آخر تحديث:14:21(بيروت)
السبت 01/06/2019
share

بماذا يحتفل أهل "التحرير" اليوم؟

وضاح شرارة | السبت 01/06/2019
شارك المقال :
بماذا يحتفل أهل "التحرير" اليوم؟ من مشاهد الجنوب(غيتي)
يُفترض ألا يكون ثمة إشكال أو اشتباه في القول: احتفل اللبنانيون في 25 أيار (مايو) بذكرى تحررهم وتحرير أرضهم من الاحتلال الإسرائيلي قبل 19 عاماً تامة. ويعترض هذا القول ويضعفه أو يشكله خبر ذاع، وتناقله الاعلام عن الواقعة نفسها. ويقول الخبر ان الحزب الديمقراطي اللبناني (وهو "حزب" الأمير طلال أرسلان، ابن أو نجل والده الأمير مجيد الارسلاني، مقدَّم الغرضية الدرزية اليزبكية وخصم الغرضية الجنبلاطية منذ مئات السنين ووزير الدفاع في حكومة الاستقلال الأولى) احتفل بذكرى التحرير في بلدة بيصور، البلدة الدرزية "الكبيرة" والقائمة في الشحار الغربي، إلى الشرق الجبلي من بيروت. وجمع الاحتفال، إلى الأمير صاحب الدعوة والمضيف، ضيوفاً هم "حزب الله" والتيار الوطني الحر (العوني) وقوى أخرى تتشارك الولاء لسوريا (- الأسد) وإيران (-الحرس). وإذا بالحادثة الوطنية الكبيرة، والقرينة الصريحة على  "المعادلة الذهبية"- "وحدة" المقاومة والجيش والشعب تحت لواء حسن نصرالله وفريقه-، تنقلب في ذكراها العظيمة مثار انقسام أهلي يحيي ثارات القيسية واليمنية ويبعثها حية ودامية.


ويتوسط الاحتفال  العتيد حزمتين من الحوادث، الأولى إفطارات دعا إليها سفير بشار الاسد في لبنان علي عبد الكريم علي تكريماً لسياسيين ومشايخ دروز يوالون عصبيته الحاكمة، وشرَّفها بحضورهم قادة حرسيون وعونيون. والثانية، إعلان الصف الإرسلاني عن توسيع أو تعظيم حصته من التعيينات الإدارية القريبة، وذلك في موازاة "حيثية" ارسلان الشعبية والسياسية والاجتماعية وامتدادها على القرى والبلدات الدرزية في الجبل (ويستثني الإحصاء المدن). وقد تتداعى الامور من السفارة والسفير إلى جبل العرب في بلد السفير، ولجوء بعض أهل الغرضية المرتكبين، من بلاد الشويفات ونواحيها، إلى حمى منيع في كنف أجهزة عزيزة على المحاسبة القانونية الجزائية. وتتداعى كذلك إلى هوية مزارع شبعا العالقة بين "الشقيقين" التوأمين في روح واحدة، وإلى مصير المصالحات المحلية التي عُقدت في رعاية الغرضية الجنبلاطية.

والحق أن الحزمة الثانية، أي الوعد بالوظائف، تتمم الأولى، وهي تأليب "الحلفاء" أو أهل العصبية الأوسع وجمعهم. فالتلويح بزيادة حصة الأرسلانيين من الوظائف الحكومية وصندوق المهجرين (أن يتعهد "لبنان القوي"، كتلة الرئيس الأول النيابية، و"الوفاء للمقاومة"، كتلة الحزب الحرسي، ضبط التوظيف والمخصصات في أثناء الأعوام الثلاثة القادمة) معطوف معنىً وشرطاً، على تعهد "الحلفاء" والتزامهم. فالسيف الذي "يضرب" به أرسلان، وهو نَزِل له شيخ الغرضية الجنبلاطية عن مقعده النيابي، لم يُصنع في دارة خلدة (القصر الارسلاني)، على عادة اللبنانيين في توزيع المناصب وأهلها على البلدان والولايات، بل في "المطابخ" المتفرقة التي تتولى تركيب الموازين وسك المعادن، وتعديل الأمزجة و"قصقصة" الورق.

أي أن البدء كان في ذكرى التحرير، والتحرير كان في بيصور، وبيصور كانت محفل التحرير وساحة تجديد ذكراه. فما شأن الإفطارات السفيرية وهويات مدعويها وأهوائهم وولاءاتهم؟ وما محل خريطة الأراضي الوطنية، والتعيينات والرواتب والحصص الموعودة والأكيدة والثابتة بشهادة الحلفاء الذين لا يخلفون وعداً ولا موعداً، من الحادثة الجلل؟ ومن الحادثة تلك إلى أمور اليوم ونثرياته، في أثناء نحو عقدين تامين، لم يحسم أمر من الأمور المتنازعة: المزارع العتيدة، والحدود البرية والبحرية، والقرار 425، والقرار 1701 (وفي مقدمته التنويه بالقرار 1559)، والعلاقات اللبنانية - السورية، السيادية والأهلية والغرضية والمصالحات في ظلها، وصيغ المنازعات الداخلية والمحلية، والاعتيال (من عالة) الأهلي على "جبنة" الدولة و"بقرتها"...

والأمور التي لم تحسم، وهي تتطاول إلى كل المرافق الاجتماعية والسياسية تقريباً، لم يُبرزها "التحرير" ولم يَجْلها على وجوه تختلف عن وجوهها المعروفة والمألوفة في أيام الاحتلال وذلها غير المحتمل، وفي أيام العمالة والخنوع قبلها (وهذه تشمل تاريخ اللبنانيين كله، على قول أهل التحرير). فالانقسام الغرضي والعصبي على حاله من الحيوية، وربما زاد عمقاً ورعفاً، واشتباه معاني الاستقلال والسيادة أمعن في الالتباس والغموض، واستقرار إدارة الأمر العام على توزيع الريوع الكريهة استتب وتمكن، والتمويه على القتل والهرب والسرقة والثارات وشراء الولاء، بالقضايا الكينونية أو "الأنطولوجية" (على قول مدّاح أبيض) سوقه مفتوحة ورائجة وتنتشر عدواه في أوصال "محاورة المرء نفسه"، (أي الثقافة واللغة والتواصل على تعريف ابن رشد).

  فبمَ يحتفل المحتفلون؟

 يحتفلون، مبدئياً ومنطقياً، بجلاء قوات الاحتلال الاسرائيلي عن أراضٍ احتلت معظمهما مرتين: في 1978 و1982، واحتفظت بها بعد توسع الاحتلال إلى الليطاني، ثم إلى بيروت والشوف والبقاع الغربي. وأنشأ الاحتلال من الأرض والسكان حاجزاً أرضياً وسكانياً سياسياً بين منطقتي نفوذ متحاربتين في حرب (حروب) أهلية وإقليمية "متطورة" ومتغيرة المتحاربين والجبهات والحلفاء. واستطاع الصف "العروبي- الإسلامي - اليساري"، وهو هذا كله جزئياً وعلى مقادير متحولة ومتقلبة الأطراف، أن يلبس لباس "الدولة" المرقع والمتخرق والمهلهل، على خلاف الصف الأهلي الآخر. فحظيت الأعمال العسكرية المتعاظمة والمتسارعة منذ 1982- تحت وصاية سورية - إيرانية انقلبت إلى قيادة ميدانية يومية استقلّ بها الحرس الإيراني تدريجاً، ورفدتها كتلة أهلية راجحة ومتنازعة - برعاية "الدولة الشرعية" في بيروت.

وتولت الأعمال العسكرية والكتلة الأهلية اقتطاع أجزاء كبيرة من الأرض والسكان (والهيئات والأفعال والأفكار)، وإخراجها من أبنية الدولة اللبنانية، وإلحاقها بل إدماجها في كتلة إقليمية ناشئة، قطباها غير المتكافئين إيران الخمينية وسوريا الأسد. فجاء الجلاء، "التحرير"، المولود فعلاً وحقاً من أعمال "المقاومة الإسلامية"، بنت "الباسدران" أولاً، و"سرايا غازي كنعان" (على ما سماها، تشاوفاً وتفاخماً، البعثي العلوي "الكوري الشمالي" عبدالله الاحمد)، على شاكلة السياسة المعقدة والمتناقضة والمتفاوتة التي ولدته ورعته وحضنته.

 فـ"المقاومة الاسلامية" المفترضة نشأت على أنقاض المنظمات العسكرية "المشتركة"، الفلسطينية الفتحاوية وملحقاتها اليسارية الهزيلة. فحطمت الأولى المنظمات هذه، واعترضت دورياتها وأسرت بعض مقاتليها وقتلت آخرين واستمالت فريقاً ثالثاً، واغتالت بعض وجوهها العلنية. وحصرت، بالقوة المسلحة القاهرة ثم بالقوة الاجتماعية والإيديولوجية، الفريق الشيعي الآخر في دائرة العلاقات السياسية الرسمية، وفي أعمال الإعالة من طريق الوظيفة والوساطة والتحكيم "الأخوي" في المصالح الخاصة. ورفعت لواء التصدي للسياسة الاسرائيلية في لبنان أولاً، ثم في فلسطين ومسارح دولية، نيابة عن الخمينية - الأسدية"، وتمثيلاً على العجز والتخلي العربيين، وعلى مواطأة القوى الغربية "الشيطانية".

وطورت حرب إجلاء المحتل إلى حرب غير متكافئة أو غير متناظرة لا يسعها الدوام إلا بتسليط حال الطوارئ على الدول والمجتمعات التي تتخذها القوات الحرسية مسرحاً ومأوى. وأرست "السياسة" على ميزان حروب أهلية وإقليمية متصلة، كامنة ودابة، باردة ومتفجرة، جزئية وعامة، وجعلتها في عهدة امبراطورية مترنحة على قائمتين فخاريتين، يلفظها مجتمعها ويخاف بطشها الشرس، وإرهابها اليومي، ويماشي نازعها الموروث من تاريخ "بربري" و"مجيد".

  فما يحتفل به اليوم احتفالاً خافتاً وباهتاً انطوى على هذه المعاني، ووَلَد بعضها. ومنها تحدرت، على صور مركبة ومتقاطعة ومتفاوتة، بعض عوامل الحروب الأهلية التي تجتاح المشرق العربي منذ عقد. فازدوجت الدول، ونهضت قوى أمر واقع وظل في موازاة الأبنية السياسية والاجتماعية والثقافية المرئية والظاهرة، وانشقت الجماعات كتلاً جزئية متنازعة ومتحاجزة. وتعاظمت نزعات فردية لا تعقلها شراكة مفهومة، وانقطعت من تواريخ موضعية، متواضعة وغير ملحمية، باسم ملاحم كونية وخلاصية أخروية "نجادية" (نسبة إلى محمود أحمدي نجاد الايراني الحرسي المهدوي على زعمه).

وما كان عملاً سياسياً - عسكرياً أنجز جلاء حقيقياً لم يثبت على معانيه ووعوده المفترضة وربما الكاذبة، ولا رعاها. وهذا، أي الثبات والرعاية، هو امتحان العلاقات والمراجع التاريخية "الولودة". فما لم تؤيد "المرجع" التاريخي انجازات متتابعة، ومتغيرة بتغير الحاجات والظروف، ومستشرفة، ضمر المرجع وذوى، وتحول علامة على الخسائر التي تنزل بالبلد وجماعاته. والاحتجاج لقوة الحادثة التاريخية بعدد القتلى، وشجاعتهم وتضحيتهم، والاقتصار عليه، دليل على عقم الحادثة. فإذا هي لم تدخل في سياقة متجددة، وإذا لم تلد على نحو رمزي ما يستجيب حاجات جديدة، انقلبت حجة محافظة في خدمة نعرة مغلقة ومصالح جزئية فقيرة: تعيين حاجب من هنا، وتزفيت طريق تؤدي إلى بيت البك من هناك، وتخليص قاتل من محاسبة القانون، من هنالك. ويزاد على هذا، من وحي اليوم: تراكض المقاتلين المجربين على اجتياح حي أو ضاحية أو موقع دفاعاً عن "انجاز" سبق وكان ختام التاريخ قبل عقدين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها