الخميس 2022/06/16

آخر تحديث: 17:52 (بيروت)

شادي حلوة.."فتات" النظام لمواليه الأشد فقراً

الخميس 2022/06/16 وليد بركسية
شادي حلوة.."فتات" النظام لمواليه الأشد فقراً
من برنامج "الناس لبعضا"
increase حجم الخط decrease
لا يعطي برنامج "الناس لبعضا" الذي يقدمه الإعلامي في التلفزيون السوري، شادي حلوة، في "يويتوب"، لمحة عن حياة الفقراء والمهمشين والبسطاء في سوريا من أجل إدخال الفرح إلى قلوبهم، مثلما يدعي أصحابه، بقدر ما يقدم في الواقع لمحة غير مقصودة عن انهيار مؤسسات الدولة في سوريا التي توقفت عن الوجود قبل سنوات لصالح تفتتها إلى كانتونات يتحكم فيها أمراء الحرب وقادة المليشيات ورجال الأعمال المرتبطون بنظام الأسد.


وفي البرنامج الذي انطلق قبل أشهر على أنه مبادرة إعلامية غير رسمية، يظهر حلوة بثوب إنساني مختلف عن الثوب العسكري الذي اشتهر به عندما رافق جيش النظام وضباطه المختلفين، تحديداً العقيد سهيل الحسن الملقب بالنمر، خلال حملة عسكرية قام بها النظام لإخضاع الشعب السوري الذي طالب بالحرية في ثورته العام 2011.

لكن ذلك المظهر المتصنع للبراءة واللطف لا يخدع أحداً، بما في ذلك الأشخاص الذين يظهرون في الحلقات وهم يشككون في نوايا الإعلامي وغاياته من تصويرهم في لقطات محرجة مترافقة مع موسيقى حزينة قبل إعطائهم حفنة من الليرات السورية، ليس لها قيمة حقيقية أصلاً في بلد ترتفع فيه الأسعار ويعيش نحو 90% من سكانه تحت خط الفقر بحسب إحصائيات الأمم المتحدة.



ويتم تقديم "مساعدات خيرية" من قبل "متبرعين ومغتربين" على الفقراء في شوارع المدن السورية التي يزورها حلوة، بعد طرح "أسئلة" عليهم ضمن برنامج مسابقات، بهدف عدم إشعار من يتلقى المساعدة المالية بالإحراج أمام الكاميرا أو لعدم إظهار الأفراد كمتسولين. لكن الطريقة التي يظهر بها البرنامج تحقق العكس تماماً، بداية من الأسئلة التي لا تتعدى "1+1" أو ذكر اسم طبخة محلية شهيرة من هذه البلدة أو مجرد إلقاء التحية ومعرفة اسم المذيع! وصولاً إلى الموسيقى المبتذلة والإصرار على إظهار الظروف البيضاء في يد من يتلقاها فجأة "من غامض علمه".

ويمكن اعتبار ما يقدمه حلوة في البرنامج جزءاً من خطاب النظام الإعلامي العام القائم على سياسة فائض القوة لأنه، إلى جانب النقاشات التي تنقلها الصفحات البعثية والصفحات الموالية في مواقع التواصل، يوصل رسالة صريحة مفادها أن هذه هي حال الشعوب التي تطالب بالحرية وتتمرد على "الحاكم الصالح".

ومع كل حلقة يبثها تُنشر ملخصات وصور لأبطالها "الذين تسببت الثورة ببؤسهم"، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحالات لعائلات جنود النظام السوري الذين قتلوا خلال السنوات الماضية. وتتجاهل تلك النقاشات كل ما له علاقة بمسؤولية النظام، ليس فقط عن الحالة الاقتصادية الحالية في البلاد، بل أيضاً عن عدم وجود تعويضات لائقة حتى لأولئك الجنود الذين يحرص الإعلام الرسمي وشبه الرسمي على تقديسهم، من دون ترجمة ذلك إلى ممارسات فعلية.

ويعني ذلك أن النظام، حتى عند عطفه وكرمه على ما تبقى من مواطنيه، حتى لو كانوا من أشد الموالين له وممن فقدوا أعزاء عليهم دفاعاً عنه، يظهر قسوة من أجل تأديب فئات أخرى من السوريين بطريقة غير مباشرة، خصوصاً ممن يرفعون صوتهم في مواقع التواصل ويتحدثون عن الفقر وانعدام الخدمات ومقومات الحياة ويطالبون الحكومة السورية بأداء واجباتها.

وليس غريباً بالتالي أن يثير البرنامج انتقادات، حتى من ممثلين محليين مثل قاسم ملحو، بسبب تعمده "إذلال الشعب السوري"، وهي انتقادات تتكرر في كل مرة يظهر فيها أحد المشاهير ضمن مبادرات مماثلة، ويمكن تلمسها في الاستياء من مقاطع فيديو مشابهة صورها اليوتيوبر يوسف قباني في دمشق قبل أشهر. لكن تلك الانتقادات تبقى قاصرة طالما أنها ترفض تصوير الفقر لمجرد أنه "يهين كرامة الشعب السوري" من دون الحديث عن أسباب ذلك الفقر والمتسببين به، ما يعيد التذكير بما بثته الإعلامية الموالية للنظام، غالية طباع، العام 2020، وأصبح نقطة مرجعية عند الحديث عن خطاب النظام السوري تجاه الفقر، بقولها أن الفقراء لا يتواجدون في الشوارع بل يخفون أنفسهم في بيوتهم، وأن من "يدعون" الفقر هم مجرد أشخاص يحترفون التسول لا أكثر.

صد ورد بين قاسم ملحو و شادي حلوة وجه قاسم ملحو رسالة عبر صفحته على الفيس بوك رسالة دون تحديد من المقصود منها جاء...

Posted by Alwaleed Channel on Sunday, May 29, 2022


وفي بلد تفيد إحصاءات الأمم المتحدة بأن نحو 90% من سكانه يعيش تحت خط الفقر بسبب السياسات الرسمية، فإن الحديث الدائم عن الكرامة وعزة النفس والألفة واضطرار قبول المساعدة من الآخرين، في كل مناسبة يأتي فيها ذكر الحالة الاقتصادية في البلاد، يقدم لمحة عن عنصرية عميقة ضمن المجتمع السوري لا يتم الحديث عنها كثيراً وتأخذ شكل "نزعة تفوّق" تقول إن السوريين "خير أمة أخرجت للناس" من زوايا مختلفة: دينية إسلامية لكون دمشق حضرت في نبوءات دينية عن نهاية العالم، ومسيحية من ناحية كون البلاد مهداً قديماً للمسيحية حيث ما زالت قرى في القلمون السوري تتحدث السريانية، وسياسية/ثقافية بسبب عقود من الحكم الشمولي الأسدي الذي عمل على تكريس تلك الفكرة بشكل ممنهج.

وازداد حضور هذه الفكرة خلال العقد الماضي عبر مطالبات بعدم نقل صورة السوريين وهم في موقف ضعف، على اعتبار أن الفقر كذبة أطلقها المعارضون والدول المتآمرة على "الدولة السورية" بسبب "انتصاراتها على الإرهاب".

ويفسر ذلك جزئياً بث البرنامج عبر "يوتيوب" فقط وليس عبر شاشة التلفزيون السوري الذي يتملص من الاعتراف مباشرة بوجود مشاكل في البلاد خصوصاً أن صحف النظام مازالت تنشر مقالات يومية عن طوابير الوقود في ألمانيا أو الانهيار الاقتصادي في الولايات المتحدة، مقابل الوفرة و"البحبوحة" التي تشهدها الأسواق السورية رغم "سنوات الحرب الكونية".

كما أن البث بهذه الطريقة يعطي مؤشراً على أن الدولة لن تتدخل حتى إعلامياً لحماية مواطنيها من الفقر المدقع، وترمي تلك المسؤولية لرجال الأعمال والمتبرعين مع القول أن الفقر "مجرد حالات فردية"، مع العلم أن التصوير في سوريا حتى من أجل "يوتيوب" لا يتم إلا بموافقة رسمية من وزارتي الداخلية والإعلام ولا يمكن أن يتم بشكل عفوي.

والأكثر من ذلك، إن تناول موضوع الفقر بناء على البرنامج، ينطلق من حالة رومانسية تمجد الفقر الذي يصبح مرادفاً للأخلاق والوطنية، بدلاً من كونه حالة يسعى الجميع في أي زمان ومكان لتجاوزها نحو واقع أفضل. ويبرز ذلك عندما يلتقي حلوة مع أفراد يرفضون تلقي المساعدة المالية منه ويكملون طريقهم، قبل أن تتطفل الكاميرا عليهم مراراً وتكراراً من أجل التعرف عليهم أكثر، فيما يضطر أولئك الأشخاص إلى الحديث فقط من أجل إنهاء تلك المعاناة المتمثلة بترصدهم وملاحقتهم حتى إلى داخل بيوتهم.

ليس تلميعاً بشخص الاعلامي #شادي_حلوة او حتى مغالاة ... ولا من اين ومصدر المساعدات ضمن برنامج (الناس لبعضا ) ... لكن ما...

Posted by ‎أحداث اللاذقية لحظة بلحظة‎ on Saturday, June 11, 2022


والحال أن برامج المسابقات السورية قبل العام 2011، كانت مجرد ترويج لشركات رجال الأعمال المرتبطين بالنظام مثل رامي مخلوف ومحمد حمشو، لكن برنامج حلوة يختلف عن البرامج المصورة في الاستديوهات ويذكر إلى حد كبير ببرنامج "سؤال ع الماشي" الذي قدمه الإعلامي الراحل مهران يوسف لعقود على الشاشة الرسمية، وكان يدور فيه بين القرى والمدن من أجل طرح أسئلة ثقافية على الناس مقابل جوائز مادية بسيطة.

وكانت الأسئلة صعبة وتتمحور عادة حول الأصل التاريخي والثقافي لاسم حي ما أو مدينة ما. ورغم كونه برنامجاً ترفيهياً إلى أنه كان جافاً إلى درجة كبيرة لأنه يمثل فترة الجدية المفرطة في الإعلام الرسمي. أما برنامج حلوة فهو المثال الأبرز لمعنى إعلام التفاهة التي تبدأ من الأسئلة إلى قيمة الجوائز وصولاً إلى الرسائل السياسية المرجوة.

وفيما يقلد حلوة في برنامجه مبادرات أطلقها مؤثرون عرب من بينهم "غيث الإماراتي" الذي لا تعرف هويته، فإن الفارق هنا لا يكمن فقط في كمية المساعدة المالية التي لا تتجاوز في سوريا أحياناً مبلغ 20 دولار أميركي تقريباً ولا تكفي من يتلقاها ليوم واحد، بل تتخطى ذلك إلى حقيقة أن المبادرات العربية المماثلة تركز على إيجاد عمل للفقراء والحد من البطالة وغيرها من حلول تتعدى المساعدة اللحظية نحو المساعدة طويلة الأمد، قبل أن تتدخل الحكومات نفسها من أجل دعم تلك المبادرات وتعزيزها.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها