image
السبت 2023/01/14

آخر تحديث: 17:00 (بيروت)

مهند وغالب احرارا:آثار جسدية ونفسية واشتهاء الطعام

السبت 2023/01/14 لوسي بارسخيان
increase حجم الخط decrease
بعد نحو 80 ليلة ونهار أمضاها مهند وغالب العروب من دون أن يريا النور أو يعرفا متى يبدأ نهارهما ومتى ينتهي، بات الطفلان اللذان خطفا من مدينة بعلبك في وضح النهار بتاريخ 22 تشرين الأول من العام الماضي، ليلتهما الأولى في فراشهما، ليستيقظا صباح اليوم السبت وسط عائلتهما التي بدت منشغلة في إعادة دمج الطفلين بحياتهما العادية، إثر ما قاسياه من ظلم ووحشية، تركا أثرهما على مظهرهما الأول لدى خروجهما من معتقلهما.

بملامح شاحبة أطل الطفلان على مستقبليهم عند الحادية عشرة من ليل الجمعة، بعد ان ادليا بإفادتهما حول ظروف إعتقالهما لدى فرع مخابرات الجيش في أبلح. وقد عادا الى هناك في اليوم التالي لإستكمال التحقيقات في الملف، ولكن بمظهر مختلف هذه المرة. فقد إصطحبهما والدهما ماجد أولاً الى صالون الحلاقة لقص شعرهما الذي كان قد نما بشكل كبير خلال الأشهر الماضية، بعد أن إستحما في منزلهما لأول مرة منذ ثلاثة أشهر أيضاً وبدلا ملابسهما التي إلتصقت ببدينيهما منذ تاريخ إعتقالهما. 


وصل الطفلان كما روى عم الطفلين المحررين وكأنهما من رجال الكهف، مع أثار التعنيف بادية على جسدهما، حيث تعرضا مرات عدة للضرب والركل، وكانا ينامان جائعين عدة أيام. وعليه خسر مهند وهو الطفل الأصغر أكثر من عشرة كيلوغرامات من وزنه، ولم يكن ذلك بسبب النقص في التغذية إنما نتيجة للرعب الذي عاشه مع شقيقه، حيث كان مجد الأكثر ضعفاً بينهما، وقد إعتنى به غالب مراراً ليصمدا معاً حتى تحريرهما.

في غرفة مظلمة لا يدخلها النور إحتجز مهند وغالب. وقد كانت هذه الغرفة كل عالمهما طيلة فترة إعتقالهما. لم يزودا فيها إلا بأربعة بطانيات كانا يفترشانها ليناما عليها ليلاً، ويلفانها حول بدنيهما للتدفئة عندما يشتد البرد. أما قضاء حاجتهما فكان في سطل أو عبوة مياه داخل الغرفة نفسها. 

خلال هذه الفترة لم يرَ مهند وغالب وجوه خاطفيهما. بل كان إثنان منهما يتناوبان على تمرير الطعام لهما عندما يسمح لهما بتناوله، وهو عبارة عن أرغفة الخبز مع اللبن أو المعلبات، كما أن أحدهما كان يلازم الغرفة الملاصقة لغرفتهما من أجل تأمين الحراسة الدائمة.

لم يعلم الطفلان أنه خلال فترة إعتقالهما إنتهى عام وبدأ عام آخر. وبالتالي هما إكتشفا ليل أمس أنهما خسرا سنتهما الدراسية. خصوصاً أن حالتهما النفسية لن تسمح لهما بالعودة الى مقاعد الدراسة سريعاً. وبالتالي هما سيحتاجان الى متابعة نفسية خلال المرحلة المقبلة. 

صبيحة إستيقاظ مهند وغالب في منزلهما كانت أهدأ من الليل السابق، حيث كان قد أعد لهما إستقبال من الأهل والأصدقاء. إلا أن الإلتفاف حول عائلة الطفلين المخطوفين "السورية" توقف عند هذا الحد. فلم يطرق بابهما كثيرا في اليوم التالي. ربما لما أحاط هذا الملف من ظروف شائكة، تجعل الكثيرين، وحتى عائلة الطفلين تسير ما بين الخطوط  إتقاءً لأي إستفزازات قد تلحق بهم الأذية.

وبحسب أوساط العائلة، جاء إطلاق مهند وغالب بعد سلسلة من العمليات العسكرية والمداهمات التي نفذها الجيش، قتل فيها أشخاص من المطلوبين الخطيرين وحالة بعضهم حرجة في المستشفيات، وأحرقت خلالها ممتلكات تعود لأفراد العصابات. وإذا كانت هذه الضغوطات التي مورست على أكثر من صعيد، قد ساهمت في رفع الغطاء عن العصابة المعنية بعملية الخطف حتى من قبل العصابات الموازية لها والتي تعرضت بسببها للمضايقات، فإنها تحمل معها أيضا مخاطر العمليات الإنتقامية التي لا يعرف أحد ضحاياها. ومن هنا تقول هذه الاوساط، بان عائلة مهند وغالب وأقاربهما باتوا أكثر جدية في التفكير بمغادرة مكان سكنهما، خصوصاً أنها ليست عملية الخطف الأولى التي تستهدف هذه العائلة تحديداً، بل كان إبن عمة الطفلين القاصر قد تعرض قبل أشهر لعملية خطف مشابهة، إحتجز خلالها وفقاً لوالدته لمدة 17 يوماً، ما إضطر والد الطفل لتأمين مبلغ أربعين ألف دولار حينها لإستعادة حرية إبنه. وإذا كانت والدة مهند وغالب "السورية" قد إلتزمت الصمت خلال زيارة لمنزلها، فإن عمتهما التي مرّت بتجربة مشابهة تحدثت عن حجم الألم الذي تلحقه عمليات الخطف، وما تخلفه من أثر نفسي على الأطفال وأهلهم معاً. 

تعيش عائلة العروب كلها اليوم الرعب على أطفالها. وتقول زوجة عمهما أنها لم تعد تسمح لأولادها بأن يخرجوا من المنزل منفردين منذ خطف مهند وغالب. غير أن الأصعب وفقاً لما يرويه عم الطفلين المحررين هو كم الشائعات التي يطلقها البعض من دون أن يعرف حجم الضرر الذي يخلفه لدى عائلة الضحايا، والتي تتخطى الضرر المادي الى النفسي والمعنوي.

ففي عملية خطف مهند وغالب لم ينجُ عم الطفلين من إتهامه بإخفائهما كما يقول. وقد سمع هذه الإتهامات مباشرة لدى التداول بقصتهما من قبل أشخاص لا يعرفون أنه الشخص المقصود بالإتهام. بالإضافة الى الإتهامات التي طالت زوجة والد الطفلين الثانية، وهي من الجنسية اللبنانية، وإتهامها أنها تخفيهم عمداً، وهو ما يسهم برأيه في إشاحة النظر عن عصابات الخطف، التي تنتهك كرامات الناس فقط لأطماع مالية كما تبين من خلال إطلاق مهند وغالب. 

وبالعودة الى الطفلين المعنيين بالقضية، فتؤكد العائلة انها ستفعل كل ما بوسعها كي لا تترك هذه التجربة المؤلمة أثراً بالغاً في مستقبلهما. وعليه بدت جدتهما متحمسة جداً لتلبية رغبة حفيديها الأولى، فعندما سألتهما عما يشتهيان تناوله طلب غالب فريكة الدجاج، ومهند "مدة اللحم" وهي أبدت حماسا لتحضير كل ما يشتهيانه. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها