المجلات الإباحية المنقرضة

يارا نحلة
الخميس   2017/03/09
كانت مجلة جنس في بداياتها أقرب إلى المجلة الطبية
قد يتفاجأ بعض الشباب عند سماعهم بأسماء مجلات إباحية عربية، وقد يضطرون إلى التأكد من صحة ما سمعوه، قبل التصديق أن هذه المجلات كانت موجودة فعلاً، وتنشر بأعداد هائلة. أما الجيل القديم الذي عايش الفترة الممتدة من الستينات إلى التسعينات، فيعرفها جيداً، إذ كان لها إنتشار واسع، وكان الحصول عليها سهلاً. إستضاف المجتمع اللبناني هذا الإنتاج الإعلامي و"الفني" لما يقارب الثلاثة عقود، ليعود وينبذها بعد ذلك. فما هي الظروف التي أدت إلى نشأة هذه السوق وازدهارها؟ ولِمَ أزيلت المجلات الإباحية عن رفوف المكتبات، ومن حسابات الناشرين اللبنانيين؟

تشمل هذه المجلات عدداً لا بأس به من المطبوعات التي كانت تنشر وتباع تحت مسمى "المجلات الفنية"، وتنقل أخبار الفنانين، ولاسيما الراقصات منهم، بالإضافة إلى بعض القصص الفضائحية والروايات الجنسية، ومنها مجلة الشبكة، صون العدالة وألف ليلة وليلة. وعلى مستوى آخر، كانت بعض المجلات تذهب بعيداً في انفتاحها على المسائل الجنسية، مقدّمةً للقارئ محتوى محض جنسي، من صور عارضات عاريات، ونصائح جنسية. وفي أعلى قائمة هذه المجلات، كانت مجلة الجنس، التي يعبر عنوانها عن محتواها بكل صراحة.


يملك عبودي أبو جودة، صاحب دار ومكتبة الفرات، مئات المجلات التي اختفت أعدادها من المكتبات. يقرأ عناوين تتكرر وتتشابه: قلوب ممزقة، عصابات من النساء لخطف الرجال، أسلوب جديد لقهر المتحرشين، مغامرات Mrs. X. يشرح أبو جودة، في حديث إلى "المدن"، السبب وراء طفرة هذه الظاهرة في مرحلة محددة ووجيزة من تاريخ البلد: "خلال فترة الستينات، برزت موضة الترويج للمجلات على أنواعها، وقد كانت المجلات الجنسية مثل Playboy تدخل لبنان، وتحظى بإقبال من قبل القراء اللبنانيين. فارتأى الناشرون المحليون إصدار نسخاتهم الملبننة من هذه المجلات، التي نقلت مضامينها عن مجلات أخرى. وأضيف إليها بعض الصور، وأخبار عن فنانات وراقصات شهيرات مثل نبيلة عبيد ونجوى فؤاد وغيرهما".

لا يرى أبو جودة في هذه الظاهرة أمراً غير اعتيادي، إنما يضعها في إطار "غير معاكس للتطور التلقائي للمجتمع". فقد كانت هذه المجلات تحظى بشعبية عالمية، و"كانت بمثابة موجة غزت البلدان الغربية، وكنا بدورنا نقلد الغرب". والدليل على ذلك هو الأعداد الهائلة التي كانت تنشر للاستهلاك المحلي، والتصدير إلى البلدان العربية. فقد كانت تطبع آلاف النسخ من كل عدد، وكانت تصدر أسبوعياً بشكل عام. فمجلة الشبكة، على سبيل المثال، كانت تنشر نحو مئة ألف نسخة في الأسبوع و3000 نسخة في اليوم، يقول أبو جودة، مضيفاً: "لم يبق ممثلة مشهورة إلا وظهرت بشكل مثير على أغلفة هذه المجلات، نظراً لكثرة انتشارها وارتفاع الطلب عليها".


استيراد وتصدير
عملية إنتاج المجلات الفنية/ الإباحية، وفق أبو جودة، كانت تعتمد على ثلاث خطوات أساسية: استيراد المحتوى من المجلات الغربية، ترجمته من حيث اللغة والطابع إلى منتجٍ لبناني/ عربي، ثم توزيعه في الداخل وتصديره إلى الدول العربية. ورغم الإقبال المرتفع عليها في لبنان، إلا أن اعتماد الناشرين الأساسي كان على السوق العربية، وذلك لتفرد لبنان بإصدار هذه المنشورات، نظراً لموقعه الثقافي الذي يتسم بإنفتاح نسبي مقارنة مع الدول المحيطة. وكانت الأسواق الأكثر إغراءً للناشرين هي مصر، سوريا، العراق، المغرب العربي، والكويت، حيث كان يرسل إلى مصر وحدها نحو ثلاثين ألف نسخة في الأسبوع. أما في ما يخص دول الخليج، وهي الأكثر رقابة وتشدداً في هذا المجال، فقد أجبرت الناشرين على إجراء بعض التعديلات على النسخ المعدة للأسواق الخليجية، ولاسيما الغلاف، فكان أصحاب المجلات يخصصون لهذه البلدان غلافاً يختلف عن الغلاف الأصلي.



من المكتبات القليلة التي لا تزال تحتفظ بأعداد المجلات المنقرضة، كشك نعيم صالح في شارع الحمرا، الذي يبيع هذا المنتج منذ السبعينات. لسنوات طويلة، أشبع صالح فضول زبائنه بتأمين المجلات التي كان كثيرون يتهافتون عليها. وهو يميز بين نوعين من المجلات: نوع فضائحي أقرب إلى الصحافة الصفراء، والآخر جنسي يطغى عليه الطابع العلمي والثقافي، ويكون في العادة غنياً بالإيحاءات الجنسية والمواد البورنوغرافية. ويشرح صالح أن الأعداد التي كانت تصله كل أسبوع أو شهر، سرعان ما تختفي عن الرفوف، أو على حد تعبيره "مئة نسخة كانت تطير في يومين"، رغم ارتفاع أسعارها مقارنة مع المجلات والصحف الأخرى، بنحو عشرة أضعاف. إذ كان سعرها يصل إلى 5 ليرات، في حين كان السعر المتوسط للصحيفة (كالنهار والسفير) لا يزيد عن نصف ليرة.

أما بالنسبة إلى جمهور هذه المجلات، فيصفه صالح بأنه جمهور يبحث عن المعرفة قبل المتعة. وهو يشير إلى مجلة الجنس، التي كانت في الفترة الأولى من صدورها، أقرب إلى المجلة الطبية التي تقدم محتوى علمياً وجنسياً. وبالنظر إلى محدودية الوسائل الإعلامية في تلك الفترة، كان الناس يبحثون عن المعرفة في هذه المجلات. ويقول صالح: "معظم زبائني كانوا من المتزوجين وكبار السن، الذين يعانون من مشاكل جنسية معينة، فكانوا يفتشون عن الإجابات في هذه المجلة". وعن زبائنه من النساء، يقول صالح: "كانت النساء أكثر خجلاً في ما يتعلق بشراء هذه المجلات، لذا كن يأتين مع رجل، ويأخذن بالتنقيب بين العناوين عما يبحثن عنه لوقتٍ طويل، ثم يطلبن من الرجل الذي جاء برفقتهن أن يشتري لهن المجلة". ويروي صالح أنه في إحدى المرات، جاءه رجل دين واستمر لساعات في التفتيش بين المجلات، ما أثار ريبة المارة واستغرابهم. وعند استيضاح صالح سبب شرائه للمجلات الجنسية، أجاب الأخير بأنه يجري بحثاً حول العقم الجنسي. ولا يخلو الأمر، وفق صالح، من محاولة بعض الأولاد الحصول على المجلات، "لكنني لم أكن أبيعهم".


سوق الاستهلاك
من البديهي أن نسأل اليوم كيف نجا هذا الإنتاج الإعلامي من سطوة الرقابة، التي لاتزال تحكم قيودها على الإنتاج الفني والإعلامي والثقافي؟ الواقع، وفق أبو جودة، هو أن ناشري هذه المجلات كانوا يكسبون معركة الرقابة بسلطة القانون نفسه. ذلك أن مجلات عالمية إباحية مثل بلايبوي وشبيهاتها، كانت تدخل لبنان ويسمح ببيعها في المكتبات والمحال. ما عزز الحجة القانونية لأصحاب المجلات المحلية. ويشير أبو جودة إلى بعض محاولات إيقاف نشر هذه المجلات، ولاسيما من جانب رجال الدين والمؤسسات الدينية، ومنها محاولة دار الإفتاء في طرابلس منع المجلات التي كانت تصدر في المدينة، "إلا أن القبول الشعبي، بالإضافة إلى قانون المطبوعات المطاط والذي يعود إلى العهد العثماني، كان يترك رجال الدين وحدهم في محاربة هذا النوع من المجلات".

ويعزو أبو جودة اختفاء المجلات الإباحية اللبنانية إلى أسباب إقتصادية، وإلى مسألة العرض والطلب. فمع انتشار الإنترنت، مع ما يقدمه من مواد بورنوغرافية مجانية يسهل الوصول إليها، إنخفض الطلب على المجلات الإباحية إلى أن اختفى كلياً. ويصف أبو جودة هذا الواقع بأنه "عادي"، فقد "مل الناس وبدأوا يطلبون شيئاً مختلفاً. باختصار، هذا السوق ازدهر، ثم انطفأ، وفق حاجات المستهلكين ورغباتهم".