آخر تحديث:13:48(بيروت)
الخميس 02/04/2020
share

يوسا الروائي في مواجهة "الأخ الأكبر" الصيني

محمد حجيري | الخميس 02/04/2020
شارك المقال :
يوسا الروائي في مواجهة "الأخ الأكبر" الصيني
قبل أكثر من أسبوعين، كتب الروائي البيروفي، ماريو فارغاس يوسا، مقالاً في صحيفة "الباييس" الإسبانية بعنوان "العودة إلى العصور الوسطى؟" حمّل فيه النظام السياسي الصيني مسؤولية انتشار وباء كورونا في العالم، وأكثر من ذلك ذهب يوسا -"اليميني" على ما تصفه بعض الصحف العربية- إلى القول بأن السلطات الصينية أسكتت بالقوة أصوات الأطباء الصينيين الذين اكتشفوا الفيروس، زاعماً أن انتشار الوباء كان سيكون مختلفاً تماماً لو أن الصين "كانت بلداً ديموقراطيّاً"، مذكّراً بكوارث سابقة في ظل الأنظمة الاستبدادية وتحديداً الشيوعية. 

في اليوم التالي لصدور المقال، ردّت الصين بقوّة على يوسا، وجاء في بيان السفارة الصينية في ليما "إن مقال يوسّا تضمّن انتقادات سخيفة وعارية عن الصحة، وتجاهل الجهود الكبيرة التي قامت بها لاحتواء الأزمة".  

وبغض النظر عن صوابية كلام يوسا، حول الصين والكورونا، فهو مقال من ضمن آلاف المقالات التي كتبتْ، نتوقف عندها أو لا نتوقف، لكن المرء يفكر كثيراً أنه كيف لدولة عظمى وامبراطورية، وصاحبة واحد من أضخم الاقتصادات في العالم، أن تهتز مشاعرها من رأي كاتب بيروفي(كيف لو كان منشقاً صينياً؟)، وتتصرف بكيدية ووقاحة وطفولية إذا جاز التعبير.... وأشار الصحافي شوقي الريس في جريدة "الشرق الأوسط"، إلى أن الحكومة الصينية سبق أن اتخذت إجراءات مماثلة في حق شخصيات عالمية، مثل الممثل الأميركي براد بيت، بعد قيامه بدور البطولة في فيلم "سبع سنوات في التيبت"، والذي اعتبرته بكّين موجَّهاً ضد سياستها بشأن هذه المقاطعة، أو نجم كرة القدم التركي مسعود أوزيل الذي انتقد القمع الذي يتعرّض له السكّان المسلمون في الصين.

على أن حديث يوسا عن انتشار الفيروس، وربط ما حصل بغياب الديموقراطية، ليس جديداً. فسبق أن قرأنا شبيهه لدى بعض المفكرين الفرنسيين والغربيين... المستجد في المشهد هو في رد فعل السفارة الصينية في ليما. قال الشاعر عيسى مخلوف، في تعليق فايسبوكي على القضية: "في المستقبل القريب، سيجد العلماء اللقاح الشافي لمحاربة وباء كورونا، لكن من الذي سيقف في وجه تحويل العالم إلى مكان شبيه بما وصفه جورج أورويل في روايته 1984؟ أيضاً، ليست المرة الأولى التي نقرأ فيها عن الصين، فتحضر في مخيلتنا رواية أورويل". وكتبت المدونة الأردنية سلام برجاق، مقالاً في موقع "الجزيرة"، بعنوان "كيف طبَّقَت الصين رواية 1984 بحذافيرها؟": "لا تتكلم، لا تفكر، لا تبحث، لا تحب، لا تتجرأ على التعبير عن رأيك، من أنت لتكتب حرفاً على ورقة أو حتى لتعرف معنى كلمة حرية؟ أنت لا تستحق أي شيء ولا يمكنك فعل شيء. هل تعرف لماذا؟ لأنك مراقب. بهذه الأفكار لخّص الكاتب جورج أورويل تخيلاته السياسية التي هيمنت على مستقبل العالم الذي يحيط بروايته "1984"، العالم القاتم الأسود، الخالي من ألوان الحياة، الذي تخيّل فيه الكاتب أن الأشخاص مستقبلاً سيكونون تحت مراقبةٍ دائمة لكل تفاصيل حياتهم؛ من نومٍ وأكلٍ وما يقتنون ومن يحبون، من قِبَل قوةٍ حاكمة عظمى تسيطر على عقول وحياة الناس، من قِبَل ما يدعى "بالأخ الكبير". جاء هذا الكلام في اطار الحديث عن مسلمي الايغور وسجنهم، وبعد كورونا سيزيد حضور "الأخ الأكبر" في معظم الصين وربما العالم؟ الكورونا سيعطي مبررات لاستبداد جديد ربما، تحت حجج إنسانية وطبية، وبات كل فرد مراقباً من خلال كاميرا، وحتى من خلال داتا هاتفه النقال. وكثيرون سيتماهون مع أي اجراء بحجج من هنا وهناك.

الكاتب يوسف ابو لوز، مثلاً، اتهم يوسا بأن موقفه يحمل بُعْداً سياسياً واضحاً تجاه الصين، وقال: "هذه غلطة كاتب عالمي كان يمكنه أن يتجنّب الفرق في ما هو سياسي، وينظر إلى الجانب الإنساني، المأساوي، العالمي في هذا الوباء الملعون. لا وقت الآن مطلقاً لركوب أية سياسة أو أية أيديولوجية على ظهر فيروس مدمّر لتفاؤل الإنسان.. الوقت الآن.. وقت كتابة الأمل، ولو أن الخوف يحيط بالعالم الآن ويحوّله إلى قرية مهجورة". بالتأكيد من البديهي أن يكتب الروائي عن الأمل، ومن البديهي أيضاً ان يطرح تساؤلات ويكتب انتقادات حول ما يجري في العالم، فهذا حقه الطبيعي ودوره الطبيعي.
   
بالمختصر، إذا نظرنا في مسار يوسا الأدبي والسياسي، نجد أنه في البداية أحدث قطيعة على مستوى منهجه الفكري، بعدما قرأ شهادات المثقفين المنشقين عن النظام السوفياتي، وتأثره بفلسفة ألبير كامو حول التمرد... انتقل من اليسار إلى الليبرالية، ولم يعد يثق في الأفكار اليسارية والاشتراكية، وقدراته ظاهرة في روايات تحمل الكثير من المواقف والعناصر الفريدة والأيروسية، ولديه مواقف جديرة بالاهتمام في مقالاته. أما رد فعل الصين عليه، فيأتي في إطار سعيها الى الإشادة بالدور الذي قامت به، وتريد أن تكون قدوة حاملة هم الإنسانية العالمية في خضم صراعها مع أميركا ترامب، وتركّز في تحركاتها الخارجية على اعطاء صورة براقة لدورها في معالجتها هذا الوباء، ولا تريد أن يكون الرأي العام مسلطاً عليها كمُصدِّر ومُنتِج للكورونا. 

أكثر من ذلك، لاحظ الزميل بشير البكر ان الصين تصرفت بطريقة غير أخلاقية، فقد سلمت لأميركا طلبية كمامات كانت تعاقدت عليها بلديات فرنسية. وذلك لأن أميركا رفعت السعر.



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها