آخر تحديث:13:26(بيروت)
الجمعة 05/04/2019
share

حسين بن حمزة لـ"المدن":حزين لفقدان لقب صاحب الديوان الوحيد

محمد حجيري | الجمعة 05/04/2019
شارك المقال :
  • 0

حسين بن حمزة لـ"المدن":حزين لفقدان لقب صاحب الديوان الوحيد النشر في فايسبوك يشبه أن تكتب لنفسك
بعد نحو عقدين على ديوانه الأول "رجل نائم في ثياب الأحد"، (عن دار الجديد 1997، طبعة ثانية دار أثر 2018)، أصدر الشاعر والصحافي حسين بن حمزة، مجموعته "قصائد دون سن الرشد" (دار أثر)، تتضمن مجموعة قصائد تميل الاختزال و"الجموح" في الحذف إلى جانب الاكتشاف والتلميح، بل تقدّم تبريراً لفعل الكتابة وعلاقة الشاعر بالقصيدة وشكلها وزمنها وطريقة نشرها، هي مجموعة يمكن اعتبارها فعل استئناف لكتابة الشعر، وربما مقدمة لمشروع جديد.
وكان لـ"المدن" معه هذا الحوار:

- حين وصلت الى بيروت قبل ربع قرن تقريباً، أصدرتَ ديواناً مقتضباً، وحين هاجرت إلى ألمانيا، بعد مدة قليلة أصدرت ديوانك أو مجموعتك الثانية. بمعنى آخر، هل الشعر مفتاح لحياة جديدة، لمدينة جديدة، لعالم جديد؟

* وصلت إلى بيروت وكان معي مخطوط ديواني الأول. كان جاهزاً للنشر وأنا في سوريا، لكني كنت أريد أن يُنشر في بيروت. وأعني هنا بيروت كفضاء ومزاج ثقافي وشعري. لسبب ما، كنت أظن أن الموجود في الديوان ينتمي أكثر إلى هذه الـ"بيروت" التي قرأت أجزاء من منتجها الشعري والصحافي حين كنت لا أزال طالباً في جامعة حلب، ومشاركاً هناك في "الملتقى الأدبي" الذي اشتُهر حينذاك بوجود جوّ شبابي وتجريبي ونشيط للكتابة. أظن أن هذا التجريب إلى جانب المزاج الخاص الميّال إلى الشغل التفصيلي المستمر على الكتابة، هو الذي دفعني للقدوم إلى بيروت. كانت المدينة أشبه بحلم شخصي، وهي التي –يمكنني القول– منحتني لاحقاً اسماً وسيرة ذاتية في عالم الكتابة.

في ألمانيا، حيث وجدتُ نفسي مكرهاً على النزوح ومغادرة بيروت، كانت معي قصائد غير منشورة تكفي ديواناً ثانياً، لكن ظل مزاجي الكسول في النشر مستمراً. الديوان يضم قصائد مكتوبة قبل الهجرة إلى ألمانيا. أنا أصلاً مقلّ في الكتابة، كما أني انقطعت لفترات طويلة ومتقطّعة عن الشعر. لكني انتبهت بمرور الوقت أن ثمة عناصر وجزئيات من المكان الجديد تتسرّب إلى الكتابة. لستُ معجباً بفكرة المنفى وتحويلها الى بضاعة شعرية سريعة ومضمونة المردود. لقد حدث ذلك ببطء يشبه كسلي وبطئي في الكتابة. وحدث ذلك أيضاً بطريقة ليس فيها إصغاء فوري إلى قالب جاهز وعمومي يقدّمه لك المنفى. نعم كان ذلك مفتاحاً لعالم جديد، وفرصة لحكّ التجربة السابقة مع هذا العالم. إحساس كأنك تبدأ الكتابة، ولستَ تستأنفها. أحس أحياناً أني شاعر جديد، أو أن الشاعر السابق في داخلي عثر على هواء جديد، أو حياة إضافية يمكنه أن يبدأها من هنا. وربما هذا شجعني أولاً على إصدار طبعة ثانية من ديواني الأول، كنوع من إعادة الصلة بتاريخٍ شخصي لشعر، ثم نشر ديوان ثان الآن.
لسنوات طويلة كنتُ صاحب الديوان الوحيد. كنت أحب هذا اللقب أو هذه الصفة، وأنا حزينٌ فعلا لفقدان هذا اللقب.

- تميل الى الاختزال في كتابتك إلى درجة يتجاوز أحياناً الاختزال في قصائد الهايكو، هل القصيدة هي ما لا نقوله، أو إصغاء المرء لنفسه؟

* لطالما كان الحذف والاختزال أمراً ممتَدَحاً في الشعر. الاختزال.. الحذف.. البطء .. القلّة.. المكوث في الظل. بالنسبة إلي، هذه صفات لمزاج شعري وشخصي أيضاً. أحب هذا في نتاج الآخرين الذين أحب أشعارهم أيضاً. أخاف عندما تبدو القصيدة التي أكتبها مرشّحة للاستطراد بدون فاعلية شعرية. غالباً ما أبدأ بجملة أعرف بشكل ما أنها لن تأخذ وقتاً طويلاً في إيجاد خاتمة أو قفلة مناسبة.

- هل تعتبر أن الحذف هو بيانك الشعري، خصوصاً أنك تقول:
"أنا وحشة الكلمات الزائدة
التي يحذفها الشعراء
لكي تصبح قصائدهم أجمل"؟ 
بل تقول: "لا يحتاج الشعر الى كتابة"؟
وانت تخاطب امرأة ما، تبدو أيضاً متماثلة مع نظرتك للشعر. في إحدى قصائد الديوان الجديد تقول:" أُفضّلها مثلكِ/ نحيلة، ومائلةً إلى القِصَر/ قصائد النثر"؟

* هذه لعبة بين الشاعر وبين الكلمات. أحب أن أكتب شيئاً عن الكتابة أثناء الكتابة. بين الشاعر وبين الكلمات أو المعجم، تنشأ ورشة شخصية صغيرة. هناك، يداوم الشاعر باستمرار، أو ينقطع عن الدوام، أو يأخذ عطلات طويلة مثلما فعلت أنا. في العودة إلى العمل والكتابة، وكنوع من الإحماء الشعري، كنت أجد نفسي من دون تعمّد، أكتب شيئاً عن التوقف والانقطاع. هناك متعة يصعب وصفها في هذا النوع من الكتابة. في إحدى قصائد الديوان الجديد مكتوبٌ أيضاً: "تركتُ الشعر منذ سنوات\ ولكن قصائدي القديمة\ لا تزال تخدمني". لفترات طويلة كنت أصدّق هذا، وأعيش على "سُمعة" ديوان أول ووحيد، قيل إنه جيد.

- هل يمكن القول إن الديوان الجديد يبدو أحياناً وكأنه تبرير أو وصف لفكرة التوقف عن الكتابة؟

* هذا سؤال يمكن أن يلخّص جزءاً كبيراً من فكرتي عن الكتابة والشعر. أن أكتب وأن أتوقف وأن أعود. كلُّ هذا كان بالنسبة لي كتابة. فكرتي عن الكتابة هي فكرة شخصية جداً. فكرة ربما يصعب إقناع الآخرين بها. فكرة لا أحب أن تكون في الضوء سواءً كتبت أو لم أكتب. سواء نشرت أو لم أنشر. ليس لدي طموح لمراكمة شيء أو البناء عليه. كان يمكن فعلاً أن لا أنشر أبداً، أو أن لا أنشر ديواناً ثانياً الآن. التبرير صفة مغرية يمكن أن أتبنّاها، وهي صحيحة إلى درجة كبيرة. أن تكون شاعراً بينك وبين نفسك، حتى وأنت تنشر وتعلن ذلك للقارئ أو للآخرين.  

- تقول في شهادة نُشرت في "أخبار الأدب" المصرية: بالنسبة إلي، تحايلتُ على كسلي في الكتابة بالإصغاء إلى الشعر الذي يُؤلَّفُ من قبل أشباهي وأقراني، سواء من مجايليَّ أو ممن سبقوني أو جاؤوا بعدي. لسنوات طويلة، تحدثتُ مع شعر الآخرين وعاملَني شعرُهم بالمثل"... هل فعلاً النقد والعمل الصحافي وقراءة الآخرين، أسباب لابتعادك عن كتابة الشعر طوال سنوات، أو لنقل لعدم نشرك الشعر؟

* نعم .. حدث هذا فعلاً. لقد أخذ النقد ومتابعة الشعر والكتابة عنه في الصحافة الثقافية مساحة واسعة، لكني لا أنظر إلى هذا على أنه شيء سلبي. القراءة.. قراءة الشعر الجيد هي نوع من الكتابة اًيضاً. كتبتُ ذات يوم في صفحتي في فايسبوك: "لا أكتب.. لأن آخرين يكتبون ما أحبّ أن أكتبه". هذا ليس ادعاءً فضفاضاً أو طُرفة عابرة. بالنسبة إلي، القراءة توازي الكتابة، وفي قراءة تجارب شعرية ثمينة وعالية الجودة (قد) تتفوق القراءة على الكتابة. عندما يُنشر ديوانٌ جيد، فهذا قد يُوقفك عن كتابة ما تكتبه أحياناً، أو يُزعزع فكرتك عن الكتابة، وهي فكرة مزعزة أصلاً!

- رغم ما تقوله عن الانقطاع والكسل، لكنك تنشر في فايسبوك. هل غيّر الفايسبوك شيئاً في النبرة أو في القارئ أو في مزاجك؟

* بمقاييس فايسبوك وأجواء وسائل التواصل، أنا شاعر غير فايسبوكي، لكن النشر في صفحتك الشخصية يشبه إلى حد ما أن تكتب لنفسك. صحيح هناك تفاعل وإعجابات، لكن هذا يظل عالماً افتراضياً لا يمكن التثبّت من قيمته الحقيقية، كما أنه لا يُخرجك تماماً من عزلتك، ومن كسلك الشخصي، ولا يؤثر كثيراً في مزاجك الكتابي. أنت تنشر من دون أن يدخل ذلك في سيرتك المهنية حين تنشر ديواناً لدى دار نشر، ويصبح ملموسا ومتداولاً وحقيقياً.

- شكلت الأحداث في سوريا منعطفاً في الكتابة الروائية والسردية والشعر، وبشكل ما تبدو بعيداً مما جرى؟

* لا أعرف ما إذا كان قد حدث منعطف في الكتابة. التغير في الكتابة وفي الأساليب يحدث ببطء وبإيقاع مختلف عن التغير في الواقع. هناك تغيرات طبعاً، ومحاولات لاستكشاف مناطق سردية وشعرية لم تكن مجرّبة بهذه الكثافة التي فرضتها الأحداث. قد أبدو بعيداً كما تقول بسبب طبيعة ما أكتبه ربما. ليس هذا تبريراً أو حجة. لقد كتبت مقاطع وقصائد تحضر فيها تفاصيل وإشارات إلى ما حدث ويحدث. كما أن الشاعر يمكنه أن يتحدث عن الواقع والأحداث بطرق أخرى غير الشعر. في الشعر يصعب أن تحصل على مواد شعرية صافية وصالحة في أزمنة تراجيدية ومهولة كهذه. ربما في السرد هذا متاح أكثر. في كل الأحوال، لست ميّالاً لكتابة شيء لا يشبه فكرتي عن الكتابة، التي هي فكرة خافتة ومختزلة ومكتفية بالعيش في الظل.
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها