آخر تحديث:13:16(بيروت)
السبت 02/02/2019
share

حين كانت أسماء الوحوش تحمينا

محمد حجيري | السبت 02/02/2019
شارك المقال :
  • 0

حين كانت أسماء الوحوش تحمينا "إننا لا نسمي أبداً، بل نصنف الآخر... أو نصنف ذاتنا، والأغلب أننا نفعل الشيئين معاً"
في كتابها "حصن الاسم/ قراءات في الأسماء العربية"(1) تشير الباحثة الفرنسية جاكلين سُوبليه إلى أن آدم، له في العربية أسماء عديدة، فهو أبو البرية، وهو أبو البشر، ويطلق عليه الشاعر جلال الدين الرومي عليه لقب "علّم الأسماء بك"، رجوعا إلى الآية "وعلم آدم الأسماء كلها". واسم العلم في العصر الوسيط يشتمل على هذا النحو ما تطلبه الشمولية: معرفة كل شيء، وحصر كل شيء، وتسجيل كل شيء، في الذاكرة من خلال اعلام الأشخاص، ومن هنا برزت الحاجة إلى جمع عامة أسماء الإعلام في أدب تراجمي ازدهر ازدهاراً خاصاً في ديار الإسلام وكان الحد الأدنى فيه كتابة اسم في حاشية مخطوطة وحده الأقصى تأليف هذه الموسوعات التراجمية التي حددت ما يزيد على مئة ألف شخص بلُغتنا ونبذة عن حياتهم.

وقد كانت أصول الأسماء ودلالاتها موضع بحوث شيقة لبعض الكتّاب القدامى الذين عني معظمهم بالبحث في معانيها اللغوية، مثلما فعل ابن قتيبة في "أدب الكاتب" إذ خصص باباً لشرح "أصول أسماء الناس"، واضطلع ابن جني في كتابه "المنهج في تفسير أسماء شعراء ديوان الحماسة" بتفسير الكثير من أسماء العرب القديمة التي لم يزل بعضها شائعاً إلى الآن مثل عثمان وجعفر وعمرو. وقد خصص الابشيهي في "المستظرف في كل فن مستظرف" باباً كاملاً لتفسير الأسماء والكِنى والألقاب، بينما حاول القلقشندي في "صبح الاعشى" وعلاء الدين السكتواري في "محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر"، تحديد أول من سموا ببعض الأسماء الشائعة.

و"الأسماء ضروب" قال الجاحظ، وقد اختلف النحاة في أصل اشتقاق الاسم. فذهب الكوفيّون إلى أنّه مشتقّ من ‏(‏وَسَمَ ‏يَسِمُ)‏، والوسم: هو العلامةُ، والعلامة عندهم تغلب على السُّمُوُّ والرفعة في المعنى.‏ وذهب البصريون إلى أنّه مشتق من ‏(‏سما يسمو)‏، والسموّ: هو العلوّ والرفعة. وبذلك يكون أصل الاسم على رأي الكوفيين ‏(‏وَسْماً)‏ حُذفت فاؤه ـ التي هي الواو ـ ‏وعوّض عنها بالهمزة، وإنّما سُمّي اسماً; لأنّه سمة وعلامة توضع على الشيء، يعرف ‏بها.‏ وأمّا البصريون فأخذوه من السُّمُوّ على وزن العُلُوّ والغُلُوّ، ثم حذفت لامه ـ التي هي ‏الواو ـ وعوّض عنها الهمزة في أوله، وسمي اسماً: لأنّه‎ سما بمسمّاه فرفعه وكشـف معناه، وقيل: سمّي بذلك لعلوّه على قسيميه ـ الفعل والحرف.‏

والاسم المصوغ متعدد العناصر، يراد له أن يأتي كاملاً. يبدو في موسوعات التراجم شاهداً، بل يبدو جملة من البيانات التي يحكى بها اجتناب الوقوع في فخ الاشتراك أو الخلط بين هويات شخصيات عديدة. والاسم عناصر متعددة، من الاسم، واسم الأب، واسم الأجداد والكنية واللقب، وبعد ذلك تأتي النسبة وهي عبارة عن صفة تختم بياء، النسب المشددة أو بألف ونون وياء مشددة، ويلي ذلك التاء في حالة التأنيث. والنسبة تفيد أن الرجل ولد في هذا المكان، أو يمارس مهنة الجد أو ينتمي إلى مذهب وقبيلة.

وعمل كاتب الترجمة الذي يدون اسم الشخص المتوفى لأول مرة، على عناصر اسمه وتواريخ حياته. هذا العمل يتم مثلما تتم كطقوس الحداد التي يتحدث عنها الانثروبولوجي ليفي شتراوس(2)، فهذه الطقوس وهذا التدوين لتحويل رجال انقطعوا عن الحياة إلى أسلاف، أما في دنيا الأحياء وفي مصنفات التراجم  فإن سلسلة النسب تبدو أبوية، أما في الآخرة فإنها ستكون أموية. وشتراوس أيضا كان يعتبر"إننا لا نسمي أبداً بل نصنف الآخر... أو نصنف ذاتنا، والأغلب أننا نفعل الشيئين معاً".

***

لقد كانت معرفة الأنساب منذ عصر الجاهلية أمراً يعنى به النسّابون عناية كبيرة ثم استمرت في عهدة الإسلام فكانت فرعاً من التاريخ، فالقبيلة في أصلها لها نسب يرقى بها إلى جد وهو مأتى اسمها، والحسب والنسب هما مظهران لفكرة واحدة هي الشرف العائلي، وفكرة النسب ترتبط بمفهوم مهم وهو مفهوم العصبية يصل في الأصل عقلية القرابة القائمة على الوشائج العائلية والقبلية. وهذا مما أفاض في بيانه ابن خلدون فهو يجعل من عقلية القراءة هذه عصبية تتجاوز حدود القرابة وتحرك الجماعات التي تلتقي في مصالح مشتركة، ودور الاسم أساسي ليحدد الشخص موقعه من شبكات القرابة. 

ويروي الأديب المصري عباس محمود العقاد أن السير رونالد ستورز أقام طويلاً في القاهرة، واشترك في الكثير من حوادث مصر والشرق الأدنى قبل الحرب العظمى وبعدها، وأعطى نفسه نصيباً وافياً من المتعة بالأدب والفنون ولاسيما الموسيقى والتصوير إلى جانب اشتغاله بالسياسة خافيها وظاهرها، ثم أصدر كتابة "تشريقات أو مشرقيات"، وضمنه تاريخ حياته في مصر وفلسطين وقبرص وبلاد العرب وغيرها من الأقطار الشرقية القريبة، وخلال القراءة توقف العقاد عند ملاحظة كتب عنها مقالاً ونشره في مجلة "الرسالة" المصرية(3)، وهي عن أسماء الخدم والخصيان في قصر الأميرة نازلي وغيره من القصور، وهي أنها "محصورة في محاكاة الجواهر والرياحين قلما تخرج عنها، لأنني عنيت بهذه الأسماء في بعض الأوقات ودار البحث فيها بيني وبين أناس من المشتغلين بعلم النفس في المدارس المصرية العليا، فعللوها تعليلاً يخالف ما اعتقدت ولا يوافق المتواتر عن تاريخ الزنوج والعبيد كنا في إحدى المكتبات العامة فدخل إليها خادم زنجي له اسم من أسماء الجواهر، فقال أستاذ واقف معنا: ألا ترون (مركب النقص يفعل فعله في أسماء هؤلاء الخدم؟ إنهم يشعرون بما لهم من بخس القيمة فيعوضونها بنفاسة الأسماء!)".. يقول العقاد إن هذا التعليل كان يستقيم على ذلك الوجه لو أن الخدم الزنوج يختارون الأسماء لأنفسهم ولا يختارها لهم النخاسون والسادة الذين يشترونهم، لكن الواقع أنهم يسمون بغير علم منهم، وعلى غير معرفة باللغة العربية ولا بأسماء الجواهر والرياحين فيها أو في غيرها وإنما الحقيقة على ما يبدو لي أن رغبة السادة هي الملحوظة في التسمية لا رغبة العبيد والخدم المبيعين، ولهذا يقصرون تسمية العبيد على نوع من أربعة أنواع بين الأسماء: المقتنيات النفيسة وما شابهها من الرياحين الجميلة، أو ألفاظ التفاؤل، أو الشهور والأيام التي تم فيها الشراء أو تمت فيها الولادة، وإلا فكلمة عبد مضافاً إليها اسم من أسماء الله الحسنى كعبد الله وعبد الكريم وعبد الباسط وما يشعر بالتفاؤل والدعاء خاصة فالخصيان والعبيد يسمون بجوهر وفيروز ومرجان وياقوت ولؤلؤ وألماس كأنهم قنية نفيسة يباهي بها صاحبها؛ ويلحق بهذا تسميتهم بريحان وكافور ونرجس كأنهم من أدوات التجمل والزينة في البيوت فإن لم يكن هذا فهم يسمون بما يدل على التفاؤل والاستبشار بالخير بعد شرائهم. وكان المغاربة يعطون لجواريهم أسماء جميلة مثل: الياقوت، جوهرة، الياسمين، العنبر، الغالية، عود الورد، الخيلي عندما كانوا يملكون الارقاء إلا انه منعت تجارة الرقيق بالمغرب سنة 1935 فلم يبق ثمة إطلاق هذه الأسماء عليهن...

***

وللأسماء عند العرب فلسفة خاصة منذ القِدم، فقد ذكر ابن دريد في الاشتقاق أن العتبي سئل: ما بال العرب سمت أبناؤها بالأسماء المستشنعة وعبيدها بالأسماء الحسنة؟! قال: سمّت أبناءها لأعدائها وسمت عبيدها لنفسها. والجاهليون كانوا يحبّذون الغرابة في أسمائهم، وقد علل الزمخشري سبب ذلك قائلا: ‏كُلَّما كان الاسم غريباً، كان أشهر لصاحبه... و‏يسمّي العربي ابنه بأسماء الوحوش أو الحشرات أو النبات، أو أنّه يسمّيه بأسماء مبهمة ‏وقبيحة، لأنّ أكثر أسماء العرب منقولة عمّا يدور في خيالهم...

واختلفت نظرة المستشرقين عن نظرائهم من الباحثين العرب في تفسير تسمية القبائل العربية وانتسابها في النهاية لأسماء حيوانات، إلا أن واحدًا من أهم علماء الأنساب في التاريخ، المستشرق الاسكتلندي روبرتسن سميث، ذهب في كتابه "دين الساميين"، إلى أن العرب ترجع أصولهم إلى قبائل "الطوطمية"، شأنهم في ذلك شأن نفس القبائل البدائية المتوحشة في أستراليا وأفريقيا وأميركا الذين كانوا ينتسبون إلى آباء من الحيوانات والنباتات، وكانوا يعبدونها ويتسمون بأسمائها. وبنى سميث نظريته في طوطمية العرب(4) على انتشار أسماء قبائل مثل بني أسد، بني ثعلب، بني جحش، بنو جراد، بنو قرد، بنو كلب، بني حمامة، وذهب سميث في تأكيد روايته عن "طوطمية" العرب إلى أنهم لم يكن عندهم عائلات تنتمي لذكور من الأساس، ولم تكن أنسابهم تتصل بالآباء، بل كان الزواج عندهم على نفس النهج المتبع في بلاد التيبت، وذلك بأن تتزوج المرأة برجلين أو أكثر، وأولادها لا ينسبون لأحدهما، بل ينتسبون إلى القبيلة نفسها.

ووافق سميث على تصوراته، أهم المستشرقين من أمثال ويلكن ونولدكه، اللذين اعتبرا أن الأسماء المؤنثة للقبائل العربية تشير إلى نظرية الأمومة التي تؤكد أن العرب لا ينتسبون إلى رؤوس عائلات من الذكور. وعمل جرجي زيدان، المؤرخ اللبناني في موسوعته "تاريخ التمدن الإسلامي" على تفنيد تلك الرؤية، وانتهى إلى أن سميث استشهد بأدلة ضعيفة، ونوادر من تاريخ العرب، فجعل الشاذ من المرويات قاعدة، بينما أغفل المسلّمات العامة التي أجمع عليها النسابون العرب، لا سيما أن حكايات العالم القديم أغلبها مأخوذ من الخرافات المأثورة عن الأسلاف. وأكد زيدان أن الرواة العرب معروف عنهم أنهم لا يقبلون رواية إلا بعد تحققها بالإسناد الصحيح، وفقًا لمنهج عملهم في تحقيق الأحاديث النبوية الصحيحة، وخاصة في صدر الإسلام، لاعتمادهم على الذاكرة وإغفالهم الكتابة. وأرجع ما قاله سميث عن طوطمية العرب للغة السائدة في ذلك التوقيت والتي كانت تجتهد في إثبات مبدأ الارتقاء وإرجاع كل شيء إلى الطبيعة.

وفي تأويل لأسماء القبائل التي تحمل أسماء حيوانات (بنو أسد، بنو ضب، بنو فهد، بنو كلب، بنو حداء، بنو نعامة) رأيين على حد قول الباحث عبد المعيد خان، الأول أن هذه الأسماء هي ألقاب لأشخاص تاريخية معروفة، "مثال ذلك أن بني كلب اتخذوا لقبهم عن شخص تاريخي معلوم وهو كلب بن وبرة بن ثعلبة جد قضاعة"(5). والرأي الثاني مفاده أن لهذه الأسماء معاني دينية لها علاقة بعبادة الحيوانات، وفي دلالة هذه الأسماء فإنهم كانوا يسمون الأولاد باسماء الحيوان ظناً منهم أنه يحفظهم من أعين الإنس والجن، وهذا ما يسمونه "بالنقير". وتأكيداً على الرأي الثاني، فإن بعض قبائل العرب تسمت بأسماء آلهة كبني هلال وشمس وبدر والحيوانات التي تسمى بها البعض الآخر هي في الأصل كانت معبودة عندهم.

تاريخيًا، لم يكن سميث أول من نقب عن أسماء القبائل ودلالتها، بل سبقه الجاحظ في كتابه الحيوان. يقول الجاحظ: والعرب إنّما كانت تسمّى بكلب وحمار وحجُر (جمع حجَرٌ أي الأنثى من الخيل) وجُعل (ضرب من الخنافس) وقرد على التفاؤل بذلك وكان الرجل إذا وُلد له ذكر خرج يتعرض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنسانا يقول ذئبا، تأوّل فيه الفطنة والخبث والمكر والكسب، وإن كان حمارا تأوّل فيه طول العمر والوقاحة والقوّة والجلد وإن كان كلبا تأوّل فيه الحراسة واليقظة وبعد الصوت والكسب وغير ذلك…

ثمّ يمضي الجاحظ في تعداد الأسماء التي يبدو بعضها اليوم غريباً أشدّ الغرابة "أنّ العرب قد سمّوا كذلك بليث وأسامة وضرغامة وتركوا أن يسمّوا بسبع وسبعة وسبع وهو الاسم الجامع لكلّ ذي ناب ومخلب كما نراهم يسمّون الرجل جملا ولا يسمونه بعيراً ولا يسمّون المرأة ناقة ويسمون الرجل ثورا ولا يسمون المرأة بقرة، ويسمون الرجل حمارا ولا يسمون المرأة أتانا ويسمون المرأة عنزا ونعجة ولا يسمونها شاة… والمرأة تسمّى كبشة وكُبيشة والرجل يُكنّى أبا كبشة.

يروي الجاحظ حادثة تشير إلى الاعتقاد بالعلاقة الطوطمية حين يقول: "قلت مرة لعبيد الكلابي وقد أظهر من حبّ الإبل والشّغف  بها ما دعاني إلى أن قلت: أبينها وبينكم قرابة؟ قال نعم، خؤولة، إني والله ما أعني البخاتي ولكنّي أعني العراب التي هي أعرب. قلت له: مسخك الله  تعالى بعيرا، قال: الله لا يمسخ الإنسان على صورة كريم، وإنما يمسخه على صورة لئيم …"(6) وانتهى النزاع.

أما سميث في معرض بحثه فلم يشر إلى مصادر عربية تاريخية أدلت بدلوها في هذا الأمر، ولم تترك فيه تفصيلة إلا وجاءت بشرحها، وخاصة ابن خلدون في كتابه تاريخ ابن خلدون، وما قاله كمال الدين الدميري في "حياة الحيوان الكبرى" والذي شرح فيه تفصيليًا لماذا تمسّك العرب القدامى ببداوتهم لأقصى درجة، ولذلك كثرت عندهم الأسماء ليست فقط التي تستلهم سمات الحيوان، بل كانت هناك المتعلقة بالحروب، كحرب ونصر وعدوان وعبس وأشجع وسهم وصخر.
 
(1)   جاكلين سوبليه، المعهد الفرنسي للدراسات العربية – دمشق 2003 .
(2)  المصدر نفسه.
(3)  عباس العقاد، فلسفة الأسماء، مجلة الرسالة.. (العدد 226).
(4)  أحمد فوزي سالم "طوطمية" العرب: لماذا سمى العرب أبناءهم بأسماء حيوانات، موقع "إضاءات".
(5) عبد المعيد خان، "الأساطير العربية قبل الإسلام"، مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة.
(6)  المصدر نفسه.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها