آخر تحديث:14:32(بيروت)
الجمعة 27/02/2015
share

صور اللاجئين الأخرى

حنين شبشول | الجمعة 27/02/2015
شارك المقال :
  • 0

صور اللاجئين الأخرى تتيح المقارنة بين مقاطع هذا الفيلم وأفلام أخرى ملاحظة فروق كثيرة، أو بالأحرى صورة معاكسة (Getty)
تتكرر المشاهد نفسها في كل مرة. يختلف الصوت، الشخص أو المكان. لكننا نرى الخيم فارغة إلا من بعض الأشخاص، ونشعر بما يشعرون به. غير أننا، كمشاهدين، اعتدنا أن نسمع قصص اللاجئين الحزينة في كل مرة نشاهد فيلماً عنهم.. حين تُقرب لقطاته وجوههم منا. كأن مصوريهم ينقلون ذكرياتهم، أو خوفهم وبردهم، في صور وجوههم البريئة والضعيفة. هكذا، بمجرد التفكير في قضية اللاجئين يمر شريط الأفكار والصور نفسها أمامنا، من دون أن يتاح لنا، أو أن نتيح لأنفسنا، زاوية نظر أخرى. لكن حقاً لماذا تصور هذه الأفلام؟ 


في تفكير معين يُعتقد أن الرأي العام يطلب هذه الصور والحكايات. كما يعتقد مصوروها ان هذا ما يحبه الناس، طالما أنها تثير عواطفهم وانفعالاتهم. وهذا ما تستغله الميديا لرفع نسب مشاهديها ومتابعيها، فيبقى السائد سائداً. ولا يبدو هذا التراكم في المادة المصورة عن اللاجئين غير تمديد لأزمتهم. وفي لبنان، هذا ما حصل في تجربة "الحرب الأهلية" على سبيل المثال، وإن بدرجة أقل.


سينما اللاجئين البديلة؟
كان التصوير هذه المرة مختلفاً، على الرغم من التقنية الضعيفة. اذ ركز مات بيترسون ومالك رسامني، وهما مخرجا الفيلم الوثائقي "السكان الأصليون واللاجئون"، على المناطق والصور الطبيعية إجمالاً. لا موسيقى مثيرة ولا لقطات مؤثرة، بل لقطات متنوعة أخذ معظمها من الأرشيف أو من السكان أنفسهم. هكذا، نرى رجلاً يجلس على كرسي، ويتحدث بطريقة عفوية، فتنتقل الكاميرا خلال حديثه الى مشاهد طبيعية صورت في سيارة متجولة. أو نسمع تسجيلاً صوتياً من وقت لآخر. كأنها لأشخاص تمثلهم صور مكانهم، بدلاً من صورهم الشخصية.

أراد بيترسون ورسامني أن يسلطا الضوء على قضية اللاجئين من زاوية مغايرة للمعتاد. وهما يعملان على فيلمهما كأنه بحث حول تجربتي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ومحميات هنود الولايات المتحدة، أو السكان الأصليين. وهذه محاولة منهما لـ"ربط" الصراعات والنضالات في كلا النموذجين، لوضع "النتائج والتحليلات جنباً إلى جنب بدلاً من مقارنة بعضها ببعضها الآخر"، حسب ما قالا لـ"المدن".

لا يزال الفيلم في مرحلة الإعداد، وقد اكتفى مخرجاه بعرض أجزاء بسيطة ممّا صوراه في الولايات المتحدة حتى الآن. غير انه، في نظرتهما إليه، يتعدى كونه فيلماً سينمائياً إلى كونه مشاركة سياسية فعالة مع أشخاص ومجموعات داخل كل من المحميات والمخيمات. وقد تعمد المخرجان أن لا يُظهرا الفلسطينيين أو الهنود كضحايا، أو مظلومين. بل عملا على مقابلة أفراد نشطاء ومنظمين، يملكون تحليلاً ورؤى جديدة لكيفية تعاملهم مع تجاربهم وواقعهم، في العيش في مجتمعات "غير أصلية".

لا يدمج الفيلم بين قضيتين متشابهتين، الى حد ما، خصوصاً في "مركزية الصراع على الأرض"، بل يعرضهما متجاورتين، من دون أن يكونا مرآة لبعضهما، كما يحصل، عادة، في قضيتي يهود أوروبا والفلسطينيين. ذلك أن مجرد عرضهما في الفيلم نفسه يحيل إلى أسئلة كثيرة، تتجاوز تسليط الضوء بشكل واضح على نقاط الاختلاف أو التشابه بينهما، وفق بيترسون ورسامني.


أماكن الهنود والفلسطينيين
عاش في الأميركيتين سكان، قبل وقت طويل من وصول الأوروبيين الى القارتين الجديدتين، في وقتها. وكانت الحدود التي تميز الآن بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك والبيرو والبرازيل وغيرها، هي التي ساهمت في تقسيم نمط الحياة والشكل الاجتماعي للأسر، وطرق التجارة والتبادل. فمثلاً، في الجزء الذي عرض حول محمية الـAkwesasne، التي تقع بين حدود الولايات المتحدة وكندا، بالقرب من كيبيك وأونتاريو، كانت تعيش، قبل نشوء المستعمرات الهولندية والفرنسية والبريطانية، مجموعات بشرية بات عليها التأقلم مع إدارة حكومية وبيروقراطية لا علاقة لها بها. كذلك الأمر بالنسبة لمحمية أخرى، تقع على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، اذ لم يعتبر سكانها الأصليون مواطنين أميركيين ولا مكسيكيين.

وهذا ما يشبه، في حد ما، مشكلة الفلسطينيين في لبنان والأردن. فالذين ولدوا منهم، في هذين البلدين، وهم من أصل فلسطيني، لا يزالون يعانون من أزمتي الهوية والمواطنية. لكن في هذه الحالة يبدو الانقطاع عن الجذور عبثياً بعض الشيء، اذ ان الفلسطينيين لا يبعدون كثيراً عن وطنهم. فمخيم الرشيدية في جنوب لبنان، مثلاً، يبعد حوالي 30 دقيقة عن حدود فلسطين. أما في الولايات المتحدة، فالهنود الذين يعيشون في ولاية أوكلاهوما كانوا قد قطعوا أكثر من 1500 ميل من حيث رُحّلوا قسراً.

اهتم المخرجان بشكل رئيسي بموقع المحميات الهندية ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين، كونها تشكل مساحات موجودة في الحيز الجغرافي للدول، ولكنها في الوقت عينه تمثل مجموعات مختلفة على المستويات القانونية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وكأنها موجودة فعلاً خارج هذه الدول. هكذا، لا يُصور المخيم أو المحمية مقراً للبؤس، إنما موقعاً للنضال والدفاع عن الهوية.

تتيح المقارنة بين مقاطع هذا الفيلم وأفلام أخرى ملاحظة فروق كثيرة، أو بالأحرى صورة معاكسة. ففي "السكان الأصليون واللاجئون" نرى هؤلاء "السكان" كغيرهم من السكان الآخرين. يملكون بيوتاً وأشغالاً ويعيشون حياتهم بشكل طبيعي، بغض النظر عن المشكلات السياسية التي يعانون منها. وهذا ما يبعدهم عن صورتهم السينمائية السائدة، كلاجئين ضعفاء، مستسلمين لظروفهم، وغير قادرين على المواجهة. كأنهم بذلك ينتقلون من زمن اللجوء السائد عنهم، إلى زمن آخر.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها