الكباريه المهاجر: الاستعراضي الهزلي في مأساة الهجرة

علاء رشيدي
الإثنين   2023/04/17
حوّلت فرقة "كهربا" المسرحية، في عرضها "الكباريه المهاجر" في بيروت، خشبة المسرح إلى معطى مزدوج، فهي منصّة فنية لتقديم عروض كباريه من جهة، ومن جهة أخرى هي سطح قارب يقود مجموعة المؤدين/ات لعبور البحر في رحلة هجرة من خلال قوارب الموت. يوزع أعضاء الفرقة على الجمهور المسرحي رقماً خاصاً بخفر السواحل للاتصال بهم حال عبور البحر: "إنه أغلى رقم في حياتكم/ن"، وهكذا يتحول الجمهور من متفرجين/ات إلى لاجئين/ات في رحلة عبور القوارب، بينما تحتفظ صالة المسرح بقدرتها على التحول إلى مكان استعراضي لتقديم الأداءات الكريوغرافية والتمثيلية.

يقدم العرض لظروف المهاجرين وأوضاعهم، شروط رحلة الهجرة والموت، استغلال المهربين والاتجار بالبشر، مواقف وسياسات الدول الأوروبية والعالمية من هذه الظاهرة، وصولاً إلى حياة المهاجرين غير الشرعيين في بلدان الاستقبال. كما يقدم العرض لمجموعة من الأداءات التمثيلية، المشاهد المسرحية، الرقصات الكريوغرافية، والأغاني والمقطوعات الموسيقية التي تحيل بمجملها إلى هذه الموضوعة وتعالجها من زوايا متنوعة. كل ذلك، يقدم على الخشبة ضمن إطار فن الكباريه الاستعراضي، وكأنها إدانة لدور العالم المتفرج كإستعراض على موت الآلاف في رحلة طلب اللجوء على مرأى ونظر ضمير العالم.

المهاجر الدمية بين يدي مهربي البشر 
نتابع خلال العرض رحلة "ألياهو" (18 عاماً) الشاب الذي يحاول الوصول إلى لندن، لتحسين ظروفه المعيشية والإنسانية، لكنه يتعرض إلى استغلال مهربي البشر، الذين يطلبون منه مقابل رحلة الهجرة أعضاء من جسده، بدايةً الكلية لأجل وصوله هو، ومن ثم يطلبون قرنية إحدى العينين لأجل رحلة الهجرة لوالدته وأخوته. يمثل ألياهو تلك الضحية الراغبة في الانتقال للعيش في عالم أفضل، وكذلك الراغبة في انقاذ عائلتها وأخوتها، ويقدم لأجل ذلك أعضاء من جسده رمزاً للاستغلال الذي يتعرض له والتضحيات التي يقدمها هذا النوع من المهاجرين. يستعيض العرض عن جسد ألياهو بدمية، دمية على شكل ألياهو تطبق عليها التغيرات التي تطرأ على جسد ألياهو وروحه وهو في رحلة الآلام والخسارات والتضحيات وصولاً إلى بلد اللجوء. ويتابع العرض حكاية ألياهو حتى وصوله إلى لندن، وحصوله على وظيفة جديدة كمنظف للحمامات العمومية.

مأساة الهجرة في غروتسك استعراضي
يدمج أداء الفرقة المسرحي بين الهزلي والمأسوي، فتقدم مأساة المهاجر باعتبارها عرضاً فنياً من نوع الكباريه يتطلب امتاع الجمهور وتقديم المسلي والمبهر فيه، وبالتالي فإن اللحظات كلها، الحكايات، المشاهد المأسوية تُقدّم بروح من الهزل والغروتسك الفني، وبهذا يحدث التعارض بين مأسوية ما يروى على الخشبة، وبين الأسلوب الفني لتقديمه أي الهزلي والاستعراضي. أكثر ما يتضح ذلك، في بعض أغاني العازفة والمغنية دونا خليفة، التي تقدم في واحدة من الأغاني دعاية لجهاز كشف دقات القلب في السيارات والحقائب العابرة للحدود، بوصفه اختراعاً يمكّن حرس الحدود وأصحاب الشاحنات من كشف وجود مهاجرين غير شرعيين على متن سياراتهم، أو الأغنية التي تلحن قانوناً دستورياً في البلاد يجبر المواطنين/ات على غسيل الدماغ المجاني الذي تقدمه الدولة:

"غسيل الدماغ ببلادنا مجاني وإجباري، على كل مواطن أن يغسل دماغه على الأقل مرة بالسنة. فتحت الحكومة مراكز غسيل دماغ اقليمية وقضائية وبلدية، بعد كل عملية غسل دماغ يتم وضع ختم على بطاقة الهوية الوطنية. ويللي بيحاولوا يهربوا من عملية غسل الأدمغة سيعتبرون أعداء الانسجام المجتمعي. على كل مواطن في الوطن واجب حتمي وإلزامي بالوشي بأعداء الوئام الاجتماعي. الأشخاص يللي بيعارضوا غسل الدماغ، سيتم استئصال دماغهم".

 



يدين العرض أيضاً خطابات الدول العالمية والحكام السياسيين في تعاملهم مع ظاهرة الهجرة واللجوء، فيقدم المؤدون/يات شذرات من خطب المسؤولين، منها ما يتعلق باللهجة الانتقائية، أو العنصرية، أو اتهام اللاجئين بالشرور الذي فاقت بلدانهم قدرتها على استيعابه: "لم نعد نرغب باستقبال كل شرور العالم"، كل ذلك يؤدى على خشبة الكباريه بمبالغة غروتسكية وبلغات متعددة كالانكليزية، الفرنسية، وبعض لغات دول أوروبا الشرقية.

مواجهات الخطاب الإنساني والقانون الدولي
يجسد مشهد آخر وصول امرأة تحمل بين يديها طفلاً هاربة من الحرب، من الموت، ويجسد المشهد التعارض وبين الخطاب القانوني الدولي الذي يجسده خفر الحدود من جهة: "إنتِ مين؟ وقفي محلِّك! ما تتحرّكي! إذا بتخطّي خطوة وحدة بتكوني عم تتخطّي الحدود بطريقة غير شرعيّة. وكُلّ ما هو غير شرعي ممكن ينقلب ضدّك"، وبين الخطاب الإنساني المثالي الذي تجسده الأم حاملةً طفلاً من جهة أخرى: "أنا بدّي إقطع الحدود. هربت من الحرب. هربت من الرعب. هربت من الموت. بلدي بطّل موجود. بلدي تقسّم، قسمين، تلاتة، أربعة".

يقوم خطاب خفر السواحل على القوانين الدولية التي لا تأخذ بعين الاعتبار الحياة الإنسانية كأولوية، ويمثل التمييز القومي والعنصري، بينما ترد الأم حاملةً طفلها بعبارات التضامن والمساواة الإنسانية:

- خفر حقوق الإنسان: شو جنسيتك؟
* المرأة حاملة ولد بين يديها: بطّل عندي جنسية. جنسيتي الولد يللي حاملته بين إيديّ. جنسيتي الأرض. جنسيتي السماء والنجوم يللي فوق رأسي. جنسيتي طيران العصافير. بدّي كون من جنسية العصافير الطايرة فوق الحدود.
-خفر حقوق الإنسان: إذا بتخطّي خطّة وحدة يتكوني عم تتخطّي حدود أرض حقوق الإنسان العالمية بطريقة غير شرعية.
* المرأة: ما عندي جواز سفر. جواز سفري الوحيد، ولدي يللي بلّش يبرد. جواز سفري الوحيد، ولدي يللي بلّش يجوع. نفاف الثلج، لمّا يوصل على الأرض، ما بيحتاج جواز سفر.

وفي مشهد ساخر آخر يقوم على التورية، يوجه ضابط معاونه بكيفية ازدراء الإنسان الحي واحترام الإنسان الميت، وبخطاب يحمل في طياته الهزء بالقيم الإنسانية التي يتعامل فيها العامل والعسكر مع أجساد المهاجرين وجثث الضحايا، يقول الضابط لمعاونه:

"لازم نحترم الإنسان. الإنسان في يكون أوقات مقرف، في يكون أوقات مزبلة بس بالأخير الإنسان هو خلقة الله. إذا بدّك تبزّق على واحد، بزّق عليه هو وعايش. مش بعد ما يموت. إذا بزّقت عليه بعد ما يموت حرام. لمّا يكون بعده عايش فلات قدّ ما بدّك. اعتبره ملكك. فيك تمسّح فيه الأرض، تدعوسه. بس شي إنّه بيعطيك عمره بتتغيّر المعادلة. بيتحرّم عليك جسمه. ببطّل عندك ولا أيّا سلطة عليه. لمّا تقتل زلمي، جثته بتبطّل ملكك. الزلمي الميّت بيدخل بعالم الأبعاد التانية: عالم الغموض الكوني، عالم الحرّية البحتة. وإنت لازم تحترمه لهالإنسان الميّت، لأنّه الإنسان الميّت لمّا يدخل على عالم الأبعاد بيصير يعرف إشيا كتير أكتر منّك".

يقوم العرض على مشاهد من نصوص مسرحية للكاتب الروماني ماتيي فيسينياك من مسرحيات مثل "مهاجرون، أو أننا كثر على هذا القارب"، ومسرحية أخرى "احذروا العجائز اللواتي تقضمهن الوحدة"، ويتلو المؤدون أغاني جاك بريل، لوي أرمسترونغ تلك التي تحمل مضامين تدافع أو تنتقد الإنسانية، ويتميز العرض بكثافة الخطوط السردية، وبالمزج بين فنون الاستعراض والأداء والغناء والموسيقى، بفنون التمثيل والمشاهد الحكائية.

وكانت الفرقة قد قجّمت لعرضها بالنص التالي: "كباريه: منصة للتعبير عن الفكر الحر والمتسامح، مساحة للاجتماع والضيافة، مكان للسخرية والنقد، للمتعة والترفيه، أحيانًا أيضًا مكان لاستفزاز أفكار منمّطة ومُسَيطر عليها وحتّى أخلاقيّة في كثير من الأحيان. تتناول مجموعة كهربا عن عالمنا وحدوده، تلك الحدود المادية الحاضرة التي تنظّم وتسيطر وتحد وتحظر حركتنا وتداولها، وتلك التي أكثر مكرًا متأصلة في قصصنا وفي أجسادنا وذاكرتنا. تتحدث إلينا عن الاتجار بالأعضاء، والانتظار عند الحدود، عن المسافرين/ات خلسة ومهربيهم/هنّ، وعن العنصرية التي تكون أحيانًا ساذجة ولكنها مع ذلك حقيقية للغاية ومتجذرة بعمق في أريافنا".
_________

(*) قدمت على خشبة مسرح المدينة بين 13 و16 نيسان/ابريل الجاري 

إخراج، سينوغرافيا، أقنعة ودمى: إيريك دينيو
نصوص: ماتيي فيسينياك 
تأليف موسيقي: دونا خليفة
أداء وتمثيل: ماريليز عاد، دونا خليفة، سهى نادر، ساني عبد الباقي،  بشارة عطالله، سامر زاهر، أوريليان الزوقي، إريك دينيو.