image
الإثنين 2022/09/05

آخر تحديث: 13:13 (بيروت)

عقدة التفوّق السامّة في سوريا الأسد

الإثنين 2022/09/05 وليد بركسية
عقدة التفوّق السامّة في سوريا الأسد
أسماء الأسد تستقبل الطلاب المتفوقين
increase حجم الخط decrease
مثل كل عام، استقبلت أسماء الأسد، زوجة الرئيس السوري بشار الأسد، المتفوقين في الشهادة الثانوية، ضمن جهودها الدعائية التي تقدمها في كل مناسبة كليشيه يمكن تصورها من عيد الأم إلى عيد الشجرة. لكنها بعكس السنوات الماضية لم تكن الوحيدة التي تحدثت ونظّرت حول التفوق في وجه الإرهاب والحرب الكونية، بل أفسحت مجالاً للطلاب كي يشكروها ويتحدثوا أمام الكاميرات، وكان لافتاً مقدار التركيز على الطلاب المتفوقين في التعليم المهني الذين تم تكريمهم للمرة الأولى بعد عقود من التهميش والاحتقار الضمني لمجالات دراساتهم وعملهم.


وفي دولة ترفع شعارات الحب والتسامح وتصور نفسها كدولة مدنية تنتشر فيها المساواة، بعكس الواقع طبعاً، لا بد أن الطلاب المتفوقين في الشهادات العلمية والأدبية، ممن سيدرسون الطب والهندسة والمحاماة في الجامعة، والذين كانوا دائماً تحت الأضواء كفئة تسلط عليها الأضواء باكراً، سواء بالتكريمات المعنوية أو المادية ضمن مجتمعاتهم المحلية، شعروا بشيء من المرارة وهم يتابعون زملاءهم المتفوقين في مجالات لطالما وصفت بأنها أقل شأناً، يتصدرون المشهد مع أسماء بينما هم جالسون كقطع من الأكسسوار اللازمة كي يكتمل المشهد، في وقت تفرز فيه المدارس السوريين إلى فئات حسب "الشطارة" والعلامات والنتائج الدراسية، تحدد بها مستقبلهم، من التعليم العلمي إلى الأدبي إلى الشرعي والمهني.



والمدارس الصناعية والمهنية والشرعية لا تتبع كلها لوزارة التربية بل إلى وزارات أخرى مثل وزارة الأوقاف ووزارة الصناعة ووزارة النقل والزراعة وغيرها. ويتجه إليها عادة الطلاب الموسومون بصفة "الكسالى" من دون حتى أن يمتلكوا القدرة على الاختيار بين اتجاه وآخر. وضمن نظام التعليم الجاف القائم على التكرير الببغائي والممتلئ بالدعاية السياسية، حتى ضمن المواد العلمية نفسها، فإن ذلك الفصل يخلق تراكمات نفسية منذ سن صغيرة، خصوصاً عندما يسمع التلاميذ عبارات التحقير من أهلهم ومعلميهم وأقرانهم بأنهم أقل شأناً من أخوتهم الأذكياء أو أولاد عمومتهم وأطفال الجيران والغرباء الذين يظهرون في التلفزيون، مع تخويفهم بمستقبل مظلم وما إلى ذلك من تكريس لمفاهيم احتقار الذات واحتقار الآخرين على حد سواء، ولا يعزز ذلك فقط مشاعر كالحسد ولا يقود فقط للاكتئاب، بل يساهم في تفكيك المجتمع المفكك أصلاً ضمن محددات أخرى كثيرة.

وطوال عقود كان التفوق ضمن نظام التعليم في سوريا الأسد، قيمة سامة ومرهقة تنشر الحقد والضغينة بشكل ممنهج بين الأفراد منذ سن صغيرة وهم في المدارس، وفيما قد تتراوح تلك القيمة في حضورها بين مكان وآخر ضمن البلد نفسه، فإنها كانت تقسم الناس إلى طبقات اقتصادية واجتماعية وتعطي أهمية للناس حسب مهنهم اليومية، ينظر فيها أصحاب المهن التي توصف بالأفضل كالهندسة والطب إلى المهن الأخرى الأقل شأناً باحتقار، وحتى ضمن الاختصاصات نفسها يتم خلق تصنيفات مماثلة أيضاً.

في مدينة ديرعطية بريف دمشق على سبيل المثال، قيمة التفوق في المجتمع تتحول إلى قيمة طاغية. في نهاية كل عام يوجد تكريم من عائلة دعبول المقربة من عائلة الأسد للمتفوقين في الشهادتين الثانوية والإعادادية. ويتم تقديم مبالغ مادية ضمن مجموعة أوسع من المبادرات لتعزيز التفوق. وفيما يبدو ذلك على السطح براقاً ولطيفاً، إلا أنه يخلق بيئة عدائية. فالمدارس هناك تفرز الطلاب حسب مهن أهلهم بالدرجة الأولى، أبناء الأطباء والمهندسين وخريجي الجامعات يدرسون في صفوف واحدة، وأبناء المهن الأقل شأناً مثل الخبازين وأصحاب المحلات التجارية والعمال والمزارعين يدرسون معاً حتى لو كانوا من المتفوقين. ويتم خلق حواجز بين التلاميذ منذ سن صغيرة وغرس أفكار طبقية بأنهم يجب أن يعملوا كي ينتقل أولادهم إلى الجانب الآخر من المدرسة مثلاً. وإن كان ذلك يحضر في مدينة واحدة فقط، حتى لو كانت توصف بالاستثنائية ضمن المحددات السورية، فلا بد أنها تحضر في مدن أخرى بكل تأكيد.

وضمن الدراما السورية التي نقلت الدعاية الأسدية إلى حشود واسعة بطريقة ناعمة، كان ذلك الفرز الاجتماعي حاضراً باستمرار، وحتى عند محاولة نقده كان ذلك يحصل بطريقة شديدة الفوقية وكأنه فضل من شخصيات نبيلة ينبغي شكرها على إنسانيتها. في مسلسل "هومي هون" الكوميدي على سبيل المثال، يحاول فخري (باسم عيسى) المتفوق وطالب كلية الطب البحث عن اتجاه مهني جديد لشعوره بأن عائلته أجبرته على دراسة فرع لا يحبه، ليواجه بالاحتقار من المحيط بسبب أن أي مهنة سيختارها ستكون أقل شأناً في المجتمع، ليس فقط من ناحية الكسب المادي، بل من ناحية الاحترام والراحة الشخصية وغيرها.

يتقاطع ذلك مع براعة النظام في خلق عداوات بين السوريين ضمن مفهوم الأكثرية والأقلية وتعزيز تلك النزعات ضمن سياقات مختلفة. وهو أمر برع فيه نظام الأسد طوال خمسة عقود، مع تحكمه بالسردية ونوعية تلك الفئتين حسب المعطيات الآنية في كل مرحلة، وأفرز ذلك مجتمعاً مقسماً على أسس مختلفة، على عكس ما يدعي بأن سوريا بلد علماني أفرز هوية وطنية جامعة. ويصبح المتفوق وفق المحدد الرسمي الحالي، أي شخص يبرع بعمله في الداخل السوري وينتصر على المؤامرة الكونية ولا يهاجر، مهما كانت مهنته واختصاصه، المهم أنه صامت ولا يشتكي ويطيع الأوامر الرسمية ويقدم نموذجاً إيجابياً للمتذمرين الذين يريدون فقط أبسط الخدمات التي باتت مفقودة كالكهرباء والمياه والخبز والأدوية.

وأسماء اليوم، تحاول لعب دور إضافي في هذا النقاش عبر تكريمها المتفوقين في التعليم المهني وحديثها معهم وتصديرها لهم على حساب زملائهم الذين يخطفون الأضواء عادة، علماً أن الأسابيع الأخيرة شهدت جدلاً متزايداً حول معاني التفوق والدراسة. فالنظام السوري يبدو راغباً بتقليل الهجرة من بين حملة الشهادات الجامعية، ليس ضمن المعارضين له بالطبع بل ضمن فئات الموالين الهاربين من جحيم الحياة الاقتصادية والخدمية التي أفرزها عجز النظام عن القيام بواجباته كسلطة حكومية.



وكان وزير التربية السوري، دارم طباع، قال في تصريحات صحافية أواخر الشهر الماضي: "أيهما أفضل أن يدرس الطالب الطب ثم اختصاص، ويقضي 12 سنة، ثم يسافر لألمانيا ويخدم الألمان، أم يدرس معهد مهني لمدة سنتين ويدخل لسوق العمل بعمر 20 سنة ويحصد مليون ليرة شهرياً"، فيما أصدر الرئيس الأسد بعد ذلك مباشرة المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2022، حدد بموجبه شروط قبول عدد من طلاب كليات الطب والمعاهد الصحية والتمريض، وحملة الإجازة في الطب كملتزمين بالخدمة لدى القطاع الصحي العام، لـ"رفد جهات القطاع بالكوادر ودعم القطاع".

ونصّ المرسوم على تعيين الخريج المشمول بأحكامه في إحدى الجهات المعنية بالقطاع الصحي دون الحاجة إلى مسابقة، ويلتزم المقبول بخدمة الدولة مدة 10 سنوات، وتعد "خدمة العلم" في إشارة إلى التجنيد الإجباري من مدة الالتزام، وفق نص المرسوم. ويشترط المرسوم عدم منح المقبول بموجب أحكام هذا المرسوم التشريعي وثيقة حياة جامعية أو كشف علامات أو مصدقة تخرج أو شهادة أو أي وثيقة تدل على وضعه الدراسي إلا بعد انتهاء التزامه بالخدمة!

ومهما كانت الغاية من وراء كل ذلك، فإن الأسلوب الذي تتم به إدارة وتوجيه الأفراد قسراً تحيل حتماً إلى المفهوم الطبقي ضمن نظام حكم شمولي، لا يستطيع الأفراد بموجبه اختيار مصيرهم لأن ذلك المصير معلق بما تريده الدولة منهم في لحظة معينة، عبر التحكم بالعلامات والمفاضلات الجامعية وتحديد السردية الاجتماعية التي تحدد من هو الأفضل والأكثر جدارة بالاحترام. وذلك كله سلوك رسمي تراكم على مر عقود لخلق هذه البيئة التنافسية في ظاهرها والتحقيرية في جوهرها، خصوصاً عندما تتقاطع مع تصنيفات أخرى مثل الطائفة والدين والمنطقة الجغرافية ولون البشرة والجندر والسن وغيرها.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها