السبت 2014/10/04

آخر تحديث: 12:47 (بيروت)

CO2 يكمل عروضه في قاع "المسبح"

السبت 2014/10/04
increase حجم الخط decrease
"نهار في المسبح"، عرض انتظره كثيرون ربما ولم يحضره سوى البعض. عنوانه يرنّ في الأذن ومكان عرضه ليس عابراً في الذاكرة اللبنانية. فندق "سان جورج"، ذلك البناء الذي يصرّ أصحابه على بقائه كما هو، فارغاً من الروح، واجهة جميلة ومضاءة، تظهر وراءها غرف معتمة وموحشة. لم يأت سوى عدد قليل من الناس، ربما لأنها عشية العيد. تمدّدوا على الـ"شيزلونغ" المحيطة بمسبح فارغ. الموسيقي اللبناني شربل الهبر يجهّز مساحته في قلب المسبح/المسرح. كرسي واطئ وغيتار إلكتروني ومنشفة ملفوفة إلى جانبه على أرض المسبح. بينما كانت الكوريغرافية النروجية هيليه سيلجهولم، تحضّر جسدها لعرض سيستمرّ لأكثر من نصف ساعة بقليل.

الجمهور المطّلع على الحداثة والمنفتح على أكثر أنواع الإبداع غرابة، يبدو مجهّزاً للتمدّد على الـ"شيزلونغ" لحضور عرض موسيقي راقص. وفكرة المسبح الفارغ تمتعه أكثر مما تثير دهشته. إلا أن تلك الجاهزية لا تبدو كافية لإنجاز عرض فني ضمن فعاليات CO2، المهرجان الذي ينظّمه المدير الفني لـ"مقامات" عمر راجح بالتعاون مع السفارة النروجية في لبنان ويستمرّ حتى الغد 5 تشرين الأول/أكتوبر.

يبدأ العرض من المسبح وينتهي فيه. الراقصة النروجية، هيليه، تجلس على حافة المسبح. تخرج من حقيبة البحر الخفيفة شعراً مستعاراً بلون فاقع وتضعه على رأسها مخفية شعرها الأشقر. ثم تبدأ بالتدلّي بحركات راقصة بطيئة الإيقاع لتستقرّ شيئاً فشيئاً في القاع. تدور على جسدها المطواع والمرن فتصبح غير متاحة لمن يجلس وراءها بالضبط. تدور وتدور لتصل إلى الطرف الآخر فتختفي عن أنظار المتمدّدين خلفها في الطرف الآخر. شربل يعزف موسيقى مونوتونية فيزيد من ثقل الإيقاع. ذلك البطء، وسط مدينة كبيروت وفي ظروفها الراهنة، يبدو مستفزّاً بعض الشيء لجمهور يضجّ نهاره بالأحداث والأخبار والزحمة والزمامير وأصوات العمار والمأزق الاقتصادي والسياسي. بطء ثقيل لا يتماشى مع سرعة نبضات القلب ومع صبر المتفرّج.

الراقصة تتكوّر على نفسها في زاوية المسبح، فيتخلى شربل عن كرسيه أيضاً تاركاً آلته الموسيقية تعزف وحدها، لحناً رتيباً يشبه الصباح، يخلع كنزته، يمدّ منشفته في القاع أيضاً، غير بعيد عن هيليه، ويستلقي. يتأملهما الجمهور بانتباه، منتظراً مفاجأة ما. منتظراً العرض الراقص أو الموسيقي أو الفني أو أي عرض كان. ثم يطول انتظار الجمهور. ثم تشرد العين، وتنسلّ الروح من مكان العرض وينفلت الإيقاع غير المحكم بالأصل. ما زال الفنانان مستلقيين. حتى ليخيّل لنا أنهما ناما ربما، بل استغرقا في النوم. بعد دقائق، ينهضان من جديد. شربل يرتدي كنزته ويعود إلى كرسيه الواطئ. هيليه تخلع كنزتها وتبقى في لباس السباحة. تدور حول المسبح ببطء، ببطء.. ثم تعيد دورتها لكن هذه المرة، بالعكس. كأن الزمن يعود إلى الوراء. تعود هيليه أدراجها كأنها جزء من مشهد مسجّل مسبقاً. ثم تنسحب من المكان وتمشي باتجاه مسبح آخر ممتلئ. تلاحقها نظرات الجمهور القليل. لا نراها وهي تغطس في الماء، لكننا نراها بعد ثوان عائدة لتحيي الناس بصحبة شربل.

يبدو العرض عصياً على الاستيعاب. أو أنه يفوق طاقات البعض (وأنا منهم) الذهنية. عرض ينتمي إلى الرقص الحديث. يعيد طرح أسئلة عن هذا الرقص الحر المتمرّد على كل أشكال الخضوع للشكل الكلاسيكي للرقص وللقواعد المحدّدة مسبقاً. رقص يحرّر الجسد من المدارس التقليدية لأن الروح ليست ملموسة ويصعب تطويعها، وبالتالي تبدو قدراتها على تحريك جسمها أكبر من أي "ميتود" معيّن أو مدرسة أو قاعدة. وهنا لا أتحدث عن غرض العرض. ليس العرض محكوماً برسالة معينة أو مقولة. يحدث أن نشاهد عروضاً حيادية، تلامس طرف الروح، تحاكي الخيال، تستثير ذاكرة ما، دهشة ما. إلا أن عرض "نهار في المسبح" يحين موعده وينتهي وكأن شيئاً لم يكن. حتى أنه ليس كغيره من أيام المسبح الصاخبة بأصوات الأطفال و"طرطشة" الماء وروائح الزيوت والعطور المتبخّرة تحت شمس بيروت الرطبة.   
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها