آخر تحديث:14:49(بيروت)
الثلاثاء 01/12/2020
share

مأزق الثقافة كموضة: الحرب، الاعتذاريون، الجوائز

محمد حجيري | الثلاثاء 01/12/2020
شارك المقال :
مأزق الثقافة كموضة: الحرب، الاعتذاريون، الجوائز الحرب اللبنانية (غيتي)
يمكن للقارئ المنتبه أو المهتم أن يتوقف عند مواضع عديدة، تطرق إليها الفنان وليد صادق في المقابلة التي أجراها معه الزميل حسن الساحلي، ونشرت على حلقتين في "المدن" (الحلقة الأولى، والحلقة الثانية)... وإذا اخترنا جانباً من تلك المواضع، فهي ربما تضيء على الواقع الثقافي والسياسي السائدين اليوم.

يذكر وليد صادق، وهو مُواكب وعارف بالفنون المعاصرة منذ بدايتها في لبنان، أنه كتب نصاً في الملحق الثقافي لجريدة "النهار" حول "كيف تصنع الحرب الأهلية نجوماً بالفن وكيف يستعمل الفنانون الحرب الأهلية"، ويقول: كان السؤال السياسي الأخلاقي يطرح نفسه يومها.. كيف تكون فناناً بعد حرب أهلية؟ ليس فقط من ناحية المواد أو الموضوع، بل أيضاً من ناحية سلوكياتك وعلاقتك مع عالم الفن؟ مثلاً، هل تقبل دائماً دعوات السفر؟ وفي حال كانت أعمالك من النوع الذي يسافر دورياً، هل تضع الحرب كخلفية، وبالتالي تعطي لعملك جاذبية؟ أم أن عملك فعلاً مشغول بالوضع؟ وفعلياً، كيف تُقرأ أعمالك في الخارج؟

الأرجح أن هذه الاسئلة تطاول أوجه الثقافة كلها، وليس الفنون المعاصرة فحسب. إذ باتت الاسئلة السائدة: كيف تحصل على تمويل لمشروع ثقافي (سينما، أداء، تصوير، موسيقى، كتابة)؟ كيف تكتب رواية أو قصة أو ديوان وتفوز بجائزة في بلدان الخليج؟ كيف تترجم الكتب (الرواية تحديداً) إلى اللغات الاجنبية؟ أي المواضيع يتطرق اليها الروائيون؟ هل يكتبون رواية أم يقدمون أوراق اعتماد؟ وأي الأفكار يقدمها فنانو الأداء؟ من دون شك كانت الحرب في مرحلة من المراحل، هي هاجس معظم الكتاب والفنانين، سواء الذين عاشوها أو لم يعيشوها. كانت موضة رابحة وصارت ممجوجة، وطُرح سؤال آخر: كيف نخرج من الكتابة السردية عن الحرب؟ ولاحقاً درجت موضة أخرى، تحولت ركناً لمعظم الأعمال الإبداعية، هي بين الجندر، والآخر (اليهودي ونحوه)، مرورا بالمثلية الجنسية والذكورية. حتى أن كاتباً يعيش فوبيا المثليين، لم يتردد في الكتابة عنهم للدخول في مسابقة على جائزة. ولأسباب معروفة، بات كثيرون يكتبون من أجل نَيل الجوائز، ربما لهم مبراراتهم، لكنهم في أكثر الأحيان لا ينتجون رواية يُحسب لها حساب.

هذه المواضيع لا تنفصل عن موضوع آخر ذكره وليد صادق، فهو يسأل: أين أصبحنا؟ ويجيب: في النص الذي كتبتُه (كيف تصنع الحرب الأهلية نجوماً)، قلت إننا صرنا في المكان/التموضع Subject positioning الأساسي للضحية". بمعنى أن بعض الجهات الأوروبية كان يموّل المشاريع الفنية ويقيمها من منطلق أن أصحابها ضحايا، ويعترض صادق بأننا "لا نحتاج علاجاً بل تاريخاً".. و"في الفترة نفسها كان قد صدر كتاب لأسعد شفتري بالفرنسية، ما جعلني أفكر بكيفية تحول شخص مثله إلى نجم، منذ أن نشر اعتذاره في "النهار" العام 2000. حين تقرأ الكتاب، تزداد اقتناعاً بأن عمل مؤسسات مثل "أمم"، والادعاءات حول الذاكرة، هو مجرد أكاذيب. 

لا نريد تقييم "أمم" ودورها، لكننا نتوقف عند شخص مثل الشفتري، وقد تحول نجماً، وأصدر كتاب "الحقيقة ولو بصوت مرتجف"، وانضم الى حركة "محاربون من أجل السلام"، وانتقلت نجوميته من المقاهي إلى الأفلام والتلفزيونات.. وقبله أو مثله القواتجي البشيري (القوات اللبنانية-بشير الجميل)، جوزف سعادة، صاحب كتاب "أنا الضحية والجلاد أنا"، الذي تحدث عن سيرته السوداء، وصوّرت "أمم" فيلماً عن إجرامه في صبرا وشاتيلا، وفي الخاتمة لم يندم، بل قال أن الحرب، لو عادت، لشارك فيها باحترافية... ومثلهما جوسلين خويري، المقاتلة الكتائبية المترهبنة الراحلة، التي كانت تفتخر بماضيها القتالي، وفي زمن السلم أصبحت داعية حوارات تطل في ندوات ومقابلات مستندة الى صورتها تحمل السلاح في مواجهة "الغريب"، فهي لم تخرج من ماضيها، بقيت تعيشه في صورتها، وكانت مشكلتها أن رفاق الأمس تناحروا في ما بينهم على كرسي الزعامة، فتقاعدت... ومن بين المحاربين الذين تعاطى معهم الإعلام كنجوم، الشيوعي السابق زياد صعب، الذي يسرد تاريخه القتالي كنكتة، إذ انتقل من قائد عسكري على يسار الياس عطاالله، إلى موظف في وزارة المهجرين، جمع حوله، وهو والشفتري، مجموعة من الباحثين عن أدوار في زمن السِّلم ضمن جمعية "محاربون أو مقاتلون من أجل السلام". يلتقطون الصور مع ممجّد الحرب الفنان مارسيل خليفة بشكل فيه شيء من السوريالية، وهم المحاربون السابقون، ينظرّون للسلم وكأنهم أطباء أصحاب وصفات جاهزة لشفاء المجتمعات... ومن وقت إلى آخر، يطل بعض أعضاء الجمعية (السلامية) ليمجدوا ماضيهم الحربي بشكل مبطن، وهذا يحصل كثيراً في ساحات "فايسبوك".

لا عجب أن هؤلاء صنعوا من ماضيهم الحربي نجوميتهم، فالزعماء الذين احتلوا الدولة اللبنانية والجمهورية اللبنانية، وحولوا الطوائف الى "تشيك" انتخابي، صنعوا من ماضيهم الحربي قداستهم. ينظر جمهورهم إلى اجرامهم وعنفهم باعتباره فعلاً مقدساً صنع وجودهم، كل مجرم يقول: لولا بندقيتي لكان انتهى لبنان، وانتهت الطائفة...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"