خيبة أمل: أين مبادرات مجموعات 17 تشرين بمواجهة كورونا؟

أيمن شروف
الإثنين   2020/03/23
وضعت بعض مجموعات 17 تشرين خطة طوارئ سابقة لخطة الحكومة (عباس سلمان)
حين بدأت انتفاضة 17 تشرين، بدا واضحاً أن اللبنانيين سئموا من ممارسات الأحزاب التي حكمتهم طوال 30 عاماً. لكن أزمة كورونا أعادت خلط الأوراق على نحو غير متوقع.

لا أحد من الذين اعترضوا وتظاهروا ورفعوا الصوت في وجه من سرقهم، كان يتوقع أن ينتهي به المطاف محجوزاً بين أربعة جدران، بسبب جائحة تجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه. ولبنان في قلب أزمة لا قُدرة له على مواجهتها فعلياً، لأنه محكوم من طبقة سياسية أطبقت عليه، فجعلته بلداً هشاً، بلا مناعة حيال أي شيء، فكيف إذا كان أمام فيروس لئيم اسمه صار كوفيد 19.

إدعاءات السلطة
وصلت البلاد إلى أزمة كورونا مُنهكة. فلا السلطة قادرة على اجتراح حلول لدولة صارت في قلب الانهيار، ولا مجموعات 17 تشرين المنتفضة عليها، استطاعت أن تُبقي على زخم الانتفاضة وتُصعّد في مواجهة هذه السلطة. وإذا كان المواطن على قناعة لا لبس فيها من أن الثقة بمؤسسات الدولة والقدرة على حمايته في هذه الظروف معدومة، فهو بطبيعة الحال ينتظر من المعارضين أن يطرحوا البدائل، ويبذلوا الحد الأدنى من الجهد الذي يعوّض تقصير من يُفترض أنهم يحمونه ويؤمنون له البقاء.

فعلياً، بعد حوالى أسبوع من إعلان التعبئة العامة، وشهر تقريباً على بدء تسلل كورونا إلى لبنان، لم يظهر إلى العلن أي عمل جدي لأي من مجموعات 17 تشرين في مواجهته. وحتى الآن، لم يصدر عن مجموعات الانتفاضة سوى بيانات مُختلفة تنتقد دور الدولة، ووزير الصحة على وجه التحديد، في مواجهة الأزمة الكبيرة. فترد عليها السلطة بروايات خيالية تُختصر بادعاءات يتناقلها أهل الحكم، محاولين جعلها حقيقة بين الناس. وفحوى هذه الادعاءات أن "الدول الأوروبية تأخذ كيفية تعاطي لبنان مع الأزمة نموذجاً يُحتذى به".

لبنان نموذج؟! نعم، يقولون. والواقع؟ الواقع مغاير تماماً لأدوات التخدير هذه، والتي تعتمدها السلطة للتعمية على حقيقة أننا مُقبلون على كارثة فعلية ستظهر تباعاً وتستفحل يوماً بعد آخر.

غياب المبادرة
هل ينتظر الناس من مجموعات 17 تشرين البيانات؟ بالتأكيد لا. أثبت اللبنانيون في المرحلة الماضية أنهم قادرون على قراءة المتغيرات بشكل كبير، ولديهم رغبة برؤية بديل محسوس. يُريدون أكثر من شعارات. يُريدون من يقف ويقول إنه قادر على مساندتهم وإخراجهم من الأزمات، أو محاولة إخراجهم منها، على الأقل.

وهذا بالضبط ما لم تقم به مجموعات 17 تشرين حتى الآن. لم يعد توجيه السهام إلى تقصير الدولة يكفي. الناس صاروا يعرفون واقعهم هذا. ويريدون شيئاَ مُستقبلياً. هنا يظهر امتحان أهل الانتفاضة: فهل هم قادرون على أن يكونوا بديلاً؟ وبالحد الأدنى هل يجترحون مبادرة يتوقف الناس أمامها، وتجعلهم يثقون بتلك المجموعات المنتفضة؟

احتراف النقاش
نقاشات كثيرة تدور بين هذه المجموعات. وهذا ما برعوا فيه إلى اليوم: النقاشات التي تتمحور حول قدرتهم. مثلاً، هناك رأي يقول إن عليهم أن "يكونوا واقعيين، إذ لا قدرة لهم على أن يكونوا بديلاً لمؤسسات الدولة". وهذا الرأي يذهب إلى حد مهادنة السلطة في الوقت الحالي، لأنها الوحيدة القادرة لوجستياً على التحرك في مواجهة الخطر الذي يتهدد الناس.

رأي آخر يدعو إلى "تصعيد الحملة ضد السلطة لكشفها أمام الرأي العام، والاستفادة من كل ما يحصل، لاستعادة الزخم في سياق مواجهة أزمة كورونا". والرأي الراجح بين الجميع، يُختصر بالقول: "في حال كهذه، وفي ظرف يتهدد الناس جميعاً، المهم المواجهة بشتى الوسائل حتى لو استدعى الأمر التعاون مع مؤسسات الدولة، ولكن بحذر".

هذه هي الآرأء السائدة. لكن فعلياً، في خضم مواجهة بهذا الحجم، وصلت إلى كل بيت وفئة وشارع، بلا تمييز بين موال ومعارض، لم تتداع مجموعات الانتفاضة إلى اجتماع عام يبحث سُبل وطُرق مساعدة اللبنانيين على اجتياز هذه المحنة. فعلياً، لم يرق رد الفعل إلى مستوى الحدث، ولا إلى المستوى الذي رسمته 17 تشرين أمام اللبنانيين. لكن معظم المجموعات راحت تنتظر هفوات السلطة لإصدار البيانات. وهذا ما حصل تماماً في ما خص إطلاق العميل عامر فاخوري.   

مبادرات للمساعدة
هذا الواقع المؤسف، لا يشمل الجميع. هناك كُثر قرروا التحرك، فردياً وجماعياً، غير آبهين بأن "قدراتهم معدومة مقارنة بقدرات الدولة". بعض الأفراد والمجموعات الفاعلين في 17 تشرين، بدأوا بالتواصل مبكراً لبحث كيفية مواجهة ما نحن مقبلون عليه. وكيف يواجهون بواقعية، ولكن بذكاء. هناك أفراد ينتمون إلى روح 17 تشرين، قرروا التطوع لخدمة الناس، فشكلوا شبكات موزعة بين المناطق. شبكات مهمتها الحرص على التزام الناس منازلهم، والتكفل بتوصيل احتياجاتهم، وجمع التبرعات لمساعدة العائلات الفقيرة التي لا تكترث الدولة بها، على ما اتضح في التعبئة العامة الرسمية، المقتصرة فعلياً على الوقاية، بلا معالجة طويلة الأمد لمد اللبنانيين بمقومات الصمود لأطول وقت ممكن.

الصورة التي ظهرت عليها مجموعات 17 تشرين، على الرغم من أنها لا ترقى إلى ما كان متوقعاً، فإنها ليست قاتمة.

هناك من وضع خطة طوارئ سابقة لخطة الحكومة، وتقوم على إشراك المجتمع المحلي والسلطات المحلية، لتحسين القدرة على مواجهة الأزمة. بعض المجموعات الفاعلة في بيروت عملت على هذه الخطة، وهي تقوم اليوم على مستويين، تقول لمى غندور، إحدى المبادرات لإطلاق هذه الحملة: "المستوى الأول هو التواصل مع الناس في المناطق، والتشبيك لخلق إطار واسع يُغطي الأراضي اللبنانية. والمستوى الثاني الذي بدأ لاحقاً، هو توزيع الخطة ومناقشتها مع المجموعات والمناطق، لخلق آلية واضحة ومتغيرة بين منطقة وأخرى، بحسب حاجات المنطقة وخصوصيتها".

حملة "تضامن الناس"
أُطلِق على الحملة اسم "تضامن الناس". هي حملة لمحاربة الوباء. وتقول غندور إن "السياسة موضوعة على الرف الآن. نحن ننطلق من فكرة أن الناس وحياتهم اليوم أولوية. وبالتالي لا مهرب من التعامل مع البلديات على وجه التحديد، لجعل الخطة أكثر فاعلية وقدرة على تلبية احتياجات الناس. والخطة مرحلية، وهي نتيجة فشل الدولة في حماية الناس، وليست وسيلة لتطبيع العلاقة مع المؤسسات الرسمية بأي شكل من الأشكال". وتضيف: "هدفنا إشراك المجتمع المحلي بالحلول، وهذه روحية 17 تشرين".

تحاول "تضامن الناس" أن تُعوّض غياب الدولة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية، وتحاول أن تصل إلى الأطراف التي همشتها الدولة منذ زمن ولا تزال.

وهناك مبادرات أخرى محلية، فردية وجماعية، لكنها جزئية. فمن يقوم بها لا ينتظر مركزاً أو دعاية أو تقديراً. وهذا يبدو تياراً أقلياً بين مجموعات كثيرة، بعضها صار يتعاطى مع 17 تشرين وكأنها محطة لاستعراض العضلات لا أكثر.

ويظل التعامل مع أزمة كالتي تمر بها البلاد اليوم، معيار الناس غداً للحكم على الأفراد والمجموعات. والامتحان لا يزال في بدايته، والأزمة أساساً، لم تبدأ فعلياً بعد