image
الأحد 2023/01/15

آخر تحديث: 11:11 (بيروت)

تبدل الطقس المتطرف: ظاهرة لم تشهدها البشرية منذ قرون

الأحد 2023/01/15 سامي خليفة
تبدل الطقس المتطرف: ظاهرة لم تشهدها البشرية منذ قرون
موجات متتالية من الجفاف الشديد والسيول المدمِّرة (Getty)
increase حجم الخط decrease

هي مشاهد لم ترَ البشرية لها مثيلاً منذ قرون، يعزوها علماء المناخ إلى تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. إننا نتحدث عن ظاهرة التبدل المفاجئ للأجواء المناخية، حين تنقلب حالة الطقس في منطقة معينة من حالةٍ إلى نقيضها تماماً خلال فترة زمنية قياسية، مع كل ما يسببه ذلك من كوارث وهلع بين قاطنيها.

مشاهد مناخية صادمة في الولايات المتحدة
أضحت ظاهرة تبدل الطقس الحاد والمفاجئ، والتي تعني بشكلٍ عام تحولاً سريعاً بين حالتين مناخيتين متطرفتين ومتناقضتين، الشغل الشاغل لعلماء المناخ. خصوصاً أن هذه الظاهرة المرتبطة بالاحتباس الحراري، ازدادت في قوتها وسرعتها بوتيرة صادمة منذ العام الماضي، وتسببت بكوارث في أجزاء من أوروبا وآسيا، فيما حلّت ضيفاً ثقيلاً على الولايات المتحدة التي كان لها حصة الأسد منها.

الأزمة الحالية في كاليفورنيا هي خيرُ مثالٍ على ذلك. ففي أقل من أسبوع، تغيرت حالة الطقس في الولاية الأميركية من الجفاف الشديد إلى الفيضانات الجارفة. وبعد أن شهدت الولاية قبل رأس السنة أسوأ موجة جفاف منذ ما يقرب من 1200 عام. وطُلب من ملايين السكان ترشيد استخدامهم للمياه. جاء منخفض جوي ليقلب الأمور بشكلٍ متطرف، وتلقت الولاية كميات من الأمطار تزيد بنسبة 400 إلى 600 في المئة عن المتوسط، ما أدى إلى حدوث بعض من أسوأ الفيضانات في تاريخ كاليفورنيا.

في الصيف الماضي، عانت مدينة دالاس الأميركية من تأثيرٍ مماثل. لأيامٍ متتالية، بلغت درجات الحرارة 38 درجة مئوية. وتوقف هطول الأمطار لأكثر من شهرين. ثم ضربت عاصفة قوية، وأفرغت كميات هائلة من الأمطار تجاوزت المعدلات خلال نصف يوم وحسب. وحدثت قصة مماثلة في الجنوب الغربي للولايات المتحدة، حيث أدى الطقس الحار بشكلٍ استثنائي إلى إشعال حرائق الغابات، وأعقب ذلك هطول كميات استثنائية من الأمطار.

وامتد تأثير هذه الظاهرة ليشمل درجات الحرارة أيضاً. في أواخر كانون أول المنصرم، انخفضت درجات الحرارة إلى رقم مزدوج سالب في معظم أنحاء الغرب الأوسط والشرق الأميركي. وتساقطت الثلوج بغزارة في نيويورك، ما أسفر عن مصرع أكثر من عشرين شخصاً. ثم، في غضون أيام، ارتفعت درجات الحرارة في العديد من تلك الأماكن إلى حدود 21 درجة مئوية. حتى أن بعض المدن سجلت درجات حرارة دافئة.

في أوروبا
القارة الأوروبية بدورها لم تسلم من تداعيات هذه الظاهرة، إذ جلب الأسبوع الأول من عام 2023 دفئاً قياسياً إلى أوروبا. وحطمت كتلة هوائية دافئة من الساحل الغربي لأفريقيا آلاف سجلات درجات الحرارة المسجلة منذ قرون في جميع أنحاء أوروبا، حيث شهدت سبع دول أوروبية على الأقل، مطلع العام الجديد، أحرّ طقس مسجل في شهر كانون الثاني على الإطلاق.

وبالعودة إلى الصيف الماضي، كان شهر تموز المنصرم في إنكلترا الأكثر جفافاً منذ عقود. لم يطل الأمر كثيراً، إذ تعرضت لندن والأجزاء الجنوبية الأخرى من البلاد بعد ثلاثة أسابيع لهطول الأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة. أما فرنسا التي عاشت واحدة من أسوأ موجات الجفاف التي سُجلت على الإطلاق هذا الصيف، تعرضت أيضاً بعد فترة زمنية قصيرة جداً لعواصف شديدة، ما تسبب في حدوث فيضانات في باريس ومرسيليا ومناطق أخرى في أنحاء البلاد.

ماذا يقول العلماء؟
يقول العلماء أن تغير المناخ قد يؤدي إلى زيادة التواتر في تقلبات الطقس المفاجئة في العقود المقبلة. ويجزم مركز "وودويل لبحوث المناخ"، أنه على الرغم من أن أحداث الطقس المفاجئة لم تصبح أكثر شيوعاً في العقود الأخيرة، إلاّ أنها من المحتمل أن تزداد في المستقبل بسبب ارتفاع درجات الحرارة. مضيفاً أن هناك مناطق معينة، أصبحت فيها "الأرجوحة" بين الجفاف وهطول الأمطار الغزيرة أكثر شيوعاً.

وقد علّقت جينيفر فرانسيس، كبيرة العلماء في مركز "وودويل لبحوث المناخ"، على هذه الظاهرة بالقول "هذه التحولات المفاجئة تؤدي إلى اضطراب كبير في جميع أنواع الأنشطة البشرية والحياة البرية، وتشير دراستنا إلى أنها ستحدث بشكلٍ متكرر مع استمرارنا في حرق الوقود الأحفوري وقطع أشجار الغابات". 

هناك سببان رئيسيان وراء هذه الظاهرة، إحداها يشرحها علماء المناخ في مركز "وودويل لبحوث المناخ"، كالآتي "عندما يسخن الهواء، يمكن أن يمتص الرطوبة من الأرض، ما يؤدي إلى تجفيف الغطاء النباتي. يمكن لذلك أن يسبب الجفاف وحرائق الغابات. لكن الهواء الدافئ يحمل أيضاً المزيد من الماء. والنتيجة هي جو يستغرق وقتاً أطول للتشبع بالمياه، ما يعني عدداً أقل من العواصف الممطرة، التي عندما تحدث، تتسبب في تصريف كميات هائلة من المياه بدفعة واحدة".

والسبب الثاني، يفنده علماء معهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا" بقولهم: "في كانون أول المنصرم، رأينا استطالة وضعفاً في الدوامة القطبية الستراتوسفيرية في القطب الشمالي، وهي مجموعة من الرياح الغربية القوية التي تدور ما بين حوالى 16 إلى 48 كيلومتراً فوق القطب الشمالي في الشتاء. عندما تكون الدوامة القطبية قوية ودائرية، فإنها تحافظ على الهواء البارد معبأً فوق القطب الشمالي؛ وعندما تضعف وتستطيل، يميل التيار النفاث في طبقة التروبوسفير أيضاً إلى الاستطالة جنوباً، ويمكن أن ينتقل الهواء البارد من القطب الشمالي إلى مناطق خطوط العرض الوسطى".

وأضاف علماء المعهد الأميركي "عندما تتمدد الدوامة القطبية، فإنها لا تبقى في هذا التكوين لفترة طويلة. فهي كالشريط المطاطي، تميل إلى العودة إلى شكلٍ دائري، عادةً في غضون أسبوع تقريباً. هذا الأمر برّمته يشرح الارتداد المفاجئ للطقس في أوائل عام 2023، وكيف أدت الكتل الهوائية الأكثر دفئاً من المناطق الاستوائية إلى ارتفاع درجة حرارة شرق الولايات المتحدة وأوروبا. نحن على ثقة بأننا سنرى المزيد من الأمثلة على هذه الأحداث الممتدة في الستراتوسفير، تليها بعد فترة وجيزة موجات باردة في مناطق خطوط العرض الوسطى مع ارتفاع درجة حرارة مناخ القطب الشمالي وتغيرها".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها