كائنات الحكايات المسرحية في الغروتسك السوري

علاء رشيدي
السبت   2023/08/05
محمد عمران، حبر وأكريليك على ورق
يقدم المعرض المقام في صالة "مجاز" (بيروت- الأشرفية) للفنان السوري محمد عمران بعنوان "سخرية مرّة"، ما يقارب 80 سكيتشاً، ويكتب الفنان نصاً في تقديم مجموعة الأعمال: "قد تكون هذه المجموعة المنفذة أغلبها بين العامين 2012-2016، والتي ترافقت مع الثورة والحرب في سورية، أشبه بالمذكرات الشخصية، يوميات مرسومة في حقبة عنيفة، في تلك الفترة كنت أرسم متأثراً بما يحدث من العنف في البلاد بشكل أوتوماتيكي وبمزاج سوريالي. كان لا بدّ لي للحفاظ على توازني النفسي أن أواجه هذا العنف بالسخرية. وحتى اليوم ورغم التبدلات التي طرأت على عملي سواء في الرسم أو في النحت مازالت السخرية الحامل الأول لعملي الفنّي، صحيح أنها سخرية ولكنها مرّة".

هذه المجموعة تنطوي على تنويعات من الموضوعات التي عمل عليها الفنان في الفترة التي انتقل فيها من النحت إلى تجربة فضاءات تعبيرية للرسم التصويري، لتدخل على تجربته الفنية موضوعات الفن السياسي، الفن والحدث الإجتماعي، الفن والسلاح، الفن والعنف، الفن والجسد. بينما تتشكّل خصائصها الفنية من عناصر وسمات أبرزها السخرية، الغروتسك، التداخل الإنساني والحيواني، التداخل بين الجسد وبين الميكانيكي والسلاح، حضور الحكائية المستمدة من الحدث السياسي والإجتماعي، والبورتريهات متعدّدة الذوات أو الشخصيات.

العضوي – الحيواني – الكائناتي
كما هي تقنيات أسلوب الغروتسك عبر تاريخ الفن، فإنها تقوم على المبالغة أو التشوهات في الأعضاء الجسدية في المنطلق الأول. هذا ما نلمسه عند الاحتكاك مع شخصيات رسوم المعرض، فيركز الفنان على أعضاء جسدية بعينها ليجري عليها، تركيزاً، تشويهاً، أو تعديلاً يجعلها في موضع اهتمام النظر وقادرة على إعطاء الشخصيات المرسومة إما صورة نمطية (التركيز على العيون السوداء الكبيرة عند رجل الأمن)، أو معنى مضمر (ضخامة العضو الذكري للسخرية من السلطة). إن هذه التعديلات العضوية تصل في بعض الأعمال الفنية إلى إنتاج شخصيات حيوانية يتداخل فيها الإنساني والحيواني (وجه بأنف خنزير، جسد برأس قطة). وبالتالي، نصبح أمام كائنات يبتكرها الفنان على قماش اللوحة، تنطلق من تداخل الإنساني والحيواني إلى تكوين الكائنات الأسطورية...

يكتب الناقد نبراس شحيد عن الكائنات في أعمال الفنان: "وحوش محمد عمران كائنات هجينة عصرية، ثمة امرأة ذات عضو ذكري منتصب، هناك رجال أنوفهم دبابات عسكرية، وآخرون لهم أسنان اصطناعية تشبه الكلاشينكوف، وثمة حوامات لها أشكال بشرية ذات أعضاء جنسية مصوبة نحو العدو. بالرسم يستطيع محمد عمران أن يستثمر الغروتسك إلى أقصى الحدود ويوظفه كقوة تشويه، ويستطيع أيضاً أن ينتج ما يشبه الحكاية، فحتى لو زالت ملامح الكائنات بسبب التشويهات، فإنه تحافظ على علائمها، على ذكرى الأشكال المطموسة". إن هذه الكائنات الهجينة تذكّر بما كتبته أليشيفا روسن باعتبار الغروتسك محاولة لطرح الجوانب الشيطانية في العالم وإخضاعها.

الميكانيكي – الآلاتي – العسكري
يتشكّل تداخل آخر في العناصر الفنية في المجموعة، وعلى مستوى آخر من الأعمال نفسها الموصوفة سابقاً، الجسد العضوي الإنساني بالآلة، وخصوصاً والأكثر بروزاً بالسلاح. تتحوّل الأعضاء الجسدية إلى آلالات ميكانيكية، هذه الميكانيكية التي تدخل في التشكيل الفني للجسد تجعله أقرب ما يمكن إلى تمثيلات السلاح، التي اختارها الفنان ولا شك، في معرض تفاعله مع واقع حضور العنف المسلح في سوريا.

إن الأجساد في هذه اللوحات تُزاوج الميكانيكي- الآلاتي من جهة، بالغروتسكي-بالغ الضخامة في رسم التفاصيل من جهة أخرى. فإما أن يتفكك الجسد إلى أسلحة، أو أن تجمّع الأسلحة يشكل جسداً إنسانياً. الأعضاء البشرية تتراكب فوق بعضها البعض، بينها فراغات تملأها الماكينات، الأسلحة، والآلات.

الذات المتداخلة والذوات الجمعية
تنحو مجموعة الرسوم رويداً رويداً من تجسيد الكائنات إلى ابتكار الشخصيات، لذلك تتضمن المجموعة الفنية عشرات رسوم البورتريه التي تتعدّل وتتحرّك في تشكيلاتها على سطح اللوحة، لتطرح على المتلقي التساؤل حول إمكانية كونها ذاتاً واحدة متعدّدة الحضور، أم أنها حضور واحد لذوات متعددة؟ إن الذوات المتعددة للشخصية المرسومة تتشكل أحياناً باعتبارها مراحل العمر، أي الطفولة الرجولة الكهولة (كما هو الحال في لوحة "المؤامرة" التي يرسم فيها بورتريه الرئيس السوري)، والأنواع الجنسانية، أي الرجل المرأة والعابر، والأنماط الأخلاقية، أي الطيب والشرير أو الضحية والجلاد، بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً عن التداخل الإنساني الكائناتي.

أما الحضور الواحد للذوات المتعدّدة، فيتمظهر في عدد من الرسومات التي تجسد حضوراً كائناتياً أو إنسانياً متعدداً، متماثلاً، مكروراً على كامل مساحة اللوحة، كما هي الشخصيات الحاضرة في رسوم الفنان البلجيكي رينيه ماغريت. يمكن تقسيم هذه اللوحات الجماعية إلى أقسام ثلاثة: الأول تحضر فيه شخصيات متماثلة الهيئة، تتكرر بما يوحي بإحالات إلى الجمهور المسرحي. والثاني، شخصيات مجتمعة تقوم كل منها بحركة أو فعل أو إنطباع، لكن لا تواصل في  ما بينها، كأنها صور شخصيات مسرحية مركبة غرافيكياً في أفيش العرض. والثالث، شخصيات مجتمعة تؤدي فعلاً واحداً غالباً ما يوحي بالطقسية، ويتعلّق الأمر بأحداث اجتماعية مثل التظاهرات والمآتم والكرنفالات وغيرها. وهذا التجمع البشري بين الظاهرة السياسية والإجتماعية، وبين العمل الفني، خصص له الفنان معرضاً كتاباً خاصاً بعنوان "جمهرة"، نشرنا عنها في المدن سابقاً.



من التوثيقي إلى التخييلي
يكتب محمد عمران عن لوحته بعنوان "شهيد الخبز": "المرجعية البصرية لهذا الرسم، المنجز العام 2012، هو فيديو انتشر في موقع يوتيوب ويمثل جثة مستقرة في منتصف الشارع تحمل ربطة خبز. على الرصيف المقابل مجموعة من الرجال في حالة ارتباك، يحتمون خلف جدار خوفاً من أن يطاولهم رصاص القنص، ويحاولون في الوقت نفسه سحب الجثة بسِيخ معدني طويل، هناك صوت رجل يتكرر خلال الفيلم يقول: "يالله، عم يجيب الخبز لعيالو". كنت أرسم، خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الثورة التي استحالت حرباً طاحنة، بشكل يومي وبأسلوب أوتوماتيكي أقرب إلى السوريالية يتقاطع مع الرسوم الساخرة. لم يكن الهدف التعليق على الأحداث بقدر ما كان إعادة رؤية الأشياء أو إعادة إنتاج الحدث على طريقتي. كنت أصنع وثيقتي الخاصة عن المقتلة السورية. أستطيع أن أسميها الرغبة في التوثيق المزدوج، فعلى الرغم من دور صورة الكاميرا والفيديو في التوثيق للأحداث الجارية، إلا أن هناك متعة، ربما في اكتشاف تلك المساحة التي تنوس بين المتخيل والواقعي.

من السخرية، الغروتسك، إلى الحكائي
بلا شك، من العناصر التخييلية التي كتب عنها الفنان في الفقرة السابقة، عنصر السخرية. تبين مجموعة رسوم الفنان أن السخرية مرتبطة بشكل جذري بعنصر الحكائية، أو السرد القصصي. فالسخرية التي انطلقت مع نقوش الجدران الكاريكاتورية المبالغ في تفاصيلها، والتي تركزت عبر التاريخ مع الغروتسك في تقليد الكوميديا الإغريقية الساخرة، تتطلب بالضرورة مضموناً أو طباعاً أو شخصيةً تسخر منها، ما يربطها بشكل أساسي بعنصر الحكاية. فتتشكّل الحكائية في مجموعة رسوم الفنان، إما بإعادة روايته لحدث سياسي واجتماعي عرفه الواقع السوري، أو من التجاور في اللوحة الواحدة لعناصر واقعية وسوريالية، جسدية وفانتازية، طفولية وأسطورية، ما يدفع ذهن المتلقي بالضرورة لابتكار الحكاية كوسيلة تُمكنه من إدراك العالم المعروض ضمن اللوحة.

وترتبط السخرية بالواقع السياسي أيضاً. يكتب نبراس شحيد عن العلاقة بين الساخر، الغروتسكي، والواقع السياسي: "تقوم الغروتسكية على الهوة. وتنجم هذه الهوة هنا عن التباينات الشديدة بين القوة التهديمية من جهة، وانعدام شرعيتها من جهة أخرى. وإن غدا الغروتسك التعبير المفضل عن عالم يتهدم، فهذا لأننا نعيش في واقع من التباينات بين النظام السياسي وأساسه القانوني، لكن أيضاً بين قدرة الإنسان على الإنتاج أو التدمير وقدرته على الإحساس. لذا لم تعد الجمالية الغروتسكية تصويراً مشوهاً للواقع، بل عملاً أميناً يحيل إلى واقع مشوه. عندئذ لا نعجب من ربطه جوهرياً بالواقع السياسي، كما حدث في الأزمنة التي تكوّن فيها فن الكاريكاتور، فالمستبدون العتاة هم صورة كاريكاتورية لأنفسهم".