ايران -روسيا: تحالف ام وراثة؟

نديم قطيش
الخميس   2015/10/08

لعله سؤال المليون دولار كما يقال في برامج الالعاب التلفزيونية. هل دخلت روسيا الى سوريا لرفد الدور الايراني ضمن مشروع المحور الواحد أم دخلت في لحظة مناسبة لوراثة نفوذ إيران؟

من جهة لا مؤشرات عملانية حتى الآن لإلقاء الشك حول تماسك التحالف “الروسي الايراني”، أقله مدفوعاً بالحاجات المتبادلة. ومن جهة أخرى، وبخصوص التصورات المشتركة الروسية الايرانية للأزمة السورية ومستقبلها وطبيعة الصراع الذي تعنيه، فهذا ما بات يحاط بشكوك كبيرة لا سيما في ظل التنسيق الروسي الاسرائيلي والضمانات والتطمينات التي يفترض أنها تعاكس اساس مشروع محور المقاومة والممانعة.

اذذاك من الصعب الاطمئنان الى إجابة حاسمة عن سؤال المليون دولار، الذي يزداد إلحاحاً. فالتدقيق في بعض المعطيات المتداولة في الساعات الماضية يفيد أن الحقيقة هي، على الأقل، في منزلة بين المنزلتين!

في تقرير لوكالة رويترز مسند الى عدد من المسؤولين رفيعي المستوى في المنطقة، تكشف الوكالة أن خطة التدخل العسكري الروسي في سوريا ضمن تحالف روسي ايراني ولدت من فكرة إيرانية سوقها في موسكو قائد الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني. وهي أعقبت إتصالات جرت بين المرشد الإيراني علي خامنئي وموفدين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

اللافت في التقرير ليس التنسيق البديهي بين حليفين في أزمة بعمق الازمة السورية.اللافت هي دوافع التنسيق نفسه التي يُرجعها التقرير الى الذعر “من الإنتصارات المتتالية للمتمردين” ، وقناعة الحليفين بحقيقة “الوضع المتردي في سوريا وتقدم الثوار بإتجاه الساحل وتهديدهم بالتالي قلب الاقليم العلوي الذي يحتضن القاعدة البحرية الروسية الوحيدة على ضفاف المتوسط”. ما يعنيه ذلك أن حكاية التحالف هي عملياً حكاية الفشل المريع للمشروع الايراني في سوريا وفشل طهران والمليشيات التابعة لها، كحزب الله، في تحقيق أهداف التدخل في سوريا رغم الكلفة الدموية الهائلة والاضطرار للإستعانة “بالصديق” الروسي.

المصادر التي تحدثت اليها رويترز قالت إن “شروحات سليماني أججت إحساس المسؤولين الروس بسرعة تردي الاوضاع  على نحو وضع نظام الاسد في دائرة التهديد” على الرغم من أهازيج الإنتصارات التي تتردد في بيروت وإعلام الممانعة وخطابات قادتها.

وبالتالي فإن الشراكة الروسية الإيرانية هي شراكة بين غريق ومنقذ، وليس شراكة بين متساويين، وهو ما يشجع على الاستنتاج أن موسكو لا تستثمر كل هذا الاستعراض العسكري بما يحمله من أثمان سياسية وديبلوماسية فقط لاعادة سوريا الى ايران.

وكأنه التاريخ يعيد نفسه في سوريا.

إبان الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢ أوفد الخميني لحافظ الاسد يعرض عليه المساعدة عبر إرسال كتائب تابعة للحرس الثوري الإيراني الى جنوب لبنان. رفض الاسد عرض الخميني، مطمئناً من جهة لحدود الإجتياح الاسرائيلي “المتفاهم عليه“ مع تل ابيب لإخراج منظمة التحرير من لبنان، وحَذِراً من جهة أن لا تدخل إيران الى ساحته وميدانه. غير أن تجاوز إسرائيل للخطوط الحمر وعبور دباباتها منطقة جزين دفعت الاسد لتغيير سياسته والترحيب المر بالحرس الثوري. ثم ما لبث ان اصطدم الحرس بحركة أمل وإستحوذت ايران خلال سنوات قليلة على كامل الدور السوري في جنوب لبنان.

إيران اليوم هي سوريا حافظ الاسد “وساحة” سوريا هي ساحة جنوب ذلك الزمن.

ما يرفد هدا السياق، الذي سيأخذ وقتاً قبل تبلوره، ما كشفته بالتزامن مع تقرير رويترز، مجلة “درشبيغل” عن عمق التنافس الايراني الروسي في سوريا.

تكشف المجلة الألمانية في تقريرها أن التدخل الروسي الأخير في سوريا أتى بعد لجوء الأسد إلى موسكو بحثًا عن الدعم، لا بوجه أعدائه من الثوار والمسلحين، ولكن بوجه حليفه الرئيسي كما يُفتَرَض، وهو النظام الإيراني. معلومات التقرير يؤكدها للمجلة مصدر مسؤول روسي عمل طويلًا في سفارة روسيا بدمشق قال إن الأسد ومعاونيه يتخوفون من إيران، وإنهم غاضبون من عجرفتها في التعامل مع نظام الأسد وسوريا بأكملها كمستعمرة خاصة بهم، ولا يثقون بأهدافها والتي قد لا يكون بقاء الأسد مهمًا لها هذه الأيام، وهو ما لجأ بهم إلى جذب موسكو إلى الساحة.

تستعرض المجلة حزمة وقائع مهمة حول العلاقة الايرانية الروسية في السنوات الفائتة أبرزها الخلاف بين الاسد وطهران حول مكانة جيش الاسد النظامي الذي تتضاؤل أهميته على الأرض مقابل تزايد دور المليشيات التابعة لايران. ويشير التقرير الى محاولات ايران مد نفوذها الشيعي مباشرة، في بلد لا يمثل المذهب الجعفري فيه سوى نسبة ضئيلة، عبر الضغط لفرض تدريس المناهج الشيعية وبناء الحسينيات في اللاذقية ودمشق لنشر المذهب الشيعي بشكل أثار حفيظة العلويين أنفسهم. والى “التمدد الثقافي” تشير المجلة الى التمدد الاقتصادي المباشر ”حيث انتشرت مؤخرًا مجموعات من رجال الأعمال الإيرانيين تستحوذ على أراض وأبنية في دمشق” وهو ما كان مثار اعتراض في بعض مقالات كتبها “ممانعون” في منابر حليفة “لمحور المقاومة” قبل اسابيع معترضين على الرهونات التي تطلبها السلطات الايرانية مقابل استحقاقات ديون لا يبدو الاسد قادراً على الوفاء بها.

يحشد تقرير “در شبيغل” وقائع كثيرة تشير الى واقع الهيمنة الايرانية على النظام في سوريا كواقعة الزبداني ورعاية طهران لهدنة ومفاوضات هناك بين المتمردين وحزب الله بشكل مستقل عن الادارة السورية في دمشق. كما يضع التقرير مقتل رئيس إدارة الأمن السياسي رستم غزالة وإعفاء ذو الهمة شاليش قائد الحرس الرئاسي من منصبه في سياق التخلص من الشخصيات التابعة للاسد والمتحسسة من تنامي النفوذ الايراني على قرار دمشق.

تزامن تقرير رويترز و “درشبيغل” وتقاطعهما يعطي مؤشرات حول الاجابة عن سؤال المليون دولار، وإن كان من المبكر الجزم في أي إتجاه ستذهب المغامرة الروسية.

المؤكد أن الاسد كاد أن يسقط. أن إيران بكل ثقلها المالي والاستخباراتي والعسكري والميليشياوي هزمت في سوريا الاسد.