آخر تحديث:00:16(بيروت)
الجمعة 10/05/2019
share

"أسبوع الصوت": عندما عُزِلت بيروت عن بحرها وهوائها

مريم سيف الدين | الجمعة 10/05/2019
شارك المقال :
"أسبوع الصوت": عندما عُزِلت بيروت عن بحرها وهوائها المبادرة هي موقف ضد القطيعة بين المدينة والبحر (علي علّوش)
بعد التغير العمراني الذي شهدته مدينة بيروت، وبعد أن سلخت الأبراج الشاهقة بحر المدينة عن قلبها، أطلقت اللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو و"مبادرة حسن الجوار" في الجامعة الأميركية وجامعة القديس يوسف والكلية العالية للأعمال، "أسبوع الصوت" الأول في بيروت. وهو يهدف إلى التركيز على أهمية الصوت في حياتنا اليومية وتأثيره الكبير على علاقة الناس بمحيطهم المديني، وفق ما تقول لـ"المدن" مديرة المبادرة منى حلاق التي طالما وقفت ضد التغير العمراني الذي شهدته مدينة بيروت. 


ميناء الصيادين
وبدأت المبادرة صباح الأربعاء بافتتاح تجهيز "تعا لقاط الموجة" من تصميم "ديستريكت دي"  على درج عين المريسة- رأس بيروت، والذي يمر بين أبنية قديمة.. بهدف إعادة تفعيله كمساحة عامة. وقد زود الدرج بمكبر للصوت (فونوغراف)، ينقل صوت البحر من ميناء الصيادين في عين المريسة عبر البث الحي والتسجيلات لنديم مشلاوي وبوداديتو شاتوبادهاي.

وتقول حلاق بأن الفونوغراف وضع في المكان الذي كان يمكن رؤية وسماع صوت البحر منه تاريخياً. "فإعادة إعمار الواجهة البحرية والتطوير العقاري، حصلا من دون تنظيم، ما أقفل المدينة وفصلها عن البحر وغيّر مسار الهواء، والمبادرة هي موقف ضد القطيعة بين المدينة والبحر". وقد اختير ميناء الصيادين لنقل صوت البحر منه، لدعم الميناء ومساندته، وهو المهدد والمنسي، كي يستعيد أهميته. كما زود الدرج بخطوط أنابيب صوتية يمكن للناس وخصوصاً الأطفال منهم التحدث بواسطتها وسماع أصوات بعضهم البعض، لاسترجاع ذاكرة اللعب على هذه الأدراج، كوسيلة لاستعمال الصوت ضمن اللعب، لتعزيز التواصل بين أبناء المدينة ووبالأخص أبناء الأبنية المجاورة.

قصص البحر والغواصة الفرنسية
يودي الدرج إلى منزل صياد عين المريسة إبراهيم نجم، الذي توفي قبل سنتين، والذي اكتشفت حلاق قصته بعد زيارتها لمنزله. وتروي حلاق أن نجم نقل قصص البحر، محولاً منزله إلى متحف، جمع فيه كل ما وجده من قطع قديمة خلال عمله وغطسه في البحر. حتى أن اسم le souffleur الذي أطلق على تجهيز الدرج، مستوحى من إسم الغواصة الفرنسية التي غرقت قبالة السواحل اللبنانية في العام 1941. وقد عثر عليها نجم منذ حوالى أربعين عاماً، أثناء إحدى رحلات الغطس، فنقل أجزاءً منها إلى منزله، إضافةً إلى ثلاث جماجم تعود لفرنسيين من طاقمها. وقد نزع نجم إسم الغواصة عنها، وعلقه على باب منزله، فأصبح يطلق على المنزل إسم الغواصة le souffleur.

وتطرح مسألة الجماجم تساؤلاً حول تساهل فرنسا في التعاطي مع رفات مواطنيها، إذ رغم علمها بالعثور عليها قررت تركها في منزل أحد صيادي بيروت، بدل إعادتها إلى ذويها، أو أقله دفنها في موطنها. وللإجابة عن هذا السؤال يقول وسيم العاقل، إبن شقيقة نجم، بأن الجماجم وجدت منذ  نحو 40 عاماً، وأن السفارة الفرنسية قررت تركها في لبنان، لأنها لا ترغب بفتح جراح الأهل. لكن حلاق تروي قصة مختلفة، وتقول إن أحد السفراء السابقين في الأونيسكو أبلغها بأن الغواصة قصفت بصاروخ بريطاني، أي من جهة كانت حليفة لفرنسا. وأن الفرنسيين يعتبرون طاقم هذه الغواصة من "الخونة" (التابعين لحكومة فيشي المتعاونة مع النازيين آنذاك)، ولا يريدون استرجاع رفاتهم. وتشير إلى أن الفرنسيين زاروا المنزل منذ سنة ووضعوا الجماجم في صندوق خشبي وغطوها بالعلم الفرنسي، لكنهم تركوها مع عائلة نجم.

متحف عين المريسة
ويحتوي المنزل إضافة إلى قطع من الغواصة على الكثير من المقتنيات القديمة المكدسة فوق بعضها البعض لكثرتها. وتعهدت حلاق بتحويل مجموعة إبراهيم نجم إلى متحف بدعم من وزارة الثقافة والأونيسكو، ليخلد ذكراه. وتقول حلاق أن مبادرة حسن الجوار في الجامعة الأميركية تسعى لإيجاد التمويل والدعم، للتمكن من تحويل المنزل إلى متحف حقيقي في منطقة عين المريسة. إذ أوصى نجم بأن لا تخرج الأغراض التي جمعها من عين المريسة. وتعتبر حلاق أن تكديس الأغراض فوق بعضها البعض جزء من روحية المتحف، الذي ستحاول فيه الحفاظ على طبيعة التجميع، في مكان مفتوح أمام العامة. فهي تحلم بأن يصبح متحف مديني مجتمعي لمجتمع عين المريسة، وأن يكون على علاقة وثيقة بالأهل وبيئتهم.

الموسيقى وأبجدية البحر
وستستمر فعاليات أسبوع الصوت حتى نهار الجمعة 17 أيار، وسيقام يوم الجمعة المقبل 10 أيار عرض موسيقي يقدمه سبعة فنانين على درج فان دايك - رأس بيروت، بعنوان "قصيدة للبحر"، يعبرون فيه عن انطباعاتهم وانفعالاتهم في علاقتهم بالبحر. أما نهار السبت 11 أيار فستقام ورشة عمل حول الصوت والبحر والمدينة بعنوان "أبجدية البحر". وتستهدف الورشة ثلاثة أجيال لتعريفهم على غنى الأبجدية العربية بالمفردات التي لها علاقة بالصوت. كما سيفتتح المكان الذي كان سابقاً "الأفران الوطنية" والذي يشكل جزءًا من تاريخ المدينة، في شارع بلس، ليتحول إلى غرفة للصمت. يدخلها الناس من دون هواتفهم وأحذيتهم "لشراء الصمت"، ولينعزلوا عن التلوث السمعي وضجيج المدينة.

وتلفت حلاق أن المبادرة تحاول الحفاظ على ما تبقى من تراث عين المريسة: "أكثر المناطق التي تضررت من تدمير الأبنية القديمة".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها