مثل مسرحيتي أوغست ويلسون، الأولى بعنوان "أسوار" التي حوّلها دينزل واشنطن فيلماً قبل 4 سنوات، والثانية التي تحوّلت مؤخراً فيلماً للمخرج جورج سي. وولف بعنوان "القاع الأسود لمَا ريني". كلا الفيلمين يخبران المزيد عن التجربة السوداء في أميركا، بواقعية أكثر من الحكايات الخرافية عن التمكين الذاتي وتحقيق الحلم الأميركي التي تقدمها هوليوود عادةً. أحد الأسباب كامن بالتأكيد في استناد الفيلمين إلى نصوص كتبها كُتّاب سود.



لكن في حالة "ليلة في ميامي"، تاخذ التجربة أبعاداً أخرى، إذ تعطي ريجينا كينج محدودية المسرح قوةً فيلمية بقدر ما تريد لرؤيتها أن تستفيد من ذلك التحوّل. في الوقت ذاته، لا تعتمد إنتاجاً ولا ميزانية كبيرين، وتمنح كل من الممثلين الأربعة، الذين ما زالوا في بداية مسيرات مهنية واعدة، مساحة للحظات صغيرة ومضيئة وحميمة. وهكذا، تصبح تلك الليلة في ميامي أشبه بأمثولة اجتماعية، وليس مجرد تقاطع بين سِيَر أربع شخصيات استثنائية. كل انتصار تشوب حلاوته مرارة. اثنان من هؤلاء الأربعة لقيا حتفهما بعد أقل من عام من تاريخ هذا الاجتماع، أحدهما في حادثة اغتيال لم تُحلّ ألغازها إلى الآن. بعد ثلاث سنوات فقط، جُرّد محمد علي من لقب بطولة العالم، بعد احتجاجه على الحرب في فيتنام ورفضه أداء الخدمة العسكرية مع الجيش الأميركي هناك. يلتقط الفيلم لحظة انتقالية في التاريخ الأميركي، غير أن تلك الحقيقة تضفي طعماً حزيناً على ذلك الفيلم الودود والكريم للغاية تجاه شخصياته جميعاً. الأمر نفسه مع بقاء أسئلة الفيلم نفسها دون إجابات شافية إلى الآن، في انعكاس مخزٍ لحقيقة أن الولايات المتحدة لا تزال في خضم مرحلتها الانتقالية التي لم تستطع تجاوزها منذ ستين عاماً.

الحجج التي تقدّمها كل شخصية أثناء النقاش ما زالت صالحة رغم مرور الزمن. لا يزال وضع حقوق الأقليات في الولايات المتحدة (وفي جميع أنحاء الغرب عموماً) متطابقاً تقريباً بعد 56 عاماً، ولا يبخل الفيلم في توضيح ذلك. تتغلغل النقاشات بسهولة في الراهن المًعاش، بإلحاح وتكثيف، مزيلة الغبار عن أسئلة قديمة ليس أقلها دور مشاهير الأميركيين السود، عندما لم تكن "القوة السوداء" بعد مشروعاً وصيغة شاملة، بل مجرد فكرة ناشئة، كما هو الحال اليوم في زمن "#BlackLivesMatter" والصحوة السوداء في أعقاب مقتل جورج فلويد. كيف بمقدور السود ألا يُؤخذوا ببروباغندا أميركا البيضاء حول تخلُّص المجتمع الأميركي من عنصريته واعتبارها شيئاً من الماضي؟ وكيف إذا نجح الأسود، رغم كل الصعاب، في تحقيق النجاح المهني، أن يتعامل مع توقعات مجتمعه الأسود والآمال الموضوعة عليه؟

في المجمل، "ليلة في ميامي" فيلم جميل يبسّط الأمور حيثما أمكن، ويعقّدها في الموضع الذي يحتاج ذلك، بتكثيف واضح. لكن تظلّ إمكانية إنشاء حجاج معمَّق بين أربعة أيقونات مختلفة ومثيرة للاهتمام بنفس القدر، غير مستغلة بسبب رسم الشخصيات بصورة خطية إلى حد كبير. يبدو كما لو أن الاحترام الكبير للشخصيات التاريخية منع المؤلف من تخيُّل البشر الفعليين الذين يحملون أسماءهم. المثلب الآخر يتمثّل في فشل الفيلم في الخروج من فخّ المسرح المصوَّر، بعدم قدرته على إحداث النقلة التي تميّز المسرحي عن السينمائي. كما لو أن باورز لم ينجح في تحرير نفسه من أصله المكتوب ليغامر بإمكانيات لغة الوسيط الجديد. ولكن حتى إن نجح شكلياً في هذا الانتقال، فلا يزال هناك صرامة زائدة في كتابة الجمل الحوارية، التي برغم توجيهها الصريح ونبرتها القتالية (حركة "بلاك لايفز ماتر" حاضرة بقوة في ظلال تلك الحوارات)، تعطي "الميزانسين" مزاجاً، لا يطرد المتفرج خارج الأجواء تماماً، إلا أنه لا ينتهي إلى محاصرته أيضاً. تنويهٌ لازم بالموسيقى التصويرية والممثلين كينغسلي بن أدير (في دور مالكولم إكس) وليزلي أودوم جونيور، الذي لم يكتفِ بتفسير سام كوك جسدياً، ولكن أيضاً بصوته الرائع في الأغاني.

بغض النظر، ينضم فيلم ريجينا كينج إلى موجة سينمائية نامية، ببطء ولكن بثبات، تشتبك مع العنصرية في مستواها النظري. فيلم بمثابة رسالة حُبّ لتجربة الرجل الأسود في أميركا، كما وصفته مخرجته، يُظهر شخصياته ليس فقط كضحايا عُزل، ولكن كفاعلين في طريق النضال من أجل التغيير.

(*) يُعرض الفيلم حالياً عبر منصة "أمازون برايم".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها