آخر تحديث:14:14(بيروت)
السبت 19/09/2020
share

النظام للسوريين: تريدون الخدمات؟..توقفوا عن الإنجاب!

وليد بركسية | السبت 19/09/2020
شارك المقال :
النظام للسوريين: تريدون الخدمات؟..توقفوا عن الإنجاب! كاريكاتور جريدة "تشرين" الرسمية
قبل أسابيع انتشر بين الموالين للنظام السوري "مانفيستو" شرح فيه أسديون، من بينهم عاملون في الإعلام الرسمي، تبدل طبيعة الأعداء الذين تواجههم "الدولة السورية" من المتربصين بها خارجياً والمتآمرين عليها من "الإرهابيين" إلى نوع جديد يمثل فيه المواطن السوري العدو الأكبر بوصفه طابوراً خامساً على أقل تقدير. وإن كان ذلك أمراً عادياً في سوريا الأسد، التي شيطنت السوريين طوال عقود، بوصفهم متخلفين وهمجيين وإرهابيين وغيرها من الأوصاف التي تندرج ضمن قائمة لا تنتهي، فإن جريدة "تشرين" الرسمية وصلت إلى مستوى جديد من الانحطاط، بتفسيرها للعجز الذي تشهده "الدولة السورية" بزيادة عدد السكان في البلاد.

ونشرت الصحيفة رسماً كاريكاتورياً، صورت فيه الدولة كأب مفلس يستقبل مئات الأطفال الخارجين من غرفة الولادة. وإن كان الاعتراف بإفلاس الدولة جديداً نسبياً، بعد سنوات من تصدير الإعلام الرسمي والحليف لمقولات تتبجح بصمود الدولة رغم سنوات الحرب، مثل قدرتها على دفع رواتب الموظفين أو توفير الكهرباء بعكس دول الجوار، فإن القفز إلى دعوات تحديد النسل بهذه الصورة، يعتبر تمادياً في لوم السوريين على العجز الرسمي الذي بات الحديث عنه على الشاشات الرسمية أسهل من الكذب بشأنه، مع وجود متهمين يمكن الإشارة إليهم لتلميع صورة الكيان المهترئ على كافة الأصعدة.

#كاريكاتير تشرين بريشة الفنان #ياسين_الخليل

Posted by ‎صحيفة تشرين‎ on Friday, September 11, 2020


ولوهلة لا يمكن فهم الكاريكاتور. لأن سياسة الأرض المحروقة التي اعتمدها النظام ضد الشعب السوري بعد العام 2011، أفضت إلى نتائج كارثية، فإضافة إلى مقتل نحو نصف مليون سوري، تشرد نصف سكان البلاد بين نزوح داخلي وخارجي. ولا يشكل أولئك المساكين السبب الذي يمنع الدولة السورية المتخيلة من الازدهار فقط، بل شكلوا في مجموعهم أيضاً، التفاحات الفاسدة التي وجب التخلص منها كثمن "زهيد" للوصول إلى "اليوتوبيا الأسدية" التي يبقى فيها الأسد في الحكم إلى الأبد ممتصاً دماء السوريين، من دون أن يشتكي أحد.

والمثير للسخرية، أن الكاريكاتور المتزامن مع تفاقم أزمات الكهرباء والبنزين والخبز وحقيقة أن 80% من السوريين باتوا تحت خط الفقر حسبب الأمم المتحدة، يتعاكس مع دعوات التكاثر وزيادة النسل التي شاعت في سوريا خلال السنوات الماضية، عندما كان النظام يشجع على زيادة عدد المواليد من أجل رفد الجيش بمقاتلين في المستقبل. ولا يعد ذلك مبالغة بل يمكن رصده وتتبعه في تصريحات رسمية أثارت استياء واسعاً. ومن بينها على سبيل المثال توصية "مجلس محافظة اللاذقية" مطلع العام 2017 بالتشجيع على زيادة النسل فيها، وفق برامج تقوم بها وزارة الصحة.

على أن هذا المشهد ليس جديداً تماماً، بل هو تعبير عن تفكير عنصري مريض عبر عنه موالو النظام طوال سنوات، لكن الغاية منه لم تكن تبرير فشل "الدولة السورية" في القيام بواجباتها وتوفير الخدمات لمواطنيها، بل كان لتبرير العنف ضد من ثار من السوريين على النظام وطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ولم تكن تلك المقولات تروج ضمن منظومة الإعلام الرسمي وشبه الرسمي فقط، بل امتدت لتشمل شخصيات إعلامية بارزة مرتبطة به مثل الإعلامي الروسي-السوري سرجون هداية، الحاصل على دكتوراه في العلوم السياسية، الذي كتب قبل سنوات تغريدة عن تحديد النسل في سوريا، لخص فيها مشكلة البلاد بارتفاع عدد السكان ولا بأس من تقليلهم، وإن كان المعنى المبطن يحتوي رغبة شريرة بتقليل عدد السكان على طريقة الحروب!.

كما أن الدعوات نفسها تكررت في دول الجوار التي استقبلت اللاجئين السوريين، ويمكن تلمسها في التغريدات العنصرية ضد السوريين في تركيا والتي تأتي من مواطنين أكراد من بينهم مشاهير وسياسيون كالمغني غوكهان أوزوغوز قبل أسابيع، أو في قنوات الممانعة اللبنانية التي لطالما ربطت بين تفاقم الأزمات اللبنانية على صعيد الخدمات مع عدد اللاجئين الذين "يتكاثرون" على الأراضي اللبنانية، وبالإمكان تذكر لقاء جوزيف أبو فاضل على قناة "المنار" التابعة لحزب الله، العام 2016، ودعا فيه السوريين في لبنان لاستخدام الواقي الذكري وتوزيع حبوب منع الحمل على النساء، لأن عدد اللاجئين السوريين في لبنان لا يعجبه، والذي لا يراه بالطبع نتيجة لحرب مدمرة في البلاد، متناسياً أن الإنجاب وعدد الأطفال حقوق طبيعية لأي إنسان، ومن غير المعقول أو المنطقي إطلاق دعوات لحرمان الناس من أبسط حقوقهم في الحياة بهذه الأساليب غير الأخلاقية.

كابوس لن تخرج منه بلادنا قريباً، يجب النظر إلى التزايد السكاني على أنه وباء؛ يحصل نتيجة الاستناد إلى مقولة أن المولود...

Posted by Hisham Shamieh on Tuesday, July 21, 2020


الجديد اليوم، أن الضخ الرسمي لا يستهدف السوريين في دول اللجوء أو في مناطق المعارضة، بهدف شيطنتهم وتصويرهم كمجاهدين ومتوحشين يستهدفون الحضارة في البلاد ويمتد خطرهم إلى أطفالهم عبر الحمض النووي. بل يتوجه هذا الخطاب إلى السوريين من دون أي صفة لاحقة، وإن كان يركز على السوريين في مناطق النظام والموالين له تحديداً، ممن يشتكون من انعدام الخدمات الأساسية في البلاد وغلاء الأسعار رغم انتهاء الحرب وإعلان الانتصار فيها. ما يستوجب تحسناً في الظروف المعيشية اليومية، بدلاً من الحالة التي تزداد تردياً يوماً بعد يوم، مع تحول النظام السياسي في البلاد إلى واجهة تدافع عن مصالح طبقة جديدة من رجال الأعمال والفاسدين وقادة الميليشيات، بدلاً من تمثيل الشعب نفسه.

والحال أن التيار الفلسفي الذي يدعو لمناهضة الإنجاب، ليس جديداً، بل يعود إلى اليونانيين القدماء، حسبما تقول هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، لكن هذه الفلسفة التي تبدو غريبة للوهلة الأولى، خصوصاً بتناقضها مع الأديان التي تدعو للإنجاب والتباهي بأرقام المواليد في العالم الآخر بعد الموت، لا علاقة لها بالدعوات التي يروجها نظام الأسد بحق الشعب السوري، لتبرير عجزه وإجرامه، بل هي الحد الأقصى للعدمية واليأس من الوجود البشري برمته، على اعتبار أن الإنسان هو عدو نفسه، وعدو الكوكب الأول، في زمن بات فيه "يوم استنزاف الأرض" وهو مقياس بيئي للنقطة التي يتجاوز فيها الاستهلاك قدرة الطبيعة على التجدد، مستويات قياسية، ما يعني أن قدرة الأرض على تجديد مواردها باتت في خطر متسارع بسبب الحضارة البشرية نفسها.

والفارق الأساسي بين أنصار هذه الفلسفة وموالي الأسد، تكمن في حقيقة أن الطرف الأول يتبنى عدم الإنجاب كخيار شخصي يناقشونه في مواقع التواصل الاجتماعي، تحديداً "Reddit" ولا يفرضونه على الآخرين، بعكس الطرف الثاني الذي لم يكتف بسياسة الإبادة الجماعية بحق السوريين بل يستمر في تصدير هذه الطروحات السامة، التي تضع اللوم في كل ما يجري في البلاد من انهيار، على السوريين أنفسهم. ومفادها أن الشعب السوري، سواء قبل الثورة السورية أو بعدها، غير واع ويحتاج إلى القيادة الحكيمة التي توصله إلى بر الأمان، ما يستوجب الطاعة التامة، وإلا كان العقاب.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها