لإنقاذ "البيت الأحمر" في الحمرا

محمد أشرف نذر
السبت   2016/01/16
كان سكان البيت يجهزون أغراضهم استعداداً لاخلائه، تنفيذاً للحكم القضائي (تصوير: علي علوش)

بدت دائماً العمارة التقليدية في بيروت مهددة. وفي كل حي من المدينة، يمكن تقديم مثال عن الاستخفاف بقيمة أماكن وبيوت، لصالح الاستثمار والهدم. وتبدو منطقة رأس بيروت نموذجاً بارزاً، فبيوتها التاريخية تختفي تدريجاً، وتبقى من دون حماية، إلا في حال أثيرت ضجة كبيرة حولها، وهذا ما لا يحصل الا قبل وصول البيت، أو المكان، مرحلة يبدو فيها الهدم، من قِبل المالكين، مؤكداً. وهذه أيضاً حكاية "البيت الأحمر"، على ما يعرف بين الناس نسبة لشبابيكه الحمراء، في شارع عبد العزيز في الحمرا.

"في هذه الأيام لا شيء مضموناً، ونحن خائفون من أعمال تخريبية قد يتعرض لها البيت قبل أن يوقع وزير الثقافة روني عريجي التقرير الذي رُفع إليه من قبل مديرية الآثار في الوزارة، ويؤكد أن هذا البيت أثري وتاريخي، أي لا يمكن هدمه"، على ما تقول ميرا سعد، قريبة أحد المستأجرين.

وكان القسم الأول من البيت، الذي يتألف من ثلاث غرف، قد بني في القرن الثامن عشر، وهو موجود على الخرائط الأولى التي وضعت لمدينة بيروت. ويقول المستأجر الأقدم، والذي لا يزال يسكن في البيت، المهندس سمير ربيز لـ"المدن" إن "جدّتي جاءت الى هذا المنزل منذ حوالى الثمانين عاماً واستقرت فيه. بعد ذلك، ولدت في هذا المنزل، وما زلت أسكن فيه حتى الآن". ويرى ربيز، الذي يُعتبر من أهم المرمّمين المعماريين في لبنان، أنّ القيمة التاريخية الأهم لهذا البيت "تكمن في ندرته من حيث العمر والحالة المتينة، خصوصاً في هذا الجزء من بيروت".

لا يزال عقد الايجار يحمل اسم جدة ربيز، لكن "منذ وفاتها، يحاول المالك اخراجي من المنزل بعدة طرق، لكنه لم يفلح"، وهو خسر الكثير من دعاوى الايجار مع المستأجر الحالي، أي ربيز، لأنه لا يملك الحق بإنهاء عقد الايجار القديم، وفق القوانين اللبنانية. غير أنه، وفي محاولته المستمرة، رفع في منتصف شهر أيلول من العام 2015، دعوى هدم، إستناداً إلى قِدم البيت، ثم قدم طلباً لبلدية بيروت، التي حوّلت الأمر إلى المديرية العامة للآثار. على أن تقرير مديرية الآثار اعتبر أن البيت غير صالح للهدم. وهذا ما أكّده مدير عام مديرية الآثار سركيس خوري لـ"المدن"، معتبراً أن هذا التقرير "الذي وضعته المديرية بعد كشف دقيق سيحمي البيت من الهدم"، رغم أن المحكمة أصدرت حكماً لصالح المالكين، وطلبت من المستأجرين إخلاء البيت ضمن مهلة زمنية قصيرة، متجاهلة دراسته من قبل وزارة الثقافة.

"البيت الأحمر هو المكان الوحيد الذي أمضيت فيه أكثر أوقات حياتي منذ أن ولدت، لا سيما أنّنا تنقلنا كثيراً خلال الحرب وحتى الآن"، تقول سعد. والحال أن سكان البيت، وإلى جانب اسمه المتداول، يسمون بيتهم بـ"نزل السرور"، وهو اسم مسرحية شهيرة لزياد الرحباني، وذلك يرجع إلى أن عدداً كبيراً من أفراد العائلة وأصدقائهم يملكون مفاتيح البيت، وهم يزورونه بإستمرار. كما أن الكثير من روّاد شارع الحمرا يمروّن في البيت أيضاً، لجاذبيته ولكونه تاريخاً معمارياً، بعيداً كل البعد عن الواقع المعماري، الذي يطغى حالياً على المنطقة والمتمثل ببنايات باطونية، لا تحمل أي قيمة ثقافية. لذا، يبدو عند ربيز، أن بقاء البيت أمر ضروري، لـ"حفظ هذا المعلم الهوية التاريخية للمنطقة".

وفي الفترة السابقة، عمد ربيز إلى تصوير البيت في وضعه الحالي "الممتاز"، على ما يصفه، تخوفاً من التلاعب به، وحماية على الأقل لذاكرته. في المقابل، رفض الدكتور عبدالله ربيز، وريث مالك البيت، التحدّث لـ"المدن" بعد محاولتها الاتصال به للوقوف على رأيه، ومعرفة سبب إصراره على هدم البيت، رغم تاريخيته.

يوم الجمعة، كان سكان البيت يجهزون أغراضهم استعداداً لاخلائه، تنفيذاً للحكم القضائي. لكنهم يأملون، في الوقت القليل المتاح، أن يوقع وزير الثقافة تقرير مديرية الآثار، لحماية البيت بأهميته التاريخية وتفرده العمراني. على أن هذه المسألة تحيل إلى مسائل أخرى، مثل النقاش المستمر منذ سنوات حول قانون الايجارات في لبنان، والتراث المعماري، الذي يبدو أن مصيره محتوم، في منحى سلبي، في الغالب.