آخر تحديث:18:47(بيروت)
الجمعة 18/09/2020
share

أصالة تغني حديثاً نبوياً.. لكنها ليست مادونا!

وليد بركسية | الجمعة 18/09/2020
شارك المقال :
أصالة تغني حديثاً نبوياً.. لكنها ليست مادونا!
في العام 1989 كانت نجمة البوب الأميركية مادونا تحرق صلباناً وتقبّل قديساً أسود البشرة وتلاقي آلهة أنثى في السماء السابعة، ضمن فيديو كليب أغنيتها الأيقونية "Like a Prayer" التي اعتمدت على ثيمات دينية لإيصال رسائل سياسية مذهلة حول المساواة العرقية وعنف الشرطة ضد الأميركيين من أصول أفريقية في الولايات المتحدة. وفي العام 2020 اقتبست المغنية السورية أصالة بضع كلمات من حديث نبوي ضمن أغنيتها الجديدة "رفقاً" والتي تقدم صورة نمطية مهينة للنساء ضمن مجتمعات دينية محافظة.


للوهلة الأولى، لا يمكن تخيل رابط يمكن أن يجمع بين هاتين الشخصيتين سوى اشتراكهما في مهنة واحدة نظرياً. إلا أنهما باتتا تتشاركان أخيراً أيضاً رد الفعل الغاضب من قبل الجمهور الديني، عطفاً على استفزازات مفترضة في فنهما. وإن كان الجدل يرافق مادونا منذ ثمانينيات القرن الماضي، بسبب جرأتها البارعة في اللعب على ثيمات دينية تغضب الفاتيكان الذي "صلبت" نفسها بالقرب منه العام 2006 ضمن جولتها العالمية آنذاك، فإن أصالة تقدم فناً محافظاً وأناشيد دينية من حين إلى آخر. وحتى الأغنية الجديدة التي كررت فيها عبارة مستوحاة من حديث نقل عن النبي محمد يقول فيه "استوصوا خيراً بالنساء"، لا تخرج عن ذلك الإطار، بتقديمها النساء كمخلوقات ضعيفة بحاجة إلى حماية الرجل، خصوصاً إن كن مطيعات وتقيات وورعات ولا يخالفن شرع الله.

ويقول مطلع الاغنية: "رفقاً بمن عنهن قيل استوصوا خيراً بالنساء، فقد خلقن بضعفهن وزادهن الله حياء"، وبالطبع فإن الأغنية تحفل بالمعاني الذكورية، التي تكرس الصورة النمطية في المجتمعات الأبوية عن النساء ككائنات ضعيفة. ولا تعتبر الاستعانة بالحديث النبوي للدلالة على ذلك الضعف والتباهي به غريباً، فكثير من المفاهيم المجتمعية السائدة تعود إلى جذور دينية، فالحديث المذكور يقول: "استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فاستوصوا بالنساء خيراً"، واضعاً النساء في مرتبة أدنى من الرجال الذين يتوجب عليهم استيعابهن بسبب النقص الخلقي فيهن!


ويتحدث علماء وباحثو الميثيولوجيا الدينية في منطقة الشرق الأدنى، منذ عقود، عن النصوص السومرية والبابلية التي وجدت طريقها نحو الأديان الابراهيمية، ومن بينها قصة "الضلع الناقص"، التي يقول عنها الدكتور المصري سيد القمني أنها تحولت إلى شكلها الحالي في الكتب المقدسة بسبب خطأ في الترجمة على ما يبدو. حيث تتحدث الأسطورة عن مرض الإله إنكي في أحد أضلاعه لتُخلق الأهة ننتي لغرض خاص جداً وهو تمريضه والإشراف على علاجه. وفيما يعني اسمها حرفياً "سيدة الضلع"، فإنها تعتبر الجذر الأسطوري لقصة آدم وحواء في الديانات السامية، حيث نسي الأصل الحرفي للقصة مع الزمن ولم يبق منها سوى الاسم ليتم نسج حكاية الضلع الناقص المهينة للنساء في التوراة والتي استنسخت لاحقاً في النص القرأني، حسبما يذكر الباحث الأميركي صموئيل كريمر.

وبغض النظر عن الإيمان الشخصي هنا، فإن أغنية أصالة بشكلها الحالي وكل ما تقدمه من معاني، وتاريخ أصالة في تقديم أغنيات دينية مثل أغنية "خليها على الله" التي تذكر الجمهور بها في كل موسم رمضاني، يجب أن تنال الإشادة من قبل الجمهور المحافظ في المنطقة، بدلاً من توجيه اللوم لها عبر هاشتاغات تصدر مواقع التواصل من بينها #أصالة_اخرسي. لكن الجدل يبدو مركزاً على التعدي على المقدسات. فكيف يمكن لكلمات النبي أن تتحول إلى كلمات أغنية رخيصة. والأسوأ هو كيف لامرأة تمتهن الفن أن تغني تلك الكلمات المقدسة. وليس من الشطط القول هنا أنه لو كانت الأغنية بصوت مشاري العفاسي أو أمل حجازي التي ارتدت الحجاب وأعلنت التزامها بأداء الأناشيد الدينية فقط، لكان الموقف العام مختلفاً.

يحيل ذلك إلى جدلية الأغاني العربية التي لا تتحدى السلطة الدينية، ليس فقط على صعيد تقديم أغنيات مباشرة، وأناشيد تتحول إلى مقاطع أيقونية كحال أغنية جون لينون الأشهر "Imagine" بل أيضاً من ناحية اللعب على الثيمات الدينية لتقديم موضوعات عاطفية مثلما تفعل مادونا باستمرار، ويمتد ذلك نحو الفيديوهات الموسيقية التي تعتبر فناً بحد ذاته في الدول الغربية، لتقديم رسائل سياسية واجتماعية، وهو تيار لا تمثله مادونا فقط بل تبدو الأبرع فيه، بسبب طاقتها الإبداعية ونشاطها العام "Activism"، وليس بسبب المؤامرة الماسونية التي تتحدث عنها الميديا العربية في تناولها للنجمة البالغة من العمر 62 عاماً، وهي تهمة يمكن رصدها حتى اليوم في مواقع التواصل عند الحديث عن أغنية "Frozen" الصادرة العام 1998، علماً أن مادونا مازالت حتى اليوم تقدم الفيديوهات الأكثر إبهاراً، بما في ذلك فيديو أغنيتها "Dark Ballet" التي هاجمت فيها الكنيسة الكاثوليكية مجدداً، بسبب الموقف من المثليين جنسياً.


وإن كان من النادر اليوم رؤية غضب الأزهر أو رجال الدين المتشددين على أغنية من أغنيات البوب العربي المتشابهة في كل شيء تقريباً، إلا أنه يمكن رصد حالات غاضبة قليلة عبر التاريخ. فالأزهر احتج على عبد الحليم حافظ عندما غنى قصيدة الطلاسم الشهيرة للشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي، بحجة أنها تتضمن إلحاداً وتجديفاً. وبالمثل غضب الأزهر من أم كلثوم بسبب أغنية "الحب كلو" بسبب جملة "يا أرق من النسمة و أجمل من ملاك" حيث قال الأزهر في معرض اعتراضه على الأغنية: "كيف تعتبر أن هناك إنساناً أجمل من ملاك؟". ومن الحالات الأحدث نسبياً يبرز الغضب من المغني الكويتي عبد الله الرويشد، الذي اقتبس بعض الجمل من سورة الفاتحة ما اعتبر إهانة للقرآن واستوجب فتوى من أحد الشيوخ السعوديين بإهدار دمه العام 2001، رغم إبطال الفتوى لاحقاً.

وحينها نفى الرويشد لوكالة "فرانس برس" أن يكون قد غنى سورة الفاتحة واستغرب صدور الفتوى ضده من دون التحقق من الموضوع، فيما قال لـ"راديو لندن" أن "الكلمات التي تغنى بها تتضمن بعض الكلمات المقتبسة من سورة الفاتحة ولكن ليست السورة كاملة"، موضحاً أن الكلمات للشاعر عبد العزيز الدويش، وجاء فيها: "الحمد لله رب العالمين. إياك نعبد وإياك نستعين إياك. نتبع طريق الهدى ويا الرزق إياك. لا تعامل السوء تبي عمل مالك يوم الصحف تنتشر. تبي عمل مالك احذر جهنم وحارس بيتها"، نافياً إساءته للدين.

وحتى في حالة الفن البديل في المنطقة العربية، تبدو الأمور بعيدة عن انتقاد السلطة الدينية، مع تركيز الإنتاجات على تقديم أنماط موسيقية مختلفة عن السائد أو على تقديم نقد ظواهر اجتماعية بطريقة منفرة ومباشرة. ولا يخلو ذلك من مشاكل مثل الترهيب الذي تعرضت له فرقة "مشروع ليلى" اللبنانية العام 2019، بحجة دعمها للمثليين جنسياً، ما استدعى غضباً مسيحياً بشكل خاص. ما يحيل إلى حقيقة أن السلطة الدينية لا تتعلق بالإسلام فقط في المنطقة، رغم أنه يشكل الطابع للعام لدول المنطقة والدين الرسمي لعدد من دولها والمصدر الأول للدساتير المحلية.


وترتبط هذه الحادثة، مثل حوادث أخرى بعيدة عن الموسيقى مثل الموقف من بعض المسلسلات والروايات والألعاب الإكترونية، مع حادثة أغنية أصالة، بأن الجدل يأتي من أفراد وليس من المؤسسات الدينية التي لم تعد تقتصر على هيئات رسمية توجه جموع المؤمنين، بل باتت تلك المؤسسة أكثر التصاقاً بالمؤمنين أنفسهم، وتتحرك خلفهم ومعهم في آن واحد، بقوة السوشيال ميديا، والتي اصبحت الوسيلة المباشرة لعكس صورة المجتمعات العربية اليوم، ككانتونات طائفية منغلقة على نفسها لا أكثر.

ووسط هذا الجو الذي يحتفي بأسماء محافظة مثل فيروز الشهيرة بترتيلاتها الدينية، ربما لا يمكن لوم أصالة كثيراً على خياراتها الفنية عند رغبتها في تقديم موضوعات اجتماعية، كما أن مقارنتها بمادونا ليست انتقاصاً منها لعدم تقديمها الجرأة اللازمة، مثلما يفترض بنجمة جماهيرية، بل على العكس تعتبر هذه المقارنة إضاءة بسيطة على حال المنطقة والحريات المتدهورة فيها والتي تؤثر على خيارات الفنانين وعلى المساحات الإبداعية. والسؤال المطروح هنا هو كيف يمكن لأحد أن يتجرأ على تقديم ما هو مختلف في حال كانت أصالة التي تكرر السرديات الثقافية السائدة تتعرض لمثل هذه الهجمات؟ ويمتد ذلك لتكرار أن غناء النساء بحد ذاته مازال يشكل كسراً لتلك السرديات السامة وتحدياً للسلطة الدينية، التي تبقى النساء بموجبها ناقصات عقل يشكل صوتهن عورة يجب إخفاؤها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها