آخر تحديث:14:12(بيروت)
السبت 09/10/2021
share

"لعبة الحبّار".. لماذا كل هذا النجاح؟

محمد صبحي | السبت 09/10/2021
شارك المقال :
"لعبة الحبّار".. لماذا كل هذا النجاح؟
منذ إطلاقه على منصة "نتفليكس"، استحوذ مسلسل الإثارة الكوري "Squid Game" (لعبة الحبّار) على اهتمام الكثيرين في أنحاء العالم، بتحقيقه نجاحاً باهراً ومفاجئاً، ليصبح أول مسلسل آسيوي و"شرقي" يتصدّر لوائح مشاهدة منصة البث عالمياً.

لكن فكرة المسلسل ليست جديدة تماماً، ففي العام 1999، رمى الكاتب الياباني كوشن تاكامي، البذرة السردية بروايته المصوّرة "باتل رويال"، والتي يجنَّد فيها مجموعة من الطلاب قسراً من قبل حكومة شمولية لقتل بعضهم البعض في منافسة/لعبة تجري أحداثها الدموية في إحدى الجزر اليابانية الوفيرة. استغرق الأمر من المخرج كينجي فوكاساكو أكثر من عام بقليل لعرض القصة على الشاشة الكبيرة وإحداث صدمة مماثلة لتلك الموجودة في النصّ الأصلي.

من بين عديد "الإلهامات" التي أفرزتها القصة، استخلصت الكاتبة الأميركية سوزان كولينز أولاً، وهوليوود لاحقاً، كل قطرة أخيرة مع سلسلة أفلام "ألعاب الجوع" بأجزائها الثلاثة. أفلام مثل "نُزل" (2005)، أو الجزء الأخير من سلسلة أفلام الرعب "Saw" أو "كما يشاء الربّ" لتاكاشي مايكي، خرجت من فرضيات مماثلة: كل واحد يبحث عن نجاته الفردية بأي ثمن.


القتل من أجل المال

يقوم "لعبة الحبّار" على فكرة بسيطة يمكن تخيّلها في أحد برامج تلفزيون الواقع، إذ تمنح منظمة غامضة جائزة مالية ضخمة بقيمة 45 مليار وون، لمجموعة مختارة من الأفراد ممن يعانون ضوائق مالية، يحصلون عليها من خلال التنافس على مجموعة من ألعاب الأطفال. الغريق يتعلّق بقشّة، والمُفلس المحبط لا يمكنه مقاومة الإغراء عندما يعرض عليه شخص غريب المشاركة في لعبة بجوائز مالية ضخمة. مثل مصيدة الذباب، يجذب المال 456 مشاركاً للدخول في ما ليس لديهم عنه أي فكرة. كل يوم عليهم إتقان لعبة جديدة. الطريق إلى ساحة اللعب يقودهم عبر متاهة من السلالم ذات اللون الوردي الفاتح والممرات التي تذكّرنا بألعاب الكمبيوتر القديمة. في هذا المكان المتضخم، يبدو الناس أنفسهم مجرد قطع لعب. وهم كذلك بالفعل.

لم يعد الأمر يتعلق بمنافسة صبيانية، مثل تلك التي كان يخوضها البطل في ساحة الحيّ عندما كان طفلًا يلعب مع أصدقائه "لعبة الحبّار"، بل يتعلق بالمال الضروري لبقاء الجميع، والذي يتدلّى من السقف في حصّالة ضخمة على شكل خنزير، ويزداد كلما أُقصي خاسر جديد. سرعان ما يدرك المشاركون أن في اللعبة هلاكهم، وأن الأمر سيؤدي في النهاية إلى أن "تقتل أو تُقتل". تعمل المنافسة المجنونة كمرآة لما يجري في العالم، وسيفهم المشاركون ذلك عاجلاً وليس آجلاً. وعبر حكايته الرمزية المبسّطة يفكك المسلسل المليء بالعنف والدماء شفرة الطبيعة البشرية والرأسمالية عبر استخدام صورة مصغرة من كل لعبة لاستكشاف موضوعات مثل الطمع والتضامن وحيونة الإنسان.

مفاتيح النجاح

إذن، كيف لـ"لعبة الحبّار" أن يحقق تلك المفاجأة ويصبح أكبر نجاحات "نتفليكس" مُزيحاً من طريقه إنتاجات غربية جماهيرية أخرى مثل "لاكاسا دي بابل" و "ذي كوينز غامبيت"؟ صحيح أن عصر المنصات أفرز وحَفَل بالنجاحات الفورية والمفاجئة، لكن عمل الكوري الجنوبي هوانغ دونغ هيوك صار مدموغاً بكونه أول إنتاج آسيوي يصل إلى تلك المكانة، وهو في طريقه لتجاوز جميع الإنتاجات الأخرى غير الإنجليزية في عدد المشاهدات. ما السرّ وراء اهتمام الكثيرين بموضوع صار مبتذلاً تقريباً، مع الإشارة لوجود مسلسل أسيوي مشابه هو السلسلة اليابانية "Alice in Borderland" التي لم تحظ بنفس الاهتمام رغم البراعة والإتقان فيها.

ربما يتعلّق الأمر بالتوقيت وبعبقرية كوريّة ما في ممارسة "قوتهم الناعمة"، للترفيه عن الجماهير، وفي الوقت نفسه، طرح أفكار أكثر قيمة وأشدّ إلحاحاً، عبر نسج إطار خيالي لرواية أزمات واقعية ومعاشة، ودمج عنصرين جاذبين لا يمكن لجمهور اليوم مقاومتهما: الطفولة والاقتصاد. مشاهدة "لعبة الحبّار" تعني العودة إلى أكثر الألعاب براءة في طفولتنا، غير أنها تأتي مصحوبة باندفاعات الأدرينالين أثناء ملاحقة مَن فاز ومَن خسر. هذا يُترجم إلى يقين وشكوك، إلى نوستالجيا ورعب، إلى إلهام واستيهام. في ما يتعلّق بالاقتصاد، من النافل التذكير بتبعات الوباء اقتصادياً على الكثيرين، سواء في تراكم الديون أو فقدان الوظيفة أو العجز عن الوفاء بالالتزامات المادية أو انخفاض سقف الطموح. كل هذا وأكثر موجود في "لعبة الحبّار". يتجاور التعرّف على الذات في أي من هؤلاء الشخصيات المكروبة، مع خيال الأزمات المندلع في الأوقات الرديئة، مع التعاطف الضروري واللازم أثناء متابعة وقائع لعبة مروّعة.

الشخصيات السبعة الرئيسية في الحلقات التسع هم "خاسرون" بامتياز، محاصرون برأسمالية متوحشة واختيارات فاشلة. لا توجد هنا حكومة فاشية، ولا شخصية سياسية بغيضة مثل الرئيس سنو (دونالد ساذرلاند في سلسلة "ألعاب الجوع"): كل شيء غامض، ومراوغ مثل تلك الشركات الكبرى العابرة للحدود، وربما يتعلّق الأمر في النهاية بلعبة مطاردة كبيرة لتسلية أصحاب الملايين وإبعاد الملل عنهم. أيضاً، على عكس كل الأعمال المشابهة السابقة المعتمدة على تيمة اللعب والنجاة، لا تقتصر أعمار المشاركين على فئة بعينها، كطلاب المدرسة الثانوية في "كما يشاء الربّ" و"باتل رويال" أو شباب المقاطعات في "ألعاب الجوع"، بل تضم اللعبة هنا أشخاصاً في مراحل عمرية مختلفة، من الشباب إلى الشيخوخة.

تبدأ القصة عند سيونغ جي هون، وهو خاسر نموذجي أسقطه "السيستم" في سيول المشرقة، سائق مدين بسبب القمار وعلى وشك أن يفقد ابنته. لكن تشو سانغ وو، زميله القديم والشخص الذي يعتقد الجميع أنه نظيره المعكوس، رجل الإدارة الناجح، يزامله في اللعبة أيضاً، بعدما انهار سوق الأوراق المالية وتراكمت عليه الديون. علي عبدول، مهاجر باكستاني مستغل على التراب الكوري. كانغ ساي بيوك، هاربة من كوريا الشمالية وتلاحقها المشاكل. جانغ ديوك سو، بلطجي مهدور دمه لخيانته رئيسه الأعلى رتبة.

هذه الكائنات المحاصرة في واقع اقتصادي متدهور هي ما ينتج التعاطف الذي يُترجم إلى مشاهدات. من غير المحتمل أن يجد المُشاهد نفسه في وضعٍ مشابه، لكن لا أحد معفي من الديْن والكرب وسيف ديموقليس في عالم محطَّم. والإفراط في الاقتراح والإلحاح عليه وأخذه إلى حدوده القصوى له جاذبيته أيضاً: في اللعبة الأولى، وهي بسيطة جداً بعنوان "إشارة خضراء، إشارة حمراء"، الخاسرون يودّعون المسابقة برصاصة تخترقهم. وهذه هي البداية فقط.

مراجع وبدائل

تجري اللعبة الشريرة على جزيرة، مثل "باتل رويال"، ومثلما في رواية تاكامي ينوَّم المتسابقون بالغاز. تظهر اللعبة الأولى أيضاً في فيلم تاكاشي مايكي. الزيّ الأحمر للحرّاس يقود المرء إلى التفكير في "لا كاسا دي بابل"، فيما تشير العلامات الموجودة على أقنعتهم إلى وجود "بلاي ستيشني" شيطاني. المنظر الأسود المنحوت للقائد المقنّع ينضح بحقد دارث فيدر (حرب النجوم)، وأسلوبه في إدارة في اللعبة مشابه لأسلوب الرئيس سنو (ألعاب الجوع). لكن وسط كل هذه الإشارات والمراجع المتقاطعة، يحقق "لعبة الحبّار" تألقاً يميّزه، يتمثّل في الإبقاء على إنسانية شخصياته التي خسرتها كاتنيس إيفردين (ألعاب الجوع) عندما أصبحت بطلة خارقة. الإنسانية في يأسها وعجزها، في تناقضها تجاه فكرة التنافس القاتل وما تضعه على المحكّ. والإنسانية، قبل كل شيء، في لعبة الخيانة والطعن من الظهر، لا بد لها أن تظهر في لحظة ما.

وبعد: لماذا حقق "لعبة الحبّار" مثل هذا النجاح؟ لأن المنصات تحتاج إلى تجديد لوحة إعلاناتها باستمرار، وبالطبع، مفاهيم عالية التأثير ومبسّطة مثل تلك الحاضرة هنا - حتى لو تكرّرت - تؤتي ثمارها دائماً. مَن لم يلعب يوماً مثل تلك الألعاب الطفولية؟! لكن يحدث أيضاً أن الغالبية العظمى من البشر على الأرض يشعرون أحياناً، مثل سيونغ جي هون المسكين، أنهم يركضون مثل الهامستر في حلقة مفرغة لا نهاية لها. وهناك بعض الراحة في حقيقة أن هذا الهامستر هو شخص آخر.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها