آخر تحديث:13:01(بيروت)
السبت 25/05/2019
share

"المسحراتي" سيد مكاوي.. صوت الحواس المُبصِرَة

شريف الشافعي | السبت 25/05/2019
شارك المقال :
"المسحراتي" سيد مكاوي.. صوت الحواس المُبصِرَة شيخ الملحنين
في إمكان الموسيقى أن توقظ كل شيء، حتى اليقظة ذاتها، عندما تكون مشحونة بالنباهة، والتنبيه، والتقاط التفاصيل الدقيقة في الواقع المعيش، وصغائر العناصر المتوهجة النابضة في الخلايا الحية، ولعل هذا التوصيف ينطبق أكثر ما ينطبق على أنغام سيد مكاوي البسيطة حتى الهواية، المصرية حتى أقصى درجات الغواية والافتتان بالموروث الشعبي الباقي والبيئة المحلية الأصيلة.


لم يكن صدفة اقترانُ صوت "الحرفوش" مكاوي وأنغامه وطبوله وإيقاعاته بقصائد "المسحراتي" الشهيرة لأبي شعراء العامية المصرية فؤاد حداد على امتداد نهارات رمضان ولياليه لسنوات كثيرة، فالشيخ سيد (مايو/أيار 1928- إبريل/نيسان 1997) هو مسحّراتي الفن بمذهبه ورؤيته وبصيرته في جميع أعماله، بمعنى الانطلاق من منصة "الإيقاظ" والإدهاش والمباغتة، وتحريك الحواسّ إلى أعلى درجات الانتباه والإبصار والتنسُّم والإصغاء والتذوق والتحسُّس، وأقصى طاقات الاستشعار، وأعمق طبقات التفاعل مع الحالة التعبيرية هضمًا واستيعابًا واحتواءً.

انبنت فلسفة التجربة المهمة "المسحراتي"، شعرًا وموسيقى وصوتًا وأداء، على التقاط ثنايا ما هو ديني وحياتي في آن لصوغ ما هو فني وجمالي بأسلوب رشيق، فالمسحراتي الذي يحمل الطبل والمزمار هنا لا يكتفي بالتهليلات والابتهالات والأناشيد الدينية لإيقاظ المواطنين لتناول السحور، وإنما ينطلق من خلال مهمته الفنية إلى آفاق واسعة وموضوعات اجتماعية وسياسية متنوعة بحس نقدي لاذع، ومن ذلك مثلًا "الاستمارة راكبة حمارة"، التي يتهكم فيها المسحراتي على الروتين المصري الموروث منذ الفراعنة، والبيروقراطية التي تتحكم في المصالح الحكومية.


تمثلت عبقرية سيد مكاوي "مسحراتي، منقراتي، وأنا قلبي راضي، أنا قلبي رايق، أنا قلبي طايق، سبع طرايق"، في استغنائه عن الآلات الموسيقية تمامًا واكتفائه بطبلته الصغيرة التي يحملها مرتديًا عباءة المسحراتي الفقير، وبرفقته فتاة صغيرة ذات ابتسامة مشعة تحمل فانوسًا مضيئًا. هكذا تتجلى سمات مكاوي دائمًا في ألحانه، وصوته، فلا مجال للزخارف والحواشي والزوائد، فالفن هو تحقيق لحالة ما، بمحاولة إيجادها "كما هي" في وجدان المتلقي، أي أن التعبير عن معنى من المعاني، وتخليقه، يكادان يتماهيان، وهذه الآلية الفريدة في التلحين والغناء هي عجيبة مكاوي المفتون بالعجائب "عصر العجايب، جايب مجايب، جايب ما جاب لي، والمشى طاب لي، والدق على طبلي".

إن إطلالة سيد مكاوي الموسيقية والغنائية المُنعشة، على ما فيها خصائص جمالية وبصمات منفردة جديرة بالتحليل، تأتي عادة مقترنة بأسلحة الوعي والمعرفة والإيمان بدور الفن كأبرز مقوّمات القوة الناعمة، المؤثرة داخليًّا وخارجيًّا، ولعل تلك الثقافة التي دفعت مكاوي إلى أشعار فؤاد حدّاد، هي أيضًا التي ألهمته التعامل مع شاعر العامية صلاح جاهين ومخرج العرائس الرائد ناجي شاكر في أوبريت "الليلة الكبيرة" (1961)، أحد أبرز الملاحم المختزلة للعجينة البشرية المصرية.


لقد تفهّم مكاوي جيدًا بموسيقاه روح هذه التجربة التي كانت طليعية في وقتها، فالبشر أكثر تصديقًا للفنون التي تخاطبهم على نحو غير مباشر، وما تقوله العرائس السحرية التي تحركها الخيوط الخفية بحاجة إلى أنغام تصل السماء بالأرض، وتنقل المتلقي إلى واقع الملحمة الملموس "ليلة المولد النبوي"، وما فيه من طقوس وعادات وممارسات. وقد بلغت التجربة مداها الأقصى في التحقق والنجاح بقدرتها الفائقة على تلبية رغبات المشاهدين الشعورية واللاشعورية، فهم يتطلعون إلى تشريح ذواتهم وقراءة أحوال مجتمعهم، فالعرائس ليست مجرد دمى، بل هي أفئدة بشرية وأرواح محلّقة.

ومن خلال شخصيات "بائع الحمّص" و"المصوّراتي" و"مدرّب الأسود" و"العمدة" و"لاعب البخت" وغيرها، تحولت موسيقى مكاوي إلى رحيق مختوم بمذاق الحياة الشعبية في القرى المصرية "دول فلاحين ودول صعايدة، دول من القنال ودول رشايدة"، كما تدفقت المشاعر الجياشة والرغبات الإنسانية بفعل طزاجة الخيال وقوة الأساطير، وتفجرت الرسائل الجريئة والانتقادات السياسية والاجتماعية بحريّة وطلاقة، على نحو ربما لم يكن متاحًا في عمل فني آخر في ذلك العهد الناصري.

إن من أسرار موسيقى مكاوي، كما في خفايا الدمى والعرائس التي حرّكتها أنغامه، أن الفن والحياة صنوان ذائبان في تركيبة العمل، وكل ما يخص المصريين من تراث ومعتقدات وعادات وتقاليد وفكاهة يمكن صوغه في قوالب فنية، كما أن النكات والقفشات والكاريكاتير بمقدورها أن تتحول إلى ثيمات موسيقية وغنائية مرنة انسيابية، بما يمنح المستعمين فرصة للتحرر من قيود الذات والفكاك من الرصانة الزائفة، واستشراف الأشياء والظواهر على طبيعتها.

هذه الملكات المكاوية، فطرية في أساسها، وقد نمت وتغذت بفعل التجربة والتعلم بطبيعة الحال، ومما لا شك فيه أن فن مكاوي تأثر بانتمائه إلى شلة "الحرافيش" من أصدقاء نجيب محفوظ المقربين ورفقائه الدائمين في جلسات المقاهي الدورية، فصار الموسيقار البريء النقي من ملوثات التغريب وثيق الصلة بالمهمّشين والعاديين، بما أكسبه مزيدًا من البكارة والتلقائية والتوحّد بروح المشترك الجمعي، في وقت كانت فيه الموسيقى الرصينة الفخمة "المعتمدة رسميًّا" مليئة بالصناعة والزخارف والتوزيعات الثقيلة وما إلى ذلك.

وحتى في تعامله مع أم كلثوم، لم ينجرف مكاوي إلى قدراتها الاستعراضية وملكاتها الخرافية التي تكاد تفوق أصوات البشر مجتمعة في قوتها وتنقلاتها، فقدم لها "يا مسهرني" بروح طفولية مشرقة تفيض بالدلال والسلطنة خارج البرواز، على نحو مختلف عن أدائها التطريبي القديم، كما أنه مختلف عن غنائها التعبيري في مرحلة عبد الوهاب وبليغ حمدي، كما لحّن لها في الإطار ذاته "أوقاتي بتحلو"، لكن أم كلثوم رحلت قبل أن تغنيها، فغنتها وردة.


من أبرز سمات فن سيد مكاوي، حافظ القرآن وقارئه ورافع الأذان، نهله منذ بواكيره الأولى من البيئة المحلية بروافدها المتنوعة، وفنونها التلقائية والشعبية الموروثة، كما في الموالد والاحتفالات القروية وحلقات الذكر والتصوف والإنشاد الديني والابتهالات والتواشيح وغيرها، الأمر الذي حوّل تجربته إلى محطة مهمة للانتقال بالموسيقى والغناء من الفوقية المزعومة إلى الجريان كالماء على ألسنة العوام، حتى مع اقتران ألحانه بأشعار دسمة صعبة، كما في "الرباعيات" لصلاح جاهين على سبيل المثال، التي قدّماها لإذاعة صوت العرب في نهاية الستينيات من القرن الماضي.

من ملامح تميز سيد مكاوي أيضًا انتصاره الجنوني لما هو شرقي من مقامات وآلات وتوزيعات وخلافه، وندرة تفاعله مع الوافد الغربي، بدون أن يوقعه ذلك في دائرة التنميط والتكرار وضيق الأفق، وهذه النزعة الشرقية المقرونة بالبساطة الشديدة والمصرية العميقة دفعته لانتقاء أصوات بعينها للتعامل معها لتوصيل فلسفته الموسيقية المغايرة، من قبيل محمد عبد المطلب "اسأل مرة عليّا"، وشريفة فاضل "مبروك عليك يا معجباني يا غالي"، وشهرزاد "غيرك إنت ما ليش".

جاءت قدرة موسيقى مكاوي الفذة على الإبصار والاستبصار عاملًا مهمًّا وراء اتجاهه إلى التلحين الدرامي، فبعد "الليلة الكبيرة" و"المسحراتي"، انتقل مكاوي إلى مقدمات المسلسلات التليفزيونية الشهيرة، وحلقات "فوازير رمضان" الاستعراضية الدرامية، بالإضافة إلى إسهاماته الكثيرة في المسرح كما في "مدرسة المشاغبين" على سبيل المثال، التي حققت أغنياتها نجاحًا منقطع النظير، وامتزج الحس الفكاهي لديه بالتعبير عن المواقف والمفارقات بتشخيص موسيقي ناطق، يمثل ظاهرة حقيقية في إمكانية تطويع الأنغام لتصف وتحكي وتفصّل الأحداث.

سيد مكاوي، حالة صوتية وموسيقية بالغة الفرادة، وتجربة لم تعن بالتوسع والتمدد والاستعراض بقدر ما كثفت قدراتها ومواهبها الاستثنائية لتقديم منجز ثريّ الأوراق الخضراء وارف الظلال، عميق التجذر في التربة المحلية الخصبة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها