آخر تحديث:07:49(بيروت)
الخميس 28/10/2021
share

بعد"تريند الموز".. سوريو تركيا في خطر

إياد الجعفري | الخميس 28/10/2021
شارك المقال :
بعد"تريند الموز".. سوريو تركيا في خطر

 يبدو أن تداعيات متوسطة المدى، ذات طابع اقتصادي، لحرب التريندات "السورية – التركية"، الأخيرة، ستنال من الفئات الأكثر ضعفاً من السوريين في تركيا. وهي تداعيات قد تصبح بعيدة المدى، ومستقرة، إن لم تتحرك النخب والفئات السورية القادرة على الفعل، في تركيا، للقيام بخطوات جدية تستبق ما يتضح أنه تفاقم تصاعدي لمشاعر الكراهية والعنصرية في أوساط شريحة واسعة من الأتراك، بالتزامن مع ازدياد وتائر التحريض بدفعٍ من المعارضة التي تراهن على ورقة اللجوء السوري، بوصفها حصان طروادة الذي ستقتحم بواسطته قصر الرئاسة في أنقرة، في الانتخابات المقبلة عام 2023.


فـ "تريند الموز"، الذي كان تعبيراً عن نفاذ صبر غالبية السوريين في تركيا جراء تحميلهم كافة أوزار الأزمة الاقتصادية التي يعيشها السوريون والأتراك على حدٍ سواء، جاء بنتائج عكسية، بعد أن غلب على بعض الفيديوهات، حالة من العبثية والسخرية المبالغ بها، بصورة استفزت جمهوراً واسعاً من الأتراك، الذين ردوا بهاشتاغ "سوريلي"، الذي عبّر بدوره، عن موجة غضب تركية قد تكون غير مسبوقة، حيال السوريين. وإن كانت موجة الغضب تلك، ما تزال تجد تعبيراتها الرئيسية في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن هجمات بعض الأتراك على محلات ومنازل السوريين في أنقرة، قبل شهر، ما تزال في الذاكرة، وتنذر بصدام مباشر على الأرض، سبق أن حدث مراراً وتكراراً، في حوادث أصغر، على مدار السنوات الثلاث الأخيرة. لكن، الخوف الأكبر -والذي بدأ يُترجم إلى واقعٍ- يتعلق بأضرار معيشية مستديمة ستلحق بالسوريين.


إذ يمكن تلمس حالات لرفع إيجارات المنازل على السوريين. وفي بعض تلك الحالات، يطلب صاحب المنزل التركي، ضعفي الإيجار، من العائلة السورية، أو يطلب منها المغادرة. ويصعب إيجاد بدائل مع ارتفاع المخاوف من تعرض منازل يقطنها سوريون للاعتداء، في بعض المدن التركية، بصورة تجعل بعض الأتراك يرفضون تأجير منازلهم لسوريين أو القبول بهم جيراناً في العمارة نفسها. وفي حالات أخرى، يكون رفض تأجير السوريين نابعاً من المشاعر العدائية المتفاقمة حيالهم لدى بعض الأتراك.


ولمواجهة ما سبق، لا يمكن الرهان على إجراءات محدودة من قبيل قرار الإدارة العامة للهجرة بتركيا ترحيل 7 سوريين على خلفية تفاعلهم بشكلٍ "تحريضي واستفزازي" مع "تريند الموز". فتلك المحاولة لامتصاص "الغضبة الشعبية" التركية الأخيرة، تمثل استمراراً لسياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم بأنقرة، والذي بات يعتمد في السنوات الأخيرة، سياسات تقوم على رد الفعل وامتصاص الصدمة، في كل أزمة أو حادثة تقع بين أتراك وسوريين. فيما تبادر المعارضة التركية يوماً تلو الآخر، إلى رفع وتيرة استغلال هذا الملف، بصورة باتت تشكل تهديداً جدياً لحياة السوريين في هذا البلد.


ومع استمرار تدهور الوضع المعيشي في تركيا، جراء تراجع سعر صرف الليرة التركية، منذ خريف العام 2018، وصولاً إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، قبل أيام، تزداد المشاعر العدائية لدى الجمهور التركي حيال السوريين، بشكل طردّي. وتُبنى هذه المشاعر على معلومات مغلوطة مصدرها وسائل التواصل الاجتماعي.


وتشير دراسة نشرتها مؤسسة أبحاث تركية، خلال العام الجاري، إلى أن غالبية الأتراك، في أكبر المدن التركية –اسطنبول- يعتقدون أن السوريين عبء اقتصادي، وأنهم يحصلون على معاملة تفضيلية مقارنة بهم.


ووفق تقرير بعنوان "مراكز الأبحاث والوجود السوري في تركيا: بين الموضوعية والتوظيف"، نشره مركز حرمون للدراسات المعاصرة في تموز/يوليو الفائت، فإن الدراسة المشار إليها فيها، والتي نشرتها مؤسسة البحوث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تركيا، قالت إن جزءاً كبيراً من الأتراك يعتقدون أن السوريين لا يدفعون الضرائب، ويستفيدون من خدمات الكهرباء والماء مجاناً، ويحصلون على رواتب من الدولة، ويدخلون الجامعات من دون إجراء الامتحانات، ولديهم الأولوية في المستشفيات.


وأوضحت الدراسة أن آراء سكان إسطنبول الأتراك وانطباعاتهم مبنية على الأقاويل أو على الأخبار المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي، وأن غالبيتهم لم يُقم علاقات وثيقة أو منتظمة مع السوريين (6.34% فقط من العينة المعتمدة في الدراسة أقاموا صلات اجتماعية مستقرة مع السوريين). 


لذلك كانت أبرز توصيات الدراسة المشار إليها، هي القيام بحملة إعلامية طويلة الأمد، بالتعاون مع الحكومة التركية ومنظمات المجتمع المدني، من أجل دحض الشائعات التي لا أساس لها، ومكافحة الصورة النمطية السلبية حيال المهاجرين. 


تلك التوصية قد تكون أفضل السبل العاجلة، لمعالجة بعض جوانب الإشكال التركي – السوري، الراهن. لكن الرهان على الحكومة التركية، وحدها، في تحقيق هذه المعالجة، لا يبدو في محله، وفق ما تفيد به التجارب السابقة. وهنا يأتي دور منظمات المجتمع المدني، السورية تحديداً. فهي صاحبة المصلحة الرئيسية في تحصين الوجود السوري في تركيا، والدفاع عنه، وعن مصالحه. وفي هذا السياق، قد تكون الجمعيات الممثلة لمصالح رؤوس الأموال السورية في تركيا، إحدى دعائم نشاط كهذ، من قبيل، "جمعية الأعمال السورية الدولية"، أو "جمعية رجال الأعمال السوريين في تركيا". إذ تستطيع تلك الجمعيات إطلاق مبادرة بين رؤوس الأموال السورية بغية تنظيم حملة علاقات عامة وحملة دعائية، عبر وسائل الإعلام والتواصل، لتفنيد أبرز المزاعم التي تُؤسس عليها تلك العدائية المتزايدة في أوساط الأتراك حيال السوريين. 


حملة كهذه، إن أُطلقت قريباً، ستكون لها مستندات كثيرة، يمكن الاعتماد عليها، لإقناع المواطن التركي، بأن السوريّ الذي يتهمه بالمسؤولية عن ضيق عيشه، يتحمل الجانب الأكبر من تداعيات الأزمة الاقتصادية الراهنة في تركيا. إذ تشير إحصاءات إلى أن ما بين 500 ألف إلى مليون سوريّ يعملون بأجور أقل من الحد الأدنى لأجور نظرائهم الأتراك، ولعدد ساعات أكبر. ويتعرضون للاستغلال من جانب أرباب العمل الأتراك، بصورة رئيسية، ويشكلون يداً عمالة رخيصة، ساهمت في تعزيز قوة الصادرات التركية. ناهيك عن استغلال أصحاب المنازل الأتراك للسوريين عبر رفع الإيجار عليهم بصورة كبيرة، مقارنة بنظرائهم من المستأجرين الأتراك. من دون أن ننسى، دور رأس المال السوري الذي اندفع بقوة إلى تركيا، بعيد العام 2011، بمساهمة سنوية في الاقتصاد التركي تُقدّر بنحو نصف مليار دولار، وبعدد شركات بلغ ما يزيد على 13880 شركة، لعبت دوراً كبيراً في تعزيز سوق الصادرات التركي، بما يملكه التجار السوريون من علاقات تجارية دولية وخبرة في أسواق المنطقة.


إطلاق حملة إعلامية، الآن، بات أمراً ضرورياً ومستعجلاً، نظراً لأن الأشهر القادمة ستحمل تصعيداً أكبر من جانب الجهات الداخلية التركية التي تراهن على استثمار ورقة اللجوء السوري وآثاره الاقتصادية المزعومة، في معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة. وهذا يعني، أن أزمات السوريين في تركيا ستتفاقم، إن لم يكن هناك تحرك جدّي لتطويق مسبباتها.




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها