القرض السكني.. كأن تبقى مديوناً طوال حياتك

هيفا البنا
الإثنين   2016/02/22
لا زلت أشهد حتى الآن على انقسام في الرأي حول صحة القرار بالحصول على قرض من "الاسكان" (علي علوش)
يتعرّض اللبنانيون يومياً لرسائل تروج للقروض السكنية، إن كان عبر لوحة إعلانية منصوبة على الطريق، أو عبر إعلانات تعرض في وسائل الإعلام جميعاً، وصولاً إلى إختراق الحيّز الشخصي عبر رسائل نصية تصل مباشرة إلى الموبايل. ومع إرتفاع أسعار العقارات، بحيث صارت غير متاحة لأغلب سكان هذا البلد، يفترض المُعلن عن القروض أنه يقدم خدمة، مقابل بعض الفوائد، إلى الجمهور المستهدف، أي قليلي الدخل تحديداً. لكن هذه المسألة ليست من البديهيات. على الأقل، هذا ما يمكن أن تكشفه شهادة محمد (24 سنة)، الذي درس التصميم الغرافيكي، ولا يزال عازباً، وقرر الحصول على قرض سكني.



لم أكن أعرف عندما جئت من بعلبك إلى بيروت أن إقامتي فيها ستطول. ذلك أنني جئت طارئاً إلى المدينة بسبب عملي وجامعتي، لكن حين قررت عائلتي بعد 5 سنوات من وصولي إلى بيروت الانتقال للعيش معي، لسهولة العيش والعمل فيها، تغيرت كل المعطيات. واذا كنت في فترة سابقة لم أفكر في شراء شقة، فإنني صرت مجبراً، في محاولتي تأمين استقرار سكني لعائلتي، أن أبادر للتملك، وهذا ما أدخلني في رحلة الحصول على قرض سكني، لم أكن أتوقع، قبل بدئي بها، مدى صعوبتها.

في البداية، قررت وعائلتي أن نبدأ بتقسيط شقة عبر البنك من خلال تقديم قرض شخصي على راتبي الخاص، فبدلاً من الإستمرار في دفع الإيجارات نكون على خطى تملّك شقة بقيمة الإيجار نفسه. وهذا تفكير منطقي نسبياً. ثم بدأت بالبحث عن البنك الذي سيأخذ مني أقل نسبة من الفوائد على القروض الشخصية والسكنية وهكذا. لكن البنكين، اللذين اعتقدت أنهما مناسبان لي، رفضا طلبي، فقررت الانتقال إلى مرحلة أخرى. فبدأت بالسؤال عن قرض الإسكان وتحضير الأوراق اللازمة له.

لا زلت أشهد حتى الآن على انقسام في الرأي حول صحة القرار بالتقدم إلى قرض الاسكان. فبعض الناس وبّخوني على عدم صحة خياري، قائلين أنني سأعيش ما تبقى من حياتي مديوناً، وسأموت ولا زلت أدفع أقساط هذه الشقة. أما البعض الآخر فقد شجعوا هذه الخطوة، قائلين إنني سأصبح ملّاكاً وأن الإستثمار في العقارات عملية مربحة دائماً. لكن، بغض النظر عن الرأيين، لم يكن لدي خيار آخر سوى متابعة الإجراءات اللازمة، فذهبت إلى خيار مؤسسة الإسكان.

أذكر أن المتطلبات الأولى كانت بمنتهى السهولة، كأن يكون المتقدم إلى القرض لبنانياً منذ أكثر من 10 سنوات وأن لا يتجاوز الدخل العائلي الـ5 ملايين ليرة وأموراً بسيطة من هذا النوع. لكن ما كان صعباً جداً هو القدرة على التوفيق ما بين مستحقات الشقة والقرض من جهة، وبين القرض وأجري من جهة أخرى. ولئن كانت قيمة القرض ترتبط بقيمة الأجر الشخصي لم يعطني الكلفة الكافية التي تناسب كلفة الشقة التي كنت أريد شراءها، بالإضافة الى وضع فائدة نسبتها 4.5% لمدة 15 سنة. وهذا ما يعني أنني سأسدد المبلغ الذي ثمّنه الإسكان في السنوات الـ15 الأولى، وفي السنوات الـ15 التالية سأسدد نسبة الفائدة فقط. أما المشكلة الثانية، التي تسببها المشكلة الأولى، فكانت في عدم إيجاد شقة بالمبلغ الذي تمكنت من تحصيله من خلال قرض الإسكان، فأصبت بالإحباط، وأردت إنهاء المسألة بأي طريقة، فوجدت شقة تناسب القرض في احدى ضواحي بيروت، لكن كلفة ترميمها ستكلف أكثر من كلفة شرائها.

واذا كنت، بعد ذلك، قد تجاوزت كثيراً من الصعوبات، فإنني أفكر أن كل ما حصل خلال عملية جمع الأوراق والمتطلبات "كوم"، والموظفون والسماسرة الذين تعاملت معهم في مؤسسة الإسكان "كوم آخر" تماماً. إذ حين دخلت إلى مبنى الإسكان، للمرة الأولى، لتقديم الأوراق المطلوبة، لم أعرف إن كان ما أراه واقعياً، أم أنني كنت في حلم. فبين كل باب وآخر يحاول سمسار أن يساعدك، وآخر أن يجهز لك أوراقك، وثالث أن يسهّل معاملاتك. لكن في مقابل هذا الحماس والحركة، ترى موظفين كسولين يتحركون ببطء، وبالكاد يردون على أسئلتك. وإن ردوا يبدو اللؤم واضحاً في كلامهم، فلا أعرف إن كنت أسأل فعلاً كثيراً، أم أنهم يعاملون الجميع بهذه الطريقة.

منذ شهر إلى الآن، أي منذ تاريخ تقديمي الطلب، أعيش مرحلة الانتظار. فالموظف قال لي إن انجاز هذه العملية سيأخذ القليل من الوقت. لا زلت أنتظر قرارهم بالموافقة أو الرفض، وقد صارت حياتي، فعلاً، رهن هذا القرار. لكن ما يمكن أن أقوله، بعد كل هذا، إننا للأسف في هذه البلاد، نُسرق، برضانا، لأننا لا نملك أي خيار آخر، طالما أننا مصرون على الاستقرار في لبنان وتأسيس عائلة. مع ذلك، لا يمكنني أن أتجاوز ما أتخيله خلال انكبابي على انجاز عملي من أن قرض الإسكان يقاسمني لقمة عيشي وأجري الشهري.